الناصرة ـ «القدس العربي»:منذ السادس من أيلول/سبتمبر المنصرم ما تزال إسرائيل منشغلة بالهروب الملحمي للأسرى الفلسطينيين من سجن الجلبوع بعدما اخترقوا حدود اليأس وجدران السجن وعانقوا حريتهم بعدما حفروا نفقا طيلة شهور بأدوات بسيطة وبأصابعهم تاركين دولة الاحتلال بحالة ذهول واندهاش وغضب. ونقل موقع «واينت « الإسرائيلي عن مسؤول في سلطات السجون الإسرائيلية قوله إن فرار الأسرى «إخفاق أمني بحجم لم تشهد سلطة السجون له مثيلا» حيث نجح الأسرى – تحت أنظار ضباط السجن والمخابرات وعلى مدار فترة طويلة جدا- في التخطيط مع جهات من الخارج للهروب من السجن وحفر النفق. وبثت القناة العبرية الـ 12 مشاهد حصرية تُظهر الأسرى الستة بعد تمكنهم من الهروب بلحظات من السجن شديد الحراسة والتحصين وأكدت أن ما فعلوه ينطوي على عملية جريئة وخطيرة كشفت عن نقاط ضعف وخلل كبيرة داخل منظومات عمل سلطات السجون الإسرائيلية. وقالت إن سلطات السجون الإسرائيلية وفي أطار تبعات عملية «نفق الحرية» لأسرى سجن جلبوع أصدرت قرارا بعزل بعض المسؤولين في السجن منهم ضابط المخابرات فيه. وتبقى عملية الهروب هذه حلقة في مسلسل عمليات هروب بطولية بدأت مع بدء الاحتلال الذي يزج اليوم بنحو خمسة آلاف أسير عشرات منهم يقبعون من قبل توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وهناك من هو موجود في عتمة السجون منذ 40 سنة ونيف منهم كريم يونس عميد الأسرى من بلدة عارة داخل أراضي 48 وابن حركة «فتح».
الفريق السداسي
وأبرز الأسرى محمود عبد الله علي عارضة (46 عاما) من مواليد 1/1/1975 من بلدة عرابة جنين معتقل بتاريخ 21/9/1996 ومحكوم بالسجن 99 عاما، واتهمه الاحتلال بتشكيل خلايا عسكرية، والتستر على الشهيد صالح طحاينة الذي استطاع الهرب من سجن النقب، وقتله جيش الاحتلال في تسعينيات القرن الماضي. ويؤكد عدد كبير من معارف محمود عارضة أنه من الأسرى المفكّرين، فقد كتب في الأدب والثقافة والأمن، وهو حافظ للقرآن الكريم، وصنّفه الاحتلال من الأسرى الخطيرين في سجونه بعد محاولته الهرب، وقدرته على تشكيل خلايا عسكرية وهو داخل السجن وأشاد به تحقيق القناة الـ 12 واصفا إياه بالقائد الشجاع والذي أعيى قوات الاحتلال وأحرجها بل أحرج دولة كاملة.
والأسير أيهم فؤاد نايف كممجي (35 عاما) من مواليد 6/6/1986 في كفردان غرب جنين ومعتقل منذ 2006 وقد قال شقيقه عماد لـ«الجزيرة» إن أيهم كان من عناصر الاستخبارات العسكرية الفلسطينية، وتم توقيفه في سجن للسلطة الفلسطينية عام 2004 بعد اتهامه بعملية ضد الاحتلال الذي اقتحم السجن الفلسطيني، واعتقله مع اثنين آخرين اتهمهما بقتل جندي إسرائيلي. ويقول عماد كممجي إن شقيقه أيهم حاول الهرب من السجن عام 2014 ولكن إدارة سجون الاحتلال اكتشفت الأمر، ونقلته إلى الزنازين في طوابق عالية وليست أرضية، ويعدّ من عناصر حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وحكم عليه بعد اعتقاله بالسجن مؤبدين ومدى الحياة، وأكمل أيهم دراسة الماجستير في السجون، إضافة إلى أن شقيقه عهد ما زال معتقلا داخل سجون الاحتلال.
