رغم ان عام 2021 مرت فيه الذكرى المئوية لقيام الدولة العراقية إلا ان الانهيار الشامل الذي يمر به البلد ينذر بوصوله إلى مرحلة الدولة الفاشلة ووجود تحديات مصيرية تهدد مستقبله.
بغداد ـ «القدس العربي»: في خضم عام حافل بالأحداث والتطورات القاتمة في العراق، كانت المحطات الأبرز هي إجراء الانتخابات التشريعية وتداعياتها المحبطة، وعودة تنظيم «داعش» وكارثة جفاف الرافدين، إضافة إلى تجدد ظاهرة الهجرة غير الشرعية للشباب العراقي نحو اوروبا.
ففي تشرين الأول/اكتوبر الماضي، اجريت الانتخابات التشريعية المبكرة، بعد تسويف ومماطلة من أحزاب السلطة، وهي أول استجابة لمطالب انتفاضة تشرين التي اندلعت في مدن العراق عام 2019 والتي دعت لتغيير العملية السياسية الفاشلة وإصلاح الأوضاع المتدهورة في البلد. وعدا وصول بعض الوجوه الجديدة إلى البرلمان، كنواب تشرين والمستقلين وحركة الجيل الجديد، فإن الانتخابات جاءت محبطة تماما لآمال الشعب بالتغيير في العملية السياسية ورموزها، حيث استخدمت أحزاب السلطة أسلحتها (المال السياسي والسلاح والتزوير) من أجل استمرارها في الهيمنة على البرلمان والحكومة. وقد ساعدها في ذلك فشل المعارضة في توحيد صفوفها، مما أدى إلى عزوف معظم المصوتين عن المشاركة في الانتخابات وتشتيت أصوات الناخبين.
ويعد عام 2021 تأكيدا لهيمنة الفصائل المنفلتة، ذراع الدولة العميقة على المشهد العراقي، واتساع نفوذها على الدولة، بفضل الغطاء السياسي لها من أحزاب السلطة، إضافة إلى الدعم الإقليمي، فأصبحت الفصائل الولائية، واقعا ثقيلا يجثم على صدور العراقيين وذلك من خلال مواقف قامت بها، مثل رفض نتائج الانتخابات، وإهانة الحكومة ورئيسها، وقصف المؤسسات الأمريكية في بغداد وأربيل، وتنظيم الاستعراضات المسلحة، كما كرروا سيناريو الفتنة الطائفية وتهجير المواطنين في مناطق عدة أبرزها محافظة ديالى ومناطق حزام بغداد، وغيرها من الممارسات. وكانت محاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ومهاجمة بيته في المنطقة الخضراء بطائرات مسيرة متفجرة، في 7 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، نموذجا لتغول الفصائل المنفلتة وتحديها للدولة، وعجز الأخيرة عن ردعها ومواجهتها رغم ان الكاظمي أكد معرفته بالفاعلين، ولكنه أضاع القضية بين لجان التحقيق والتصريحات وتجنب المواجهة مع الفاعلين المعروفين.
وبالنسبة للحركة الاحتجاجية المطالبة بالإصلاح، فإنها عادت لتؤكد استمرار جذوتها. ففي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي خرج آلاف الطلبة في تظاهرات حاشدة لخمسة أيام متتالية للمطالبة بحقوقهم، أغلقوا خلالها شوارع السليمانية وعدة مدن وقطعوا طرقا رئيسية في إقليم كردستان، وردت عليها السلطات الأمنية الكردية بالقمع واعتقال المئات من الطلبة والإعلاميين. كما نظمت حركة الاحتجاجات عدة فعاليات منها تجمع إحياء ذكرى مجزرة الجسر في الناصرية، وتجمع عائلات الشهداء والمغيبين في بغداد، للمطالبة بمعرفة مصير المفقودين من الناشطين والمتظاهرين، ومطالبة الحكومة بكشف قتلتهم ومحاكمتهم، إضافة إلى تجدد التظاهرات في النجف والديوانية وكربلاء وبغداد وسط استمرار عمليات الاغتيالات والاختطاف للمتظاهرين والناشطين في عموم العراق.
عودة تنظيم «داعش»
وأمنيا، ودع العراق عام 2021 بتدهور أمني واضح، مع واقع عودة تنظيم «داعش» بعد ادعاء الحكومة، القضاء عليه في عام 2017 إضافة إلى عودة ظاهرة التفجيرات والاغتيالات. فقد شهدت مدن العراق، تصاعدا ملحوظا للأعمال الارهابية التي ينفذها التنظيم ، مع تطورات نوعية في طبيعة الهجمات التي أصبحت أكثر تنظيما وضررا، عندما انتقل التنظيم من شن هجمات على قرى نائية أو رعاة غنم في الصحراء والوديان، إلى استهداف النقاط الأمنية للجيش والشرطة والبيشمركه في المناطق النائية والجبلية، واستخدام الكمائن للإيقاع بالدوريات الأمنية، إضافة إلى مهاجمة قرى وقتل مدنيين فيها وقطع الطرق الدولية بين المحافظات وخاصة ليلا، حيث يتنقل التنظيم بحرية بين الحدود العراقية السورية، وفق أجندات محلية وإقليمية معروفة.
