الدوحة- أحمد يوسف: تطوي قطر عام 2021 بعدما بدأته بمصالحة مع دول خليجية واختتمته بتنظيم مونديال العرب بالتزامن مع الاحتفال بيومها الوطني، وبين ذلك حققت الدوحة نجاحات دبلوماسية في علاقاتها مع دول المحيط والعالم.
ففي 5 يناير/ كانون الثاني، صدر “بيان العلا” عن القمة الخليجية الـ41 في مدينة العلا السعودية، معلنا نهاية أزمة حادة اندلعت في يونيو/ حزيران 2017 بين قطر وكل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر.
ونال المونديال العربي الذي نظمته قطر الشهر الجاري إعجابا هائلا على الصعيدين العربي والعالمي، وجاء اختتامه وسط احتفال الدوحة باليوم الوطني القطري في 18 ديسمبر/ كانون الأول.
وما بين السياسة والرياضة حلقت قطر عاليا وبزغ نجمها في محطات إقليمية ودولية كثيرة أبرزها الملف الأفغاني الذي جعل الدوحة محجا لأبرز الشخصيات الدولية.
يرى المحلل السياسي القطري على الهيل، أن “الملف الأفغاني أكثر ما يميز التألق والمهارة السياسية لقطر؛ فالدوحة منذ 2013 وهي ترعى هذا الملف بالتوافق مع الحكومة الأفغانية وطالبان والولايات المتحدة وعدد من دول الناتو مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا”.
ويقول إن “وجود مكتب لحركة طالبان في قطر سهل الكثير من المهام للإدارة الأمريكية والحكومات الأفغانية المتعاقبة، وعندما وصلت طالبان إلى الحكم في كابول كان للدوحة دور أكثر تميزا”.
ويشير إلى أن “الدوحة أصبحت محجا للمسؤولين الأمريكيين والبريطانيين والألمان والفرنسيين، بل إن وزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين أحدهما سبق الآخر إلى الدوحة التي كانت نقطة استقطاب للجهود الدولية”.
ويلفت إلى أن “طلب هذه الدول من قطر أن تكون بعثاتها الدبلوماسية في الدوحة للإشراف على مصالحهم في أفغانستان خشيةً من إرهاب ما يسمى داعش أو تنظيم الدولة الإسلامية، يعكس المصداقية القطرية”.
وينوه الهيل إلى “الجهود التي قامت بها قطر داخل أفغانستان، من خلال دورها الواضح في إجلاء الأمريكيين والفرنسيين والبريطانيين والألمان وجنسيات أخرى”، مشيرا إلى أن هذه الدول جميعاً أثنت على الدور القطري في إجلاء المدنيين.
ويضيف أن “قطر لا تزال ترعى بشكل غير مباشر الملف الأفغاني”، متابعا: “قامت بالطلب من تركيا إعادة تأهيل مطار كابول، واستجابت أنقرة لهذا الطلب لأن البلدين تربطهما علاقات استراتيجية عميقة”.
ومنتصف أغسطس الماضي، سيطرت “طالبان” على أفغانستان بالكامل تقريبا، بما فيها العاصمة كابول، بموازاة مرحلة أخيرة من انسحاب عسكري أمريكي اكتملت في 31 من الشهر ذاته.
وحول أبرز محطات العلاقات القطرية التركية يعتقد الهيل أنها تتمثل في “زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الدوحة (في ديسمبر الجاري) وتوقيع 15 اتفاقية متنوعة إضافةً إلى الاتفاقيات الـ64 التي وقعت خلال الـ70 شهرا الماضية”.
ويضيف أن “القمة التي عقدت في السابع من ديسمبر الحالي، هي القمة الـ30 خلال 70 شهرا تقريبا، وهذه ظاهرة ملفتة ومتفردة في تاريخ العلاقات الدولية”.
وخلال العقدين الأخيرين، تطورت العلاقات القطرية التركية بشكل متنامٍ في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية، خاصة منذ أن وصل حزب “العدالة والتنمية” إلى السلطة في تركيا عام 2002.
وفي نفس السياق، يؤكد المحلل السياسي عزت النمر، أن “الدبلوماسية القطرية حققت نجاحات نوعية وكبرى في العقد الأخير في جوانب متعددة وفي أنحاء مختلفة من عالم متشابك تسوده الصراعات”.
ويرى أن “ما حققته الدبلوماسية القطرية كان رائعا مبهرا إلى حد أنه كسر كثيرا من مسلمات العمل السياسي وثوابت الدبلوماسية والعلاقات الدولية، لتتجاوز بذلك حساسيات الحجم مساحة وتعدادا، وتفرض نفسها كلاعب إقليمي ودولي مؤثر، وتقدم نفسها كرقم فاعل على الخريطة الدولية”.
