قطر: إنهاء الحصار وترسيخ المصالحة وبروفة ناجحة في كأس العرب تمهيداً لمونديال 2022

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
0

تحولت الدوحة إلى عاصمة عالمية للنشاط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي عبر زيارات مكثفة من جانب عدد كبير من قادة الدول العربية والإسلامية والصديقة.

الدوحة ـ»القدس العربي»:   سجلت قطر خلال 2021 عدداً من المكاسب الاستراتيجية ومضت بخطى راسخة نحو تحقيق أهدافها، وأصبح اسمها يرمز للنجاح وتردد في المحافل الدولية، بعد مسيرة ناجحة من الخطوات الدبلوماسية، تعززت مع نجاح تنظيمها كأس العرب، في انتظار مونديال 2022 لأول مرة في دولة شرق أوسطية.

ولم تكد السنة تبدأ حتى كانت قطر خلفت وراءها حقبة الحصار الذي فرض عليها منتصف 2017 من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر، مع تكريس قمة العُلا التي احتضنتها السعودية مصالحة خليجية تسير في اتجاه إيجابي مع عدد من العواصم.
وحتى الآن تعكس المؤشرات عن منحى علاقة إيجابي تمضي إليه علاقة قطر مع السعودية، عززتها لقاءات على أعلى مستوى بين قيادتي البلدين، وتبادل للزيارات بين الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر وولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان. وأعلنت قطر والسعودية عن توافقات لتكريس المصالحة الخليجية واقعياً، وتوقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية لتعزيز التعاون والمبادلات بين البلدين. وحتى الآن استكمل البلدان مسار التعاون وترسيخه فعلياً مع تبادل السفراء، واللقاءات والزيارات وحتى الوفود الرسمية مما يشي بمستوى رفيع من العلاقة بينهما.
على المستوى الاقتصادي سجلت قطر مؤشرات إيجابية واحتلت مراتب متقدمة في التنافسية الدولية، مع تسجيل تعافي القطاعات الحيوية بعد تأثيرات جائحة كورونا التي مست دول العالم. وتسعى نحو ترسيخ ريادتها وقوتها الاقتصادية، من خلال انتهاج سياسات تنموية تكرس دور القطاع الخاص وتدعم التنويع الاقتصادي والتعاون والشراكة الدولية لتجاوز مختلف التحديات الإقليمية والعالمية ولاسيما جائحة ‏كوفيد-19‏.
وانتهجت الدولة الخليجية الغنية بمصادر الطاقة استراتيجية ذكية، وضعت صحة وسلامة المواطنين والمقيمين على رأس أولوياتها، ووجهت جزءًا مهمًا من جهودها للحفاظ على قوة ومتانة اقتصادها الوطني.
ويكشف الشّيخ محمد بن حمد بن قاسم آل ثاني، وزير التجارة والصناعة، أن الناتج المحلي الإجمالي لقطر حقق نموًا بنحو 4 في المئة في الربع الثاني من العام 2021 مقارنة بالربع الثاني من العام 2020 كما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للقطاع النفطي بنحو 0.7 في المئة في الربع الثاني من العام الجاري، بينما زادت مساهمة الأنشطة غير النفطية بشكل كبير مسجلة نموًا بنحو 6.2 في المئة وذلك خلال الفترة ذاتها من العام 2021.
ويشير إلى توقعات البنك الدولي في أحدث تقاريره بأن ينمو الاقتصاد القطري بنسبة 3 بالمئة في 2021 وأن تتسارع وتيرته بنحو 4.1 بالمئة في العام 2022 و4.5 بالمئة في العام 2023.
وحسب المسؤولين القطريين، فإن هذه المؤشرات تترجم نجاعة الإجراءات والتدابير التي اتخذتها الدولة والتي دعمت نمو مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية وخاصة منها القطاع الصناعي.