أما بالنسبة لوجود القوات الأمريكية من العراق، فإن بغداد وواشنطن، أعلنتا انسحاب معظمها نهاية شهر كانون الأول/ديسمبر، وتحويل الباقي منها إلى قوات استشارية ضمن التحالف الدولي، إلا ان الفصائل الموالية لإيران رفضت ذلك وطالبت بخروج جميع القوات الأجنبية، مهددة بمعاودة شن الهجمات عليها، وذلك استجابة لأجندات خارجية. وهو ما ينذر بوقوع نزاع بين الفصائل والقوات الأمريكية تتوقف شدته على نتائج مفاوضات الغرب وإيران حول ملفها النووي.
التدهور الاقتصادي والاجتماعي
ومع اقتراب نهاية عام 2021 تتوالى الإحصائيات الرسمية القاتمة عن التدهور الذي وصلت إليه أوضاع العراق اقتصاديا واجتماعيا. فقد تعرضت الأوضاع المعيشية إلى ضربة قوية هذا العام، بعد قيام حكومة الكاظمي بتخفيض سعر صرف الدينار أمام الدولار بنسبة كبيرة، بحجة انخفاض أسعار النفط والعجز في الميزانية رغم توفر حلول بديلة، وهو ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع والخدمات وزيادة معاناة أغلب العراقيين. فيما انعكست مؤشرات الانهيار، عبر بروز حركة الهجرة غير الشرعية، عندما تدفق آلاف الشباب نحو دول الاتحاد الأوروبي، الذين أعادت حكومة بغداد بعضهم وما زال آلاف آخرين مصرين على البقاء والمحاولة، رغم معاناة البرد والجوع والمخاطر، وذلك هربا من أوضاع ميؤوس منها في العراق نحو بصيص امل بالعيش الكريم ومستقبل واضح، ليشكل ذلك لطمة لأحزاب السلطة وعمليتهم السياسية الفاشلة، وكشفا لادعاءاتهم أمام العالم باستقرار وتحسن الأوضاع في العراق.
وفي السياق ذاته، أشرت الإحصائيات الرسمية المحلية والدولية، تزايدا ملحوظا في حالات الانتحار بين الشباب، وتدهور خدمات الصحة والتربية، فيما أعلنت مفوضية حقوق الإنسان العراقية، عن حصيلة 2021 وبضمنها أن هناك 4 آلاف مجمع عشوائي تسكنها نصف مليون أُسرة، وان «عدد الأيتام في العراق بلغ 5 ملايين يتيم وهم يشكلون نسبة 5 في المئة من أيتام العالم». كما أكد مدير الشرطة المجتمعية، «حصول 22 ألف حالة عنف أسري في عام 2021» إضافة إلى إحصاءات رسمية بزيادة الفقر إلى 25 في المئة من السكان وتفشي تعاطي المخدرات ومعدلات الجريمة والطلاق بشكل غير مسبوق.
ورغم ان عام 2021 مرت فيه الذكرى المئوية لقيام الدولة العراقية إلا ان الانهيار الشامل الذي يمر به البلد ينذر بوصول العراق إلى مرحلة الدولة الفاشلة، ووجود تحديات مصيرية تهدد وحدته وسيادته ومستقبله، جراء استمرار التدهور الممنهج للأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية الناجم عن تمسك الأحزاب الفاشلة والفاسدة بمقاليد السلطة، رغما عن غرادة الشعب وبسبب تصارع الأجندات الدولية للهيمنة على العراق وخيراته.
تصريحات:
قال بابا الفاتيكان خلال زيارته إلى العراق إن «وجود المسيحيين العريق في هذه الأرض وإسهاماتهم في حياة البلد يشكل إرثاً غنياً» كما اشار إلى ضحايا الهجرة، مقرا بانها دليل على «ان الحضارة تحتضر» و«أن وحشية الإنسان لا تصدق» في اشارة إلى الدمار في الموصل.
قال وزير الموارد المائية العراقي مهدي الحمداني «تركيا تتعاون وإيران ترفض وتقطع كل الأنهار عن العراق» مؤكدا قيام حكومته بتقديم دعوى في محكمة العدل الدولية ضد تجاوزات إيران على حصص العراق المائية.