طرابلس: يفسر غياب توافق في الآراء بشأن الأساس القانوني للاقتراع، وتضارب في المصالح وبعض الثغرات في وساطة الأمم المتحدة، جزئياً الفشل في إجراء الانتخابات الرئاسية في 24 كانون الأول/ ديسمبر، كما يرى خبراء.
واقترحت المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا الأربعاء، تأجيل الانتخابات الرئاسية لشهر واحد، بعد ساعات قليلة من إعلان لجنة برلمانية أنه “يستحيل” تنظيمها في موعدها.
وأدى قانون الانتخابات المتنازع عليه وما ارتبط به من شخصيات مثيرة للجدل تعلن نفسها مرشحة، إلى توتر على الأرض وبدأ سيناريو التأجيل يلوح في الأفق منذ أسابيع.
ولزيادة الارتباك، استقال مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا يان كوبيش الذي كان يعمل من جنيف، وبدا بشكل واضح أنه عاجز عن إدارة الملف الليبي، قبل شهر. ورأى مراقبون أن كوبيتش كان موقنا باستحالة إجراء الانتخابات وأراد عدم تحمل مسؤولية ذلك.
وعُينت الأمريكية ستيفاني وليامز مستشارة خاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، حيث قامت في الأيام الأخيرة بترتيب الاجتماعات بين مختلف الجهات الليبية وتنقلت بين مدن عدة، في محاولة واضحة لإنقاذ الملف الليبي المعقد والمتهالك بفعل التدخلات والاستقطاب.
وردا على سؤال عن تفسير هذا الفشل الذريع، أوضح جليل حرشاوي من مركز المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة ومقره سويسرا، أنه “كانت هناك أخطاء مشتركة وأخطاء من جانب الأمم المتحدة وموقف من سوء النية الشديد من جانب الممثلين الليبيين”.
خرجت العملية عن مسارها بشكل خطير عندما سنّ البرلمان بقيادة عقيلة صالح قانونا انتخابيا مثيرا للجدل في أيلول/ سبتمبر من دون تصويت، يناسب الرجل القوي من الشرق المشير خليفة حفتر قبل ترشحه.
يقول حرشاوي إن عقيلة صالح “شخصيا وليس البرلمان، هو المسؤول عن قوانين الانتخابات التي تشكل كارثة حقيقية. هذه العقبة ذات الطابع القانوني والتشريعي أساسية قطعاً لشرح فشل الانتخابات”.
ويضيف أن “هذا النص المصمم خصيصا للمشير حفتر، أثار على الدوام استياء السلطات في طرابلس. وقد وافق عليه المبعوث كوبيش” على الرغم من انتقادات الطبقة السياسية.
ويرى الباحث أنه بذلك “فقدت الأمم المتحدة أي مجال أو فرصة للمناورة، بما فعله المبعوث الدولي السابق، الذي لم يبذل الكثير من الجهد، مع علمه أن هناك ثغرات ولا توجد قوانين انتخابية”.
ويضيف حرشاوي أنه “ليس هذا هو السبب الوحيد وراء الفشل الذريع؛ هناك خلافات حول الأهلية، الطبيعة المباشرة أو غير المباشرة للتصويت، وعدم فهم صلاحيات الرئيس. هناك مشكلات في الصميم”.
من جهته، يرى عماد الدين بادي الباحث في المركز نفسه، أنه “كانت مسؤولية بعثة الأمم المتحدة التوسط لدعم المرحلة الانتقالية عقب منتدى الحوار السياسي الليبي (اسم العملية السياسية)، بما يفضي إلى إجراء الانتخابات بأدنى حد من الإجماع وبدون حدوث أزمة من صنع هذه العملية”.
ويضيف: “هذا لا يعني أن السياسيين الليبيين لا يتحملون أي مسؤولية، بل كان قرارا طوعيا تقريبا لتسليم عجلة الانتقال إليهم وكان من الحتمي تقريبا أن نصل إلى هنا”، معتبرا أنه “يمكننا إلقاء اللوم بقدر ما نريد على الفاعلين السياسيين الليبيين”.
وبموجب قانون انتخاب الرئيس ومع استمرار عمل ليبيا بوثيقة دستورية “مؤقتة” منذ 2011، لا يوجد نصوص قانونية توضح وتحدد صلاحيات الرئيس الذي سيتم انتخابه، لا سيما مع استمرار الخلاف حول “مسودة الدستور” المقترحة، التي ظلت حبيسة الأدراج ورهينة الخلافات ولم تعرض على الاستفتاء الشعبي منذ سنوات.
وطالبت السفارة الأمريكية في ليبيا، الأطراف الفاعلة بالإسراع في معالجة العقبات التي تواجه العملية الانتخابية. وقالت في بيان إنه “يتعين على القادة الليبيين، ونيابة عن الشعب، معالجة العقبات القانونية والسياسية لإجراء الانتخابات”.
كما عبرت عن مشاركتها قلق وخيبة أمل الليبيين الذين ينتظرون أن تتاح لهم فرصة التصويت من أجل مستقبل بلادهم.
يؤيد هاميش كينير من معهد “فريسك ماكلفروت”، وجهة النظر التي تميل إلى فشل المبعوث الدولي السابق إلى ليبيا يان كوبيش، وتسببه في هذا الارتباك الذي رافق عملية سن القوانين المنظمة للانتخابات.
وقال إن “حل الخلافات بين الفصائل الليبية حول كيفية هيكلة النظام السياسي، سيكون معقدا لأي مبعوث خاص للأمم المتحدة مهما كانت موهبته”.
وأضاف أن الانتخابات “ليست الحل المعجزة الذي يضمن الاستقرار السياسي لليبيا”.
(أ ف ب)