استقطاب الاستثمارات الأجنبية

تعمل قطر في خطتها الحالية على استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لتحريك عجلة اقتصادها وهي تجري المزيد من التعديلات على منظومتها التشريعية بما يسمح بجذب رؤوس الأموال وتعزيز تنافسيتها الاقتصادية.
وسجلت استقبال المزيد من المستثمرين الدوليين الراغبين في الاستفادة من الفرص الواعدة التي يمنحها الاقتصاد القطري، ومؤخراً قامت علامات دولية كبرى في افتتاح مقرات إقليمية في قطر، على غرار عملاق التكنولوجيا غوغل الذي استقر باتفاق مع المنطقة الحرة في قطر.
وخلال السنة الماضية أعلنت السلطات إعادة تشكيل جهاز قطر للاستثمار الذي يعد واحداً من أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم.
ويحتل صندوق قطر للاستثمار المرتبة التاسعة على مستوى أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، حسب  بيانات معهد «SWFI» المتخصص في رصد حركة تلك الصناديق.
ومهمته دعم تطوير تنافسية الاقتصاد القطري، وتسهيل تنوع الاقتصاد وتطوير المهارات المحلية.
وهو يطمح إلى أن يكون من بين أوائل المؤسسات الاستثمارية، وضمن رؤيته يسعى إلى أن يكون الشريك الأفضل لاختيارات المستثمرين والممولين.
وعملت دولة قطر منذ سنوات على استثمار ثروتها السيادية وفق إستراتيجية تحقق لها تنوعاً في مصادر الإيرادات وتوزيعاً جغرافياً، يعزز علاقاتها مع العالم الخارجي ويقوي دورها السياسي.
وخلال تلك السنوات استفادت دول عديدة في أوروبا وآسيا من التدفقات الاستثمارية القطرية خلال فترات متباينة.
كما تخطط لاستثمار ما لا يقل عن عشرة مليارات دولار في الموانئ الأمريكية واتصلت ببنوك دولية للحصول على مساعدة في التمويل، في فورة استثمارات بالبنية التحتية تعكس علاقات الدوحة القوية مع واشنطن.
وقام صندوق الثروة السيادي القطري باستثمار 85 مليون جنيه إسترليني (112.12 مليون دولار) في أعمال الوحدة الجديدة التابعة للشركة البريطانية والمتخصصة في إنتاج الطاقة النووية منخفضة الكربون مقابل حصة قدرها 10 بالمئة من الأسهم.
واتفقت الشركة المدرجة على بورصة لندن مع جهاز قطر للاستثمار على تخصيص المبلغ لتمويل نشاطها في مجال المفاعلات المعيارية الصغيرة التي قالت رولز رويس إنها باتت ممولة بالكامل الآن بعد أن جمعت 490 مليون جنيه إسترليني من خلال الأسهم التجارية والمنح.
وباتت قطر تمتلك شبكة استثمارات واسعة متنوعة شملت جميع قارات العالم، وهو ما أسهم في تنوع اقتصاد الدوحة وخلق قوة ناعمة لها وحضوراً مهماً في ميادين الاقتصاد والسياسة.

مراتب متقدمة في الأمن والتنافسية

احتلت قطر مراتب متقدمة في مؤشرات التنافسية الدولية ومكافحة الفساد والأمن والسلام وفق تقارير نشرت خلال سنة 2021. وحققت المرتبة 17 عالمياً في مؤشر التنافسية، وذلك من بين 64 دولة معظمها من الدول المتقدمة، وفقاً لكتاب التنافسية العالمي لعام 2021 والذي يصدره المعهد الدولي للتنمية الإدارية «IMD» سنوياً في سويسرا.
ويعتمد تقييم القدرة التنافسية على مجموعة من البيانات والمؤشرات التي يتم توفيرها على المستوى المحلي، بالإضافة إلى نتائج استطلاع رأي عينة من مدراء الشركات ورجال الأعمال بشأن بيئة الأعمال وتنافسية الاقتصاد القطري.
كما احتلت دولة قطر المرتبة الأولى خليجياً والثانية عربياً في مؤشر مكافحة الفساد عالمياً للعام 2021.
وسجلت إنجازاً جديداً باحتلالها سدة ترتيب الدول الأكثر أمناً وأماناً في المنطقة العربية، والأقل في معدلات الجريمة عالمياً، في أحدث تصنيف لمؤشرات الأمن والسلام العالمي لهذا العام 2021.
وحسب التقرير الدولي، تصدرت قطر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر السلام العالمي، حيث أحرزت المركز الأول للعام 13 على التوالي والمركز 29 على مستوى العالم، من بين 163 دولة شملتها الدراسة.
وأشار التقرير الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام في أستراليا أن الدوحة حققت علامة فارقة أخرى في مجال الأمن والسلامة حيث يقيس حالة السلام عبر ثلاثة مجالات: مستوى الأمان والأمن في المجتمع، ومدى الصراع المحلي والدولي الجاري، ودرجة التزوّد بالقوة العسكرية. لتحافظ بذلك على المركز الأول على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للعام الثالث عشر على التوالي منذ (2009 وحتى 2021) كما احتلت مراكز متقدمة على المستوى العالمي خلال ذات الفترة، بإحرازها معدلات تقييم عالية تفوقت بها على العديد من الدول المتقدمة.