ويتابع: “قطر كرست في دبلوماسيتها قيما ومبادئ تنطلق من احترام حقوق الإنسان وإعلاء مصالح الشعوب والاعتبار لقيمة العدالة وتساوي المصالح، وسلكت في تحقيق كل ذلك طرائق الشجاعة والمصارحة ودحض الحجج وتقديم المشتركات”.
ويتفق النمر مع الهيل في أن “نموذج النجاح الأوفى الذي وقف العالم أمامه كثيراً بموقف الانبهار؛ كان جهود الوساطة في مفاوضات السلام الأفغانية بين واشنطن وطالبان، ونجحت في إحلال السلام وإنهاء صراع استمر عقدين من الزمن”.
ويشير النمر إلى أن “الجهود القطرية بدأت في ولاية الرئيس دونالد ترامب -بما يمثله من صعوبة في التعامل وربما عشوائية في اتخاذ القرار- ومن خلال مفاوضات شاقة وعسيرة أدارتها الدبلوماسية القطرية بحرفية وشجاعة، استطاعت الدوحة إنجاز اتفاق تاريخي بين الولايات المتحدة وطالبان”.
وفي فبراير/ شباط 2020 وقعت واشنطن وطالبان اتفاقا تاريخيا في الدوحة نص على انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.
ويرى النمر أيضاً إلى أن “الثناء الأمريكي على هذا الاتفاق صدر على لسان وزير الخارجية (السابق) مايك بامبيو، حين قال: لولا الوساطة القطرية لما توصلنا إلى هذا الاتفاق التاريخي الذي سيسجل في التاريخ بأحرف من نور”.
ويشير السياسي المصري إلى أن “الشهادة الأعظم في هذا النجاح الدبلوماسي هو أن هذا الاتفاق حقق النصر الكامل للدولة الأفغانية والتحرر الكامل للشعب الأفغاني على كل أرضه بشروطه ورغبته، وهي المبادئ التي اعتمدتها الدبلوماسية القطرية وحافظت عليها كقيمة ورسالة تحسب لها وتحفظ لها وقارها ومصداقيتها لدى الشعوب والدول”.
وبحسبه “لم يقتصر نجاح الدبلوماسية القطرية على هذا الاتفاق التاريخي فحسب، بل إن في رصيدها سجلا حافلا من النجاحات في العديد من الملفات والأزمات التاريخية في أنحاء متعددة من العالم، ساعدت فيه في تعزيز الأمن والسلم الدوليين”.
وعلى رأس هذه النجاحات تحقيق السلام في إقليم دارفور السوداني، وإنقاذ لبنان من شفا حرب أهلية، وتعزيز الاستقرار في القرن الأفريقي من خلال وساطتها الناجحة بين جيبوتي وإريتريا، ومشاركتها الفعالة في وقف الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، بجانب العديد من الملفات الأخرى في ليبيا وسوريا وغيرها، وفق النمر.
ويذكر النمر أن “الدبلوماسية القطرية علا نجمها خلال السنوات الأخير كأبرز المساهمين في الشأن الدولي، حيث أصبحت حاضرة بقوة في أغلب أنشطة الأمم المتحدة، وفي المجموعات الإقليمية والدولية”.
ويتابع: “إضافة لذلك، كان الدور الإنساني، والوقوف إلى جانب الكثير من الدول في العديد من الكوارث الطبيعية والأزمات، كتقديم المساعدات والدعم إلى أكثر من 88 دولة، فمثلت قطر نموذجا في صدقية المبادئ التي أعلت من رصانتها وإنسانيتها”.
وحول ما اعتبره التحدي الأكبر وهو حصار قطر في 2017، يعتقد النمر أن “الدبلوماسية القطرية استطاعت التفوق على نفسها ومغالبة التحديات وقهر الظروف، وخرجت منها وانتصرت بمبادئها ودبلوماسيتها”.
ولفت إلى أن “قطر استطاعت الفوز باختيارها مقراً للحدث العالمي الأبرز كأس العالم 2022، ولم تكتفِ بذلك بل استطاعت جمع العرب في بطولة كأس العرب، وهي تقدم نجاحات غير مسبوقة في العلاقات وإمكانات الملاعب والإدارة والتنظيم”.
وللمرة الأولى في المنطقة العربية والشرق الأوسط، تستضيف قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم، بين 21 ديسمبر/ كانون الأول و18 يناير/ كانون الثاني 2022، بمشاركة 32 منتخباً، وذلك على 8 ملاعب بينها “البيت” الذي انطلقت منه بطولة كأس العرب.
(الأناضول)