السلطنة ماضية في سياستها الخارجية القديمة القائمة على حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الغير، وحل الأزمات والمشكل بالطرق السلمية وعبر الحوار.
عمان ـ «القدس العربي»: لعل الحدثَ الأبرز الذي طَبَعَ سلطنة عُمان عام 2021 كان تعديل آلية انتقال الحكم، بحيث أضحى هناك «ولي للعهد» للمرة الأولى في تاريخ السلطنة. كان النظام الأساسي للدولة يُوكلُ إلى مجلس العائلة الحاكمة – خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان – تحديد مَن تنتقل إليه ولاية الحكم، وإن اختلفوا فيَحتَكِمونَ إلى وصيّة السلطان.
جاء هذا التعديل الذي رسمه السلطان هيثم بن طارق في الحادي عشر من كانون الأول/يناير في الذكرى الأولى لاعتلائه العرش، ليُحدِّدَ «أن ولاية الحكم تنتقلُ من السلطان إلى أكبر أبنائه سناً، ثم إلى أكبر أبناء هذا الابن، وهكذا، طبقة بعد طبقة». وفق المحلِّل السياسي سالم الجهوري، فإن تلك الخطوة «تركَتْ صدىً إيجابياً داخلياً وخارجياً، كونها تضمنُ انتقالاً سلساً لا يُتوقع فيه أي اضطراب في العقود المقبلة، بحيث حملتْ داخلياً، مزيداً من الاطمئنان على أن هناك نظاماً لتوارث أسرة البوسعيد للحكم في عُمان، التي بدأت قبل نحو 200 عام، وأراحت خارجياً المستثمرين الذين كان يعتريهم هاجس ضمان بيئة مستقرة على المدى البعيد، كما الدول الكبرى التي تربطها علاقة وثيقة بعُمان، تداركاً لحصول أي فراغ دستوري في السلطنة».
لا يُغالي العمانيون إنْ اعتبروا أن افتتاح المنفذ الحدودي البرّي بين السلطنة والسعودية عبر الربع الخالي حدث كبير. فهذا المشروع، الذي بُدئ العمل به عام 2006 استغرق 15 سنة لإنجازه، ويربط بين البلدين مباشرة، ويبلغ طوله 725 كيلومتراً. يطيبُ للبعض أن يطلقوا على هذا المنفذ تسمية «الربع الغالي» فيما يقول مراقبون إن هذا الطريق البري يُمثّل معجزة كونه يمرُّ عبر صحراء وكثبان رملية قاسية متحرّكة. وهو يُشكِّل نصف الحلم الذي كان يتطلَّع إليه العُمانيون والسعوديون على مستوى الشعوب في التواصل والتكامل، أما النصف الآخر مِن الحلم، فسيَعْبرُ على هذا الطريق في المسارات الاقتصادية عبر التبادل التجاري، والتصدير والاستيراد، وزيارات الأماكن المقدّسة، والوجهات السياحية بين البلدين، خصوصاً أن موسم الخريف في صلالة واحدٌ من المواسم الجاذبة في عُمان، فضلاً عن أن عملية استخدام الموانئ العُمانية، صحار ودقم وصلالة، ستُمثّل ركيزة للمملكة السعودية بفعل أنها الأقرب والأقل كلفة من السفن العابرة إلى الموانئ الخليجية الأخرى.
جاء افتتاح المنفذ البري خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مسقط في إطار جولة خليجية سبقت انعقاد القمة الـ42 لقادة دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض. زيارة حملت توقيع سلسلة من المشاريع الاستثمارية الضخمة تتوافق مع رؤية البلدين الاقتصادية سواء أكانت رؤية «2030 السعودية» أم رؤية «2040 العُمانية».
لا شك أن عُمان، كما غيرها من الدول، واجهتْ تحديات اقتصادية بفعل تراجع الدورة الاقتصادية العالمية واستفحال جائحة كورونا، وهما عاملان أثّرا على أسعار النفط، في وقت تَعْتَمدُ موازنتها السنوية بنسبة 80 في المئة على عائدات «الذهب الأسود» كما أنها تأثّرت، كمركز للتصدير والاستيراد، بتباطؤ الحركة الاقتصادية. مع تراجع أعباء كوفيد-19 بدأ انتعاش الأسواق والارتفاع في أسعار النفط، غير أن المخاوف تبقى من أن يقضي متحوِّرٌ جديد على انفراجات الفصل الأخير من السنة.
المواطن العُماني وَجَـدَ نفسه في خضم تغييرات جمَّة رافقت عملية انتقال الحكم، ووسط تحديات اجتماعية وحياتية واقتصادية، ولا سيما مع بدء تطبيق خطوات خروج دول الخليج عموماً من نمط «الاقتصاد الريعي». غير أن أزمة «الباحثين عن عمل» تبقى الأزمة المُقلقة. فسنوياً هناك 30 ألف خرّيج يبحثون عن فرصٍ للعمل، وهذا يُشكِّل قنبلة موقوتة، ذلك أن محاولات الاحتواء عن طريق التوظيف في القطاع العام لا يمكن أن تكون حلاً. سبق أن أوعزَ السلطان قابوس عام 2011 مع بدء تحركات احتجاجية على وقع «الربيع العربي» إلى خلق 50 ألف فرصة عمل في القطاع العام، وحين تسلَّم السلطان هيثم الحُكم، تمَّت إحالة العديد من الموظفين إلى التقاعدِ تمهيداً لضخِ «دم جديد» في الإدارة العامة، وفتحِ المجال أمام جيل الشباب الباحث عن عمل. وحين ظهرت احتجاجات في شهر تموز/يوليو في صحار وامتدت إلى صلالة، أَعلنتْ السلطات عن خطة لتوفير 32 ألف فرصة عمل خلال عام 2021 منها 12 ألف وظيفة في القطاعين العام والعسكري.
أزمة «الباحثين عن عمل» قد تكون مُقلقة، لكنها في رأي مراقبين عُمانيين لن تصل إلى حدود الانفجار. فالعُمانيون يبدون كثيراً من الحرص للحفاظ على ما تحقّق خلال السنوات الماضية، و«توسعة الاقتصاد» المصطلح الذي استخدمه رئيس جهاز الاستثمار خلال استعراض الميزانية العامة للدولة 2022 قد يكون طرف الخيط الذي يمكن البناء عليه، إذ اعتبر أنه من الأفضل أن تتمَّ توسعة الاقتصاد ليكون أكبر، وستوفّر إيرادات أكبر، بدل التركيز فقط على سياسة «إحلال العمانيين مكان الوافدين». ويبقى التحدّي في ترجمة خطط التنمية والتطوير، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتنويع مصادر الدخل من غير الموارد النفطية، واستكمال مشاريع الاستثمار الكبرى على غرار مشروع الدقم الضخم. وعلى المقلب السياسي، فإن السلطنة ماضية في سياستها الخارجية القديمة القائمة على حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الغير، وحل الأزمات والمشكل بالطرق السلمية وعبر الحوار. هي كانت تنتهج سياسة الأبواب المفتوحة وتستمر بها. عملَـتْ على تخفيف التوتر بين إيران والمجتمع الأوروبي لسنوات طويلة، ولعبَتْ دوراً في فتح القنوات بين الأمريكيين والإيرانيين والذي أَنتجَ الاتفاق النووي عام 2015 وتلعب دوراً في حوارات وتفاهمات إقليمية، ولا سيما تلك التي جرت وتجري بين الرياض وطهران. ويُعوَّل على باعها الطويل مع إيران، علّها تنجح في إيجاد مساحة مشتركة بين دول الخليج وبلاد فارس، ولا سيما في ضوء وحدة الموقف التي عبَّرتْ عنها المنظومة الخليجية.
توقف كثيرون عند معنى أن تكون المملكة العربية السعودية هي الدولة الأولى في الزيارات الخارجية للسلطان هيثم، وشبَّهها البعض بزيارة السلطان قابوس في العام 1971 ولقائه الملك فيصل، والتي مثَّلت بداية لعلاقات مهمّة بين بلدين يُعتبران الأكبر مساحة في منطقة الخليج. هذه الزيارة، برأي المحلل السياسي سالم الجهوري خطوة كبيرة جداً نحو التقارب وتفعيل الشراكات والتكاملية الاقتصادية.
لا شك أن زيارة السلطان الأولى خارجياً إلى السعودية لها دلالاتها الخليجية والعربية، تماماً كما هي زيارته الدولية الأولى إلى لندن التي تُعبِّر عن خصوصية العلاقة التي تربط، ولا تزال، بين السلطنة وبريطانيا منذ أن كانت الإمبراطورية التي لا تغيبُ عنها الشمس. علاقة تتجلّى بأبعادها الاستراتيجية وما تُمثله من مظلة متعددة الجوانب والاتجاهات للسلطنة.