دبلوماسية نشطة وذات مصداقية وموثوقية

كان عام 2021 حافلاً بالنشاط السياسي لقطر وهو ما يعكس دورها الفاعل والمكانة التي تحظى بها بين الدول والشعوب والمنظمات والمؤسسات الدولية.
وتحولت الدوحة إلى عاصمة عالمية للنشاط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي عبر زيارات مكثفة من جانب عدد كبير من قادة الدول العربية والإسلامية والصديقة.
وتألقت الدبلوماسية القطرية، من خلال جهودها في عملية السلام الأفغانية واستضافة وتسهيل المحادثات بين مختلف الفصائل الأفغانية والولايات المتحدة وغيرها.
كما لفتت الأنظار الدولية وصارت حديث عواصم العالم ووكالات الأنباء حينما نظمت جسراً جوياً ساهمت من خلاله بإجلاء الآلاف من المواطنين الأفغان والأجانب الراغبين بمغادرة كابول بعد سيطرة طالبان عليها.
وحل معظمهم ضيوفاً بدولة قطر لبضعة أيام قبل أن يكملوا طريقهم إلى وجهاتهم النهائية، وقد تمت عمليات إجلاء المدنيين في ظل أوضاع خطيرة وتحديات عديدة، كما سيرت جسراً جويا لنقل مواد الإغاثة للشعب الأفغاني.
وتحولت الدوحة إلى مركز دولي من خلال القادة والزعماء والوفود وكبار المسؤولين الذين زاروها، أو من خلال الاتصالات الهاتفية التي أجروها مع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر. كما برز الدور الحيوي الذي لعبه الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، للتعبير عن شكرهم وتقديرهم للجهود القطرية في عمليات الإجلاء.
وتلقي أمير قطر اتصالاً هاتفياً من الرئيس جو بايدن الرئيس الأمريكي، الذي عبر عن شكره لدولة قطر في عمليات إجلاء المدنيين وجهودها في عملية السلام في أفغانستان.
وتكلل ذلك بزيارة أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي، رفقة لويد أوستن وزير الدفاع الأمريكي اللذين سافرا معاً للدوحة، للتعبير عن امتنان الولايات المتحدة لجهود قطر في دعمها لعملية السلام في أفغانستان، ودورها المحوري في تسهيل عمليات إجلاء المواطنين الأمريكيين ومواطني الدول الحليفة والمدنيين الأفغان، إضافة إلى استضافة الدوحة للمفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وطالبان.