والأسير الثالث هو محمد قاسم أحمد العارضة (39 عاما) المولود عام 1982 في بلدة عرابة جنين، ومعتقل منذ 14/5/2002 ومحكوم بالسجن 3 مؤبدات و20 عاما. يقول باسم العارضة شقيق محمد إن الاحتلال اعتقل محمد عام 2001 واستطاع بعد 18 يوما الهرب من سجن عوفر القريب من رام الله، ولكن بعد مطاردته على مدار أشهر اعتقل مرة أخرى في رام الله (وسط الضفة الغربية) في 14/5/2002 بتهمة المسؤولية عن قتل ثلاثة مستوطنين وجرح 60 آخرين في ما يعرف بعملية معسكر 80 في حيفا. ويقول إن شقيقه من مؤسسي سرايا القدس «الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» وحصل على شهادة الماجستير في التاريخ قبل شهرين، وهو داخل السجون، وتنقل من سجن إلى آخر قبل أن يستقر به الحال قبل قرابة أربعة أشهر في سجن جلبوع الذي استطاع الهرب منه. والأسير الرابع هو زكريا محمد عبد الرحمن الزبيدي (46 عاما) من مواليد 19/1/1975 من مخيم جنين وهو أسير معتقل منذ عام 2019 ولم يحكم عليه بعد. وأوضح يحيى زبيدي شقيق زكريا إن العائلة مهجرة من الساحل الفلسطيني الأوسط خلال نكبة 1948 وإن شقيقه اعتقل أول مرة وهو في سن 16 عاما خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأمضى أربع سنوات داخل سجون الاحتلال، قبل إطلاق سراحه بعد اتفاق أوسلو عام 1994. وهدم الاحتلال منزل زكريا بعد اعتقاله الأول، وهو مصاب بقدميه وعينيه وما زال يعاني من تبعات الإصابة -وفقا لشقيقه يحيى- وتعرض زكريا لمحاولات اغتيال عدة في الانتفاضة الثانية؛ لأنه كان قائد كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح في شمال الضفة الغربية. وأصدر الاحتلال عفوا عن زكريا عام 2007 ضمن صفقة مع السلطة الفلسطينية ولكنه عاد إلى مطاردته عام 2012 فاضطر إلى البقاء في سجن الأمن الوقائي الفلسطيني مدة أربع سنوات، قبل أن يأتيه عفو آخر عام 2017. وأعاد الاحتلال اعتقاله عام 2019 مع المحامي طارق برغوث الذي حكم عليه مدة 15عاما، بتهمة إطلاق النار على جنود جيش الاحتلال، بالشراكة مع زكريا الزبيدي وفقا للمزاعم الإسرائيلية.
أما الأسير الخامس فهو يعقوب محمود أحمد قادري (49 عاما) المولود في 22/12/1972 والمعتقل منذ 8/10/2003 وهو من منطقة بير الباشا في محافظة جنين. ويقول قرباء قادري إن يعقوب اعتقل مرات متعددة داخل سجون الاحتلال، وكان يمضي فترات متفاوتة منها سنة ونصف السنة، أو بضعة أشهر، ولكن الاعتقال الذي كان عام 2003 جاء بعد اتهامه بتجهيز عبوات ناسفة واستخدامها من قبل استشهاديين في تنفيذ عمليات ضد جنود الاحتلال والمستوطنين.
والأسير السادس هو مناضل يعقوب عبد الجبار انفيعات (26 عاما) المعتقل منذ بداية عام 2019 وهو من بلدة يعبد من محافظة جنين من مواليد عام 1995 وكان من المفترض أن يطلق سراحه فهو معتقل إداري. وتفيد معطيات نادي الأسير الفلسطيني أن مناضل انفيعات اعتقل مرات عدة، وأمضى حوالي ست سنوات داخل سجون الاحتلال، كان من ضمنها اعتقال إداري بلا تهمة، وفي اعتقاله الأخير بداية 2019 تم تحويله إلى الاعتقال الإداري 6 أشهر، وبعد ذلك أصبح يحول إلى المحاكم في محاولة من الاحتلال لتثبيت تهمة عليه، إلا أنه يعدّ أسيرا موقوفا إلى الآن بلا تهمة أو حكم واضح.
عملية الحفر
وأوضح المحامي المدافع عن الأسرى رسلان محاجنة من أم الفحم لـ «القدس العربي» أنه داخل كل غرفة في السجن خزائن خشبية وعلى كل منها قطعة حديدية أخرجها الأسرى الستة وجهزوها كسكين، واستخدموها لعمل فتحات في الأرضية. يقول المحامي رسلان محاجنة الذي التقى العارضة بعد اعتقاله: «قال محمود لي لا أفق للإفراج عني لذلك دائماً أفكر بالهرب، منذ وصولي إلى جلبوع وأنا أفكر بذلك، قال إن أكثر مكان مناسب له هو جلبوع لأنه يعرف طبيعة الأرض، حيث لا يوجد ولا شيء، والسجن قريب من قريته في جنين». وتابع «كان محمود ينزل كل يوم إلى ساحة السجن وينظر ويقيس المسافات بعينيه بينه وبين برج الحراسة والجدران، وعند عودته إلى الغرفة يرسم الخرائط الهندسية، ثم يتلفها كي لا تكشفه إدارة السجن. ويؤكد أحد ضباط وحدة التحقيق الخاصة «لاهف 443» على ذلك بالقول: «كان يحصي عدد البلاطات من الغرفة حتى الخارج، كل هذه الخطوات ليرسم صورة دقيقة عن الواقع، وصولاً إلى الخروج من السجن». وحسب التحقيق التلفزيوني للقناة العبرية 12 في هذا المضمار: «حتى الأسرى لم يخطر ببالهم أن الحارسة على برج المراقبة كانت نائمة، وأن السجان المكلف بمراقبة الشاشات لم يشاهد الصور التي عرضت مباشرة لهروب الأسرى على مدار 20 دقيقة، كل منظومات السجن انهارت واحدة تلو الأخرى». وعن سبب اختياره للبلاطة أسفل الحمام للحفر، يقول المحامي: «العارضة راقب السجان أين يقف وقرر أن المكان المناسب للحفر هو قرب الحمام» ويتابع محمود قال لي: «رسلان يجب أن تعرف أن من يقف في مكان جيد لا يفتش أسفل قدميه». وينقل محاجنة عن العارضة قوله في محضر التحقيق: «على مدار 15 عاماً وأنا أعرف أن الأرضية أسفل الحمام ضعيفة ويمكن حفر النفق داخلها، ووجدت هذه النقطة». ويكشف أنه طيلة أربعين يوماً أنهى قص لوح الرخام والحديد أسفله ثم اكتشف وجود أرضية اسمنت واحدة، ويكشف أن محمود عثر أسفل الغرفة على «صخرة يبلغ وزنها عشر كيلوات واستخدمتها كمطرقة وصنع من العصا ما يشبه الإزميل لتوسعة مدخل النفق».
محمود أولا
وحسب رواية محامي الدفاع استمر العارضة بالعمل لوحده في حفر النفق طيلة شهر وقرر من هم الأشخاص الذين سيرافقونه في الهروب، وأخفى العملية عن بقية رفاقه الأسرى، كل من حاول الاستفسار عن ما يجري، قالوا له «إن محمود يجهز مخبأ للهاتف». في المرحلة التالية أخبر محمود الأسيرين يعقوب قادري وأيهم كممجي ومحمد العارضة عن العملية، وشاركا في الحفر وتم ذلك بسهولة بعدما نقل لابن عمه رسالة مع الأسرى نقلوا من جلبوع إلى هداريم بأن يطلب النقل عنده. كما يوضح المحامي أنه بعد شهرين من العمل في حفر النفق، نزل محمود العارضة لأول مرة أسفل غرفته، وحسب إحدى الاعترافات التي نقلها التقرير، فقد استعمل الأسرى «القداحات» لإضاءة الطريق أمامهم خلال العمل، وكانوا يحفرون بدون وجود ضوء كاف، وتنقل عن العارضة قوله: «كنت أعتقد أنني أعرف ما يوجد تحت الغرفة لأنني حفرت سابقاً نفقاً تحت سجن شطة، ولكن ما وجدناه أسفل سجن جلبوع أدهشنا. عثرنا على عصي حديدية تركها العاملون عند بناء السجن ومعدات أخرى وكأنهم قد عثروا على كنز حينها لانها صارت أداة الحفر المركزية». وينوه رسلان ان أهم شيء لدى محمود كان حماية منطقة الباب، لأنها مكشوفة أمام السجانين ويضيف «أغلق الأسرى المنطقة باستخدام الصابون الذي نشتريه من السجن ونعيد ملء الفراغ من حول القطعة الرخامية التي اقتلعناها من أرضية الحمام ومنها بدأنا الحفر وذلك كي لا يتنبه السجانون كلما زاروا غرفتنا للمراقبة».
الحفر في الربيع
وحسب رواية الأسرى سارعوا خلال فصل الربيع في عمليات الحفر، فكانوا يعملون من الساعة 11 حتى الثالثة بعد الظهر، وبعد انتهاء العد الذي تجريه إدارة السجن، يكملون العمل من الثالثة والنصف حتى السابعة مساءً، وعن هذه المرحلة يقول الأسرى: «كنا نزحف على بطوننا وعندما نصطدم بعمود أو أسمنت نتجاوزه ونحفر يميناً أو يساراً». ويروي المحامي رسلان محاجنة أن محمود قال له: «حظنا كبير بوجود أسير معنا اسمه مناضل نفعيات، كان عمله خارج السجن حفر آبار المياه، كان مناضل يحفر بقوة حصان». وفي التحقيق التلفزيوني للقناة 12 يعتبر الضابط من وحدة «لاهاف» العمل الذي قام به الأسرى في «جلبوع» أن دافعه هو «الرغبة الكبيرة في الهروب» وقال: «لقد حفروا النفق بأيديهم».
اشتباه السجانين
في حزيران/يونيو بعد أن أنهى الأسرى حفر ثلثي النفق، استدعى أحد السجانين ضابطاً وأشار له إلى البلاطة التي كان الحفر يجري تحتها، وأخبره عن وجود كسر فيها، لكن الضابط لم يهتم بذلك، وقال له إن كثيراً من الأماكن توجد فيها كسور وقد أجرت وحدة خاصة تفتيشاً سابقاً في المكان ولم يعثروا على شيء. وهكذا استمرت عملية الحفر حتى فر الأسرى عبر النفق ولكن ليس في التاريخ المحدد حسب الخطة بعدما بدأت سلطات السجن تشك بوجود عملية حفر خاصة أن مجاري الدورة المائية سددت بسبب الرمل الذي انتشل من النفق وتم إلقاؤه في حوض المياه بكميات صغيرة مما استدعى طاقم إصلاح خطوط المجاري أربع مرات.
حملة محمومة انتهت باعتقال الأسرى
بعد نحو أسبوعين من فرار الأسرى الستة وهي عملية أحرجت السلطة الفلسطينية العاجزة منذ عقود عن مد إطلاق الأسرى ولقيت أصداء عالمية واسعة، اعتقلت سلطات الاحتلال الأسرى الستة مجددا بعدما شنت حملة واسعة النطاق. والأسرى الستة من منطقة جنين وهم محمود العارضة، محمد العارضة، يعقوب قادري، مناضل نفيعات، أيهم كمامجي، وينتمون لحركة الجهاد الإسلامي، إضافة إلى زكريا الزبيدي من كتائب الأقصى المحسوبة على حركة «فتح». وتعهّدت كتائب «عز الدين القسام» الذراع العسكري لحركة «حماس» بعدم إتمام أي صفقة تبادل جديدة مع إسرائيل بدون الأسرى الستة. وكشفت القناة الإسرائيلية الرسمية في حينه إن عملية البحث عن الأسرى كلفت 100 مليون شيكل (نحو 33 مليون دولار) وتمت بمشاركة الجيش والمخابرات وعشرات طائرات الهليكوبتر والمسيّرات وآلاف من عناصر الشرطة الإسرائيلية، وعناصر من مختلف الوحدات الخاصة التابعة لها، وقسم المرور، ووحدة الدراجات النارية، بالإضافة إلى وحدات «الدرور» و«المتسادا» و«اليماز» التابعات لمصلحة السجون الإسرائيلية.
منتصب القامة داخل القاعة الإسرائيلية
هؤلاء الأسرى الفلسطينيون الذين يخضعون الآن للمحاكمة على هربهم من السجن يؤكدون في كل مرة يؤتى بهم لقاعة المحكمة الإسرائيلية أملهم بنيل الحرية في القريب العاجل رغم ما يتعرضون له من انتهاكات في معتقلهم. ولم يتردد الأسير محمود قادري في القول داخل المحكمة وهو محاط بجنود إسرائيليين: «سنعود إلى فلسطين، كل فلسطين بإذن الله تعالى، فلسطين التاريخية، حريتنا فوق كل شيء. مطالبنا شرعية، ووضعنا سيء جدا. نحن نعيش داخل مقابر هكذا يريدون لنا، ولكن سنبقى صامدين وأقوياء». بدوره قال كمامجي: «ننتظر وعد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وإنا لنراه لقريب. سنقهرهم من فوق الأرض كما قهرناهم تحت الأرض».
تهريب النطف
وهناك نضالات ملحمية يقوم بها الأسرى الفلسطينيون ترمز هي الأخرى للانحياز للحياة واختراق حدود اليأس والمستحيل تتمثل بتهريب النطف والفوز بأولاد وهم داخل الأسر وحتى الآن نجح عشرات منهم في هذه التجربة الفريدة النادرة. الناشطة سناء أحمد دقة امرأة فلسطينية كانت خطيبة للمناضل الأسير وليد دقة حينما اعتقل قبل 36 عاما، وقبل 22 عاما ارتبطا رسميا بعقد قران وظلت وفية له تنتظره مع حلمها على جمر الصبر والحرمان. لم تدع اليأس يوما يتسلل إلى قلبها وقبل تسعة شهور لجأت للحيلة بسيرها على طريق سيدات فلسطينيات ونجحت بتهريب نطفة من زوجها الأسير لتولد اليوم «ميلاد» طفلة جميله كاسمها المشحون بمعاني الحياة الكريمة الحرّة وعمرها اليوم عامان ونيف. وأعلنت سناء مفاجأتها بمنشور على حسابها، وقالت إنها وضعت مولودتها في مستشفى الناصرة وهي ومولودتها بخير وسلامة.
ووليد دقة (58) من مدينة باقة الغربية داخل أراضي 48 أسير محكوم بالمؤبد أدين في 1986 بعدما أدانته محكمة إسرائيلية بالانتماء لحركة فتح ولخلية قامت بقتل جندي إسرائيلي. ويعتبر وليد دقة من الأسرى المثقفين، وهو يواظب على كتابة المقالات الصحافية والأدب وألف مسرحية «الزمن الموازي» عن حياة الأسر خلف القضبان، وهي مسرحية عرضت قبل سنوات وتعرضت لحملة تحريض إسرائيلية واسعة قادتها وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريغف التي أقدمت على إغلاق مسرح الميدان في حيفا ومعاقبته وحرمانه من الميزانيات المستحقة لعرضه المسرحية. وفيما تبدو اليوم عملية تمهيد وإرسال رسالة مبطنة مبكرا سبق أن قال وليد دقة في واحد من مقالاته قبل نحو تسع سنوات: «أكتب لطفل لم يولد بعد، أكتب لفكرة أو حلم بات يرهب السجان دون قصد أو علم، وقبل أن يتحقق، أكتب لأي طفل كان أو طفلة، أكتب لابني أو ابنتي الذي لم يأت إلى الحياة بعد، أكتب لميلاد المستقبل، فهكذا نريد أن نسميه/نسميها، وهكذا أريد للمستقبل أن يعرفنا».
سفراء الحرية
وفي رسالة مشحونة بدلالات عميقة أضاف دقة في رسالته قبل سنوات من تهريب نطفة منه «اليوم، أنهي عامي الخامس والعشرين في السجن – تسعة آلاف ومئة وواحد وثلاثون يوماً وربع (9131) إنه الرقم الذي لا ينتهي عند حد، إنه عمري الاعتقالي الذي لم ينته بعد، وها أنا قد بلغت الخمسين، وعمري قد انتصف بين السجن والحياة، والأيام قد قبضت على عنق الأيام، كل يوم أمضيته في السجن يقلب شقيقه الذي أمضيته في الحياة، ككيس يحاول إفراغ ما تبقى به من ذاكرة، فالسجن كالنار يتغذى على حطام الذاكرة وذاكرتي، يا مهجة القلب، غدت هشيماً وجف عودها، أهرّبها مدونة على ورق حتى لا تحترق بنار السجن والنسيان، أما أنتِ، فأنتِ أجمل تهريب لذاكرتي، أنتِ رسالتي للمستقبل بعد أن امتصت الشهور رحيق أخوتها الشهور، والسنين تناصفت مع أخواتها السنين. أتحسبني يا عزيزي قد جننت؟ أكتب لمخلوق لم يولد بعد؟
أيهما الجنون..؟ دولة نووية تحارب طفلاً لم يولد بعد فتحسبه خطراً أمنياً، ويغدو حاضراً في تقاريرها الاستخبارية ومرافعاتها القضائية.. أم أن أحلم بطفل؟ أيهما الجنون..؟ أن أكتب رسالة لحلم أم أن يصبح الحلم ملفاً في المخابرات؟ أنت يا عزيزي تملك الآن ملفاً أمنياً في أرشيف الشاباك الإسرائيلي.. فما رأيك؟».
وخلص وليد دقة للقول لميلاد قبل ميلادها بسنوات: هل أكف عن حلمي؟ سأظل أحلم رغم مرارة الواقع.. وسأبحث عن معنى للحياة رغم ما فقدته منها. هم ينبشون قبور الأجداد بحثاً عن أصالة موهومة.. ونحن نبحث عن مستقبل أفضل للأحفاد.. لا شك آت سلام ميلاد.. سلام عزيزي/ تي». ويشير مركز رزان الفلسطيني لعلاج العقم وأطفال الأنابيب أنه منذ بدء تهريب النطف من الأسرى ولد 72 طفلا فلسطينيا يطلق عليهم تعبير «سفراء الحرية» أولهم الطفل مهند عمار الزبن. ويوضح الناطق بلسان مركز «الميزان» محمد قبلان لـ «القدس العربي» أن الطفل المذكور هو ابن الأسير عمار الزبن من مدينة نابلس المحكوم بالمؤبد 26 مرة، وأنه سمّى طفله مهند على اسم صديقه الذي استشهد قبل سنوات. ونوه إلى أن مهند كان أول طفل يولد بعد تهريب نطفة من والده في الأسر، وأن مركز «رزان» قدم كل المساعدات الطبية اللازمة منذ البداية، لافتا إلى أن الطفل يقيم اليوم مع والدته في بيت جده من أمه في قرية ميثلون في قضاء جنين.