أول انتخابات لمجلس الشورى

يعتبر تاريخ الثاني من تشرين الأول/اكتوبر 2021 لحظة فارقة في قطر، مع تنظيم أول انتخابات لمجلس الشورى، واستكمالاً لبناء الهياكل الدستورية وتعزيزاً للمشاركة الشعبية في صنع القرار وصياغة الحياة السياسية بدولة قطر.
وجرى تنظيم أول انتخابات لاختيار ثلثي أعضاء مجلس الشورى وعددهم 30 عضواً، وجرت في ظروف طبيعية ساهمت في تعزيز الاستقرار الذي يشهده البلد.
وتلقت قطر إشادات دولية بالإصلاحات التي أطلقتها على سوق العمل، وتأمين حياة كريمة لعشرات الآلاف من العمال، وضمان حقوقهم، ومتابعة الشركات المخالفة أو التي تنتهك القوانين التي تم تعديلها.
وقامت خلال السنوات القليلة الماضية بتطبيق إصلاحات واسعة النطاق لتعزيز قوانين العمل، وزيادة حماية العمال الوافدين. ومن أبرز هذه الإصلاحات:
قرار إلغاء تأشيرات الخروج للمقيمين في البلاد.
السماح الموظفين تغيير جهة عملهم بحرية دون طلب شهادة عدم ممانعة من صاحب العمل.
تحديد حد أدنى للأجور.
الإعلان عن إنشاء 14 مركز تأشيرات لقطر في كل من الهند وسريلانكا وإندونيسيا ونيبال وبنغلاديش وباكستان والفلبين وتونس، مما سيعجّل عملية التوظيف وضمان عدم استغلال العماّل في بلدهم الأم.
إنشاء صندوق لدعم العمّال وتأمينهم مما يضمن لهم الرعاية ويوفر لهم حقوقهم بالإضافة إلى بيئة عمل صحّية وآمنة.
وقد أشادت أهم مجموعات حقوق الإنسان ومنظمات الأمم المتحدة بإصلاحات دولة قطر، مما يجعلها رائدة في منطقة الخليج فيما يتعلق بإصلاحات سوق العمل. وعلى عكس الإصلاحات الأخرى في المنطقة، تعد الإصلاحات التي قامت بها دولة قطر فعّالة وطويلة الأمد، وهي نتيجة سنوات من التخطيط المدروس.

العد العكسي لمونديال قطر 2022

أزاحت قطر الستار عن «ساعة العد التنازلي لبطولة كأس العالم FIFA قطر 2022» والذي نظمته اللجنة العليا للمشاريع والإرث بالتعاون مع الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» وذلك قبل عام بالتمام والكمال على التظاهرة الكبرى.
وجاءت هذه الخطوة بعد أن أعلنت اللجنة العليا للمشاريع والإرث، استكمال البناء في الملاعب الثمانية المستضيفة لمنافسات النسخة الأولى من المونديال في العالم العربي والشرق الأوسط، وذلك بعد وضع اللمسات الأخيرة على استاد لوسيل، أضخم استادات المونديال، والذي سيشهد المباراة النهائية في البطولة العالمية المرتقبة، بينما ستقام أولى مباريات البطولة على استاد البيت بمدينة الخور شمالي دولة قطر.
وفي الثلاثين من تشرين الثاني/نوفمبر افتتحت بطولة كأس العرب FIFA قطر 2021 في استاد البيت، ورحب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بجميع العرب في دوحة العرب. وكانت بروفة ناجحة للمونديال الذي ستسضيفه قطر في أقل من عام، وأشاد الجميع بمستوى التنظيم. وهي البطولة التي انتهت بتتويج الجزائر بطلاً في كأس العرب.

عاصمة الثقافة الإسلامية

من قلب متحف الفن الإسلامي، انطلقت في آذار/مارس فعاليات الدوحة عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي 2021 تحت شعار «ثقافتنا نور» ومن خلال أكثر من 70 فعالية على مدى عام كامل، سعت قطر إلى التشجيع على الإبداع والابتكار كقيم حضارية، وإلهام الأجيال الجديدة وإثراء المشهد الثقافي العالمي عبر دور منتج وفاعل، والتركيز على التنوع الثقافي كقيمة مضافة للدول الإسلامية، مع التعريف بالتجربة الثقافية لدولة قطر وجهودها لتعزيز الثقافة الإسلامية.

اليوبيل الفضي للجزيرة

كانت 2021 سنة احتفال «الجزيرة» بيوبيلها الفضي وهو الحدث الهام الذي كان لحظة فارقة في تاريخ المنطقة، وهو ما عبر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني راعي المشروع وصاحبه.
وحضر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحفل الذي نظمته الشبكة بمناسبة مرور 25 عاماً على إطلاق القناة التي كانت هدية قطر للعالم ورفضت الدوحة غلقها بالرغم من الضغوط التي مورست عليها على حد تأكيد صاحب المشروع والفكرة التي تركت بصماتها في المنطقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية