لم تنفصم الأحداث السياسية والأجواء التي عاشها الناس لعام آخر تحت تهديد موجات جديدة لفيروس كورونا بتمحوراته المتعددة، وآخرها أوميكرون عن الحراك الثقافي والإنتاج الفكري والروائي ومناح أخرى أدبية شهدها عام 2021.
فقد شهد هذا العام منح جائزة نوبل للأداب للروائي التنزاني المقيم في بريطانيا وأستاذ الأدب المقارن ودراسات ما بعد الاستعمار، عبد الرزاق قرنح. ولد الروائي في جزيرة زنجبار عام 1948 ولجأ منها إلى بريطانيا حيث استمر ببناء عوالمه الروائية عن الرقيق والاستعمار والإسلام والهجرة من أفريقيا. وظل قرنح يكتب بهدوء منذ روايته الأولى التي جذبت إليه انتباه النقاد في بريطانيا «جنه» وبطلها يوسف. والمشكلة مع قرنح أن رواياته العشر حظيت حال صدروها بنوع من الترحيب النقدي لكنها لم تكن كافية لأن تعطيه قراء كثيرين وبالتالي ناشرين لكتبه. وهو ليس معروفا لدى الكثير من أبناء وطنه ولم تترجم كتبه على مستوى واسع للغات ومنها العربية، مما أدى لنفاد نسخ عدد من رواياته.
وعندما أعلنت لجنة نوبل عن فوزه تدافع أصحاب المكتبات للحصول على كتبه وتوفيرها للقراء الذين يريدون التعرف على عوالم قرنح الروائية. وكانت آخر رواية له «ما بعد الحياة» (2020) والتي تناول فيها الاستعمار الألماني الوحشي في شرق أفريقيا، وهي رائعته واعتقد ناشره أنها ستوسع قراءه، لكن عدم نشرها في الولايات المتحدة أعطى صورة أن لحظته لم تأت أو فاتت. وبعد عام جاءت نوبل التي لفتت انتباه العالم لهذا المبدع والناسك الذي يعمل بصمت، وزاد الطلب على إنتاجه وبيع حقوق نشر كتبه في دول أخرى. وذكرت لجنة نوبل في حيثيات منح الجائزة أنها «بسبب غوصه العاطفي وغير المتهاون في آثار الاستعمار ومصير اللاجئ والخليج بين الثقافات والقارات». وانضم قرنح إلى قامات الرواية، غابرييل ماركيز والبير كامو وويليام فولكنر، وهو أول روائي أسود يحصل على الجائزة منذ توني موريسون التي منحت لها الجائزة في عام 1993. وبالتأكيد سيكتشف القراء كاتبا مهما من خلال رواياته «على البحر» و«هجران» و «الهدية الأخيرة» و «ذكريات الرحيل».
عالم جميل أين أنتم
وشهد العام نقاشا حول مقاطعة إسرائيل ورفض الروائية الأيرلندية سالي روني بيع حقوق روايتها الأخيرة «عالم جميل، أين أنتم» إلى دار نشر عبرية باعتبار أن عالم النشر في إسرائيل مرتبط بنظام الدولة العنصري ضد الفلسطينيين. لكنها دافعت عن قرارها قائلة: «أتفهم أن الجميع لا يتفقون مع قراري، ولكنني أشعر أنه ليس من الصواب في ظل الظروف الحالية أن أوقع عقدا مع شركة إسرائيلية لا تبعد نفسها علنا عن الابارتيد وتدعم الحقوق التي أكدتها الأمم المتحدة للشعب الفلسطيني». وتحول النقاش حول رفض الكاتبة ترجمة روايتها للعبرية رغم ترجمة روايات أخرى لسجال بين داعمي الحق الفلسطيني والمدافعين عن إسرائيل. وأصدر عدد من الكتاب بيانا قالوا فيه إن قرار سالي هو «رد نموذجي على الظلم الذي يلحق بالفلسطينيين».
فانون
وفي ظل الحديث عن آثار الاستعمار، أحيت فرنسا الذكرى الستين على مجزرة باريس التي قتلت فيها الشرطة الفرنسية المتظاهرين المؤيدين لحركة التحرير الوطني واستقلال بلادهم واعتراف إيمانويل ماكرون بالمجزرة مع أن اعترافه جاء في ظل تصاعد الفاشية الفرنسية، ولم يكن اعترافه كاملا، وبخاصة أنه متردد بالكشف عن ملفات الحرب الفرنسية ضد المقاومين الجزائريين ولا الاعتذار عن فظائع بلاده في الجزائر، بل واختار الاعتراف والإعتذار للحركيين الذي قاتلوا ضد بلادهم مع فرنسا.
وما دام الحديث هو عن فرنسا، فقد مضت ستون عاما أخرى على صدور كتاب فرانز فانون «المعذبون في الأرض» وصدرت منه طبعة جديدة بمقدمة الفيلسوف الأمريكي كورنيل ويست. ومضى 60 عاما على الطبعة الأولى التي صدرت بمقدمة من الفيلسوف جان بول سارتر لكن دفاع فانون، المولود في عام 1925 بالمارتينيك عن المقاومة ضد الاستعمار واعتباره الاستعمار آلة «للعنف العاري» ولن يتوقف إلا إذا واجهته القوة لم يفقد حيويته حتى اليوم. واكتشف الفيلسوف والعالم النفسي فانون، وهو الذي آمن بالنموذج الفرنسي وقاتل من أجل فرنسا وجرح في الألزاك، آثار المستعمرين على الشعوب المستعمرة أثناء عمله في الجزائر، التي حول فيها الفرنسيون المذبحة والتعذيب لأمر عادي. وهو ما دعاه للعمل مع حركة التحرير الوطني الجزائرية «فلان». وأصبح فانون بمثابة نبي الدعوة للتخلص من مخلفات الاستعمار وأثرت أفكاره على حركات التحرر الوطني في غانا وليبيريا وتحول نيلسون مانديلا أحد أتباع غاندي لقائد حركة مقاومة ضد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، بل ووصلت تأثيراته إلى أحياء السود في أمريكا وحركة الفهود السود. وقدم فانون العنف على أنه علاج للسكان الأصليين «في الوقت الذي تقطع فيه أوصال أهلك مثل الكلاب» كتب قائلا، «فلا حل إلا باستخدام كل الوسائل المتاحة لإعادة بناء نفسك كبشر». ولكن الكتاب لا يحرض على العنف، بل هو تشخيص لظروف ما بعد الاستعمار، كما قالت نادين عورديمر من بين عدد من المؤلفين.
قصيدة
ويمكن القول أن أحداث العام الثقافية بدأت بالقصيدة التي القتها الشاعرة الشابة أماندا كورمان في حفل تنصيب الرئيس جو بايدن «التلة التي نصعد» وأمسكت بإلقائها وكلماتها التي كتبت بعد العصيان في 6 كانون الثاني/يناير في الكونغرس النابع من رفض الرئيس السابق دونالد ترامب القبول بنتائج الانتخابات عام 2021 بمشاعر الناس وقلوبهم. وهي أصغر شاعرة تلقي قصيدة في حفل تنصيب رئاسي، ولا مجال للشك في موهبتها أو إنكار جاذبيتها، فقد تركت مذيع «سي أن أن» أندرسون كوبر عاجزا عن الكلام ووضعت مجلة «تايم» صورتها على غلافها وتحدثت عنها ميشيل أوباما وهيلاري كلينتون وأوبرا وينفري وغيرهن. فقد أعادت صورة «الشاعر النجم» الذي اختفى تحت سطوة أشكال أدبية أخرى. وأكدت أن الشعر لا يزال قادرا على التعبير عن الصدمة والكدمات النفسية وتحليل حال الأمة.
وهذا يذكرنا بالشاعر والمغني الكندي-السوداني مصطفى أحمد (يطلق على نفسه مصطفى الشاعر) الذي أصدر أول البوم من أشعاره «عندما ينبعث الدخان» وهو ظاهرة في كندا، سجل أول أغنية له وهو في سن 12 عاما «وردة وحيدة» والتي أظهرت حساسية لمجتمعه وفهما للظلم الذي يتعرض له، وسجل في أشعاره مصير اصدقائه الذين ماتوا جراء العنف. وأسس فرقة «حلال غانغ» (عصابة الحلال) وعمل على وثائقي قصير «تذكرينا يا تورنتو».
عاصفة نيجيرية
وشهد العام جدلا بين الروائية النيجيرية المعروفة تشياماندا نغوزي إديتشي وطلابها، فقد أثارت تعليقات لها عن واحدة من طلابها في ورشة عمل الإبداع الروائي والتي تعقدها كل عام ما بين لاغوس وأكوا عاصفة على منصات التواصل الاجتماعي. وساعدت أديتشي عددا من الكتاب الأفارقة على بداية مشوارهم الروائي من خلال تحرير وقراءة أعمالهم. وأسهمت على مدى عقد من الزمان بتخريج أكثر من 200 كاتب، أصبح بعضهم نجوما مثل أيوبامي أديبايو التي رشحت روايتها الأولى «إبق معي» لجائزة بيلي وجوهر إيلي الذي كان أول نيجيري يفوز بجائزة «اتصالات للأدب». ويشارك في ورشة الإبداع 20 كاتبا من بين مئات المتقدمين. وقالت أديتشي «نحن عائلة وإن لفترة قصيرة». لكن المعركة بينها وإحدى تلميذتها وهي أكاويكي إيميزي انتقلت للمجال العام. وكتبت إديتشي في حزيران/يونيو مقالا نشرته على صفحتها بفيسبوك اتهمت فيه تلميذتها السابقة بمهاجمتها في مقابلة عام 2017 وقالت «لا أعتقد أنه من الجيد الحديث عن قضايا المرأة وكأنها تشبه بالضبط قضايا النساء المثليات». وحاولت أديتشي تقديم الخلاف مع تلميذتها السابقة كمثال عن الطريقة التي يقوم فيها الشباب باستخدام منصات التواصل الاجتماعي ككبش أيديولوجي بدلا من التفاهم والتواصل. وردت إزيمي بعد ذلك متهمة إديتشي بنشر رسائل إلكترونية بدون إذن وأنها تحاول التحريض ضد النيجيرين الكارهين للمثليين بغرض استهدافها. وانتقدت إيزيمي عالم النشر بسبب ترويجه لأعمال أديتشي مؤلفة روايات مثل «نصف سماء صفراء» و «أمريكانا». وقالت إن رأسمال أديتشي نابع من صناعة النشر. ويعكس الخلاف بين الكاتبتين اللتان وسعت أعمالهما الاهتمام الدولي بالأدب الأفريقي المعاصر، نقاشا أوسع حول دور تويتر ومنصات التواصل الاجتماعي وإن تحولت لأداة سامة ومكانا للتفاخر والشتيمة بدلا من المساهمة في النقاش الصادق. وتحولت علاقة بدأت ودية إلى خلاف حاد، حيث ساعدت أديتشي إزيمي في كتابة بعض قصصها. وبعد اندلاع الخلاف تلقت أديتشي نسخة من رواية إزيمي «مياه طازجة» حيث ورد اسمها في قائمة الشكر، وهو ما دعا أزيمي للمطالبة بحذفه. وهذه أول مرة تحاول فيها أديتشي معالجة النزاع بالربط بين ما هو شخصي وما تصفه مشكلة اجتماعية وثقافية أوسع عن فكرة الاستقامة والردود المضادة على من يحملون مواقف مختلفة وما تتركه هذه المواقف على النقاش الصحي «لدينا جيل من الشباب على منصات التواصل الاجتماعي يشعرون بالرعب من فكرة وجود أفكار خاطئة لدرجة أنهم سلبوا أنفسهم من فرصة التفكير والتعلم والنمو». وما دمنا في الجدل، فقد أثارت ابنة الروائي الإسرائيلي المعروف عاموس عوز الذي توفي عام 2019 عن عمر 79 عاما الجدل بمذكراتها، واتهمته بضربها وإهانتها وهي صغيرة. وحملت مذكرات غالية عوز وهي مؤلفة كتب أطفال عنوان «شيء غلف بغلاف الحب» مع أن أخواتها سارعن للدفاع عن والدهن وقلن إنهن يتذكرنه بطريقة مختلفة.
سيرة الناقد والمفكر
ومن أهم كتب العام هي السيرة الأولى التي صدرت عن المفكر السياسي والناقد الأدبي وكاتب المذكرات نفسه والموسيقي إدوارد سعيد بعنوان «أمكنة العقل: حياة إدوارد سعيد» أعدها واحد من تلامذته، تيموتي برينان. وكتابه هو سيرة فكرة واسعة عن واحد من أهم مفكري القرن العشرين والذي جعلت تجربته الفكرية والسياسية ونقده للاستعمار والاستشراق مرجعية في الدراسات الثقافية، كما أن هويته كفلسطيني كانت محفزا له للبحث في التاريخ والجغرافيا. وأعطته فكرة العيش كخارج الفرصة للتفكير باستقلالية وتقديم آرائه بجرأة شاملة. وضمن الكاتب تحليلا لتجارب سعيد الروائية والنصوص الأدبية غير المنشورة واستبطن عالمه. وأكد أنه كان ناقدا للاستعمار أكثر من كونه داعيا للتخلص من آثاره. وفصل أن سعيد كان يريد عندما نشر كتابه الاستشراق فهم الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية ولكنه انتهى باحثا ومحللا لجهود المستشرقين التي خدمت الاستعمار، مع أن سعيد كان صديقا لمستشرقين مثل مكسيم رودونسون وجاك بيرك. وأغرم بكتابات لويس ماسينيون بقدر ما انتقد أعمال هاملتون جيب وإدوارد لين وارينست رينان. وأشار برينان إلى تأثيرات سياسيين ومفكرين عرب عليه مثل شارل مالك وقسطنطين زريق. ويظل الكتاب مرجعا مهما عن حياة الناقد والمفكر السياسي الذي ألهم أجيالا من طلاب الجامعات والمعاهد الأولى والمدافعين عن فلسطين، وحظيت كتبه برواج واسع. وهي محاولة لتصحيح سوء الفهم للناقد وتقديم صورة أعمق الناقد والإنسان.
الرواية
ذكرنا الجدل حول رواية روني «عالم جميل أين أنتم» وهي من روايات العام المهمة. وتدور حول التعايش مع المراهقة وتقوم على الحوار الداخلي والخطاب البعيد الذي يحاول فيه شخوص روني التفكير في معنى الصداقة والجنس والسياسة بالإضافة للمصاعب النابعة عن الشهرة وكتابة رواية في عالم يحترق. وتمت ترجمة عمل الروائية البولندية والحائزة على جائزة نوبل أولغا توكارجوك «كتاب يعقوب» إلى الإنكليزية، وهو رواية عن التنوير الروحي والعلمي. وشهد العام عودة الحائز على نوبل أيضا كازو إيشيغورو في رواية «كلارا والشمس» والتي تبحث في محدودية العواطف من خلال علاقة بين بنت مريضة وصديق مصطنع. وأصدرت نظيفة محمد عملا جديدا خصصته هذه المرة للمهاجرين الصوماليين إلى كارديف في خمسينات القرن الماضي «رجال الحظ». وأصدرت الروائية التركية-القبرصية تايس شين، رواية مشابهة لمحمد ولكن عن حياة المجتمعات التركية في لندن بالفترة ما بين 1999- 2012 وهي رواية مسكونة بقاعات السنوكر والطعام التركي وحصص الرقص وفي مركزها أيلا، الأم التي تحاول الحفاظ على البيت، وهو عنوان الرواية «الحفاظ على البيت».
وتضم حصيلة هذا العام الروائية «بلد الآخرين» للمغربية- الفرنسية ليلي سليماني، وهو الجزء الأول من ثلاثية عن المغرب وعائلتها، وتأتي بعد روايتي «أديل» و «لولابي». ويدور الجزء الأول عن الحكايات التي سمعتها من جدها وجدتها، وهي عن جيل الأجداد وحياتهم في فترة الاستعمار وما بعده، أما الجزء الثاني فسيكون عن جيل والديها، الذي حاول تغيير البلد وإحداث ثورة وانتهى معظم أفراده جزءا من البرجوازية أما الثالث فهو عن الهجرة. ومعظم أعمال سليماني تدور حول الخيبة بالجنس والمنفى والأمومة. يذكر أن الفائز بجائزة بوكر البريطانية الرفيعة كان دامون غالغوت عن روايته «الوعد» وهي الأولى منذ سبعة أعوام. رواية عن ملحمة عائلة مفعمة بالسخرية وتحاول اكتشاف الوعود المكسورة والإرث السام في جنوب أفريقيا المتغيرة.
قصائد من الغولاغ
وفي وجه القمع والإبادة الثقافية للمسلمين في إقليم شنجيانغ، بدأت أصوات الشعراء المسلمين الإيغور تخرج من المعتقلات وتصل للقارئ باللغة الإنكليزية مثل أشعار الأكاديمي عبد القادر جلال الدين. وحفظ المعتقلون أشعاره ونشروها في الخارج. وفي واحدة من قصائده يقول «في هذا العالم المنسي أفتقد لمسة الحبيب» و «كل ليلة تجلب أحلاما مظلمة. وليس عندي تعويذة، وكل ما أريده هو حياتي، ولست عطشانا لأي شيء، هذه أفكار صامتة عبر العذاب ولا طريق عندي للأمل». وترجم الأشعار جوشوا فريمان من جامعة برنستون أحد تلامذته السابقين. وفي هذا السياق صدر كتاب «الحرب على الإيغور/ الحملة الداخلية الصينية ضد الأقلية المسلمة» ومن تأليف شون. روبرتس. والكاتب خبير في الثقافة المسلمة في الصين، وهو يفصل الحملة ضد مسلمي إقليم شنجيانغ وترحيل ملايين المسلمين لمصانع السخرة ونقل أطفالهم لمدارس صينية داخلية وهدم المساجد والمزارات ومنع الشعائر الدينية والتحكم بالنسل والتي تسارعت بعد عام 2017. وفي الثمانينات تسامحت السلطات الصينية مع ثقافة الإيغور لكنها تخلت عنها فيما بعد واستخدمت بعد عام 2001 الحرب الأمريكية على الإرهاب لتبرير حملات القمع ضد المسلمين. وأنها رد على التشدد الإسلامي ومشاركة مسلمين في الحرب بسوريا، لكن روبرتس يرى فكرة تشدد الإيغور وهم وأن الحملة ضدهم وصلت إلى مرحلة «الإبادة الثقافية».
الجاسوس الذي أعدم نفسه
ولم تغب سوريا التي ظلت موضوع اهتمام الباحثين منذ عام 2011 إما بسبب الحرب الأهلية وقمع النظام أو نتيجة صعود تنظيم الدولة.
وصدر كتاب أعده جوبي واريك صحافي «واشنطن بوست» ومؤلف كتاب حصل على جائزة بوليتزر عن تنظيم الدولة. ولكن كتابه الجديد «خط أحمر: الكشف عن سوريا والسباق لتدمير أخطر ترسانة كيميائية في العالم» قصة عن تعاون باحث علمي سوري «الصيدلي»مع سي آي إيه، ولم تكن هناك إلا قلة تعرف اسمه الحقيقي. فهو أستاذ جامعي موهوب ويصلح لمهمة الجاسوس والمميزات غير المتوفرة للسوريين العاديين، بما في ذلك السفر إلى الخارج ومقابلة الأجانب في الأسواق المزدحمة والمقاهي العامرة بالرواد في المدينة القديمة. وبدأت القصة في دمشق عام 1988 وكانت أول محاولة له للتواصل مع الأمريكيين في مؤتمر علمي عقد في أوروبا حيث طلب من صديق له أن يمرر رسالة إلى السفارة الأمريكية القريبة. وانتهى الباحث ليكشف عن نفسه للمخابرات السورية وإن بطريقة عرضية. وأعدم بتهمة الخيانة في سجن عدرا ولكن بعدما نقل كل أسرار البرنامج الكيماوي للمخابرات الامريكية.
أصوات من العالم العربي
«لم تهزم بعد: أعمال مختارة 2011- 2021» للناشط المصري علا عبد الفتاح وبمقدمة نعومي كلاين حيث قالت «النص الذي تحمله هو تاريخ حي» وجزء من المقالات المنشورة بيانات سياسة وسيرة ذاتية، وجزء آخر منها تسجيل لمشاهد من محاكمات عبد الفتاح التي تذكر بعالم كافكا. وتم تهريب أجزاء من الكتاب من سجن طرة، سيء السمعة. واعتقل عبد الفتاح عددا من المرات وسجن في سجون عالية الأمنية ومنذ عام 2019 حيث يكتب «عندما أطالب بحقي في القراءة والكتابة فأنا لا أطالب برفاهية ولكن أطالب بالسماح لي العيش في هذا العصر». والكتاب هو رحلة في ثورة 2011 والاستبداد والأمل.
وهناك كتاب «نساؤنا في الميدان: مقالات لنساء عربيات يراسلن من العالم العربي» وحررته زهرة حنكير، وهو مجموعة من القصص التي كتبتها صحافيات عربيات عن تجاربهن في العمل الصحافي من بلدانهن سواء في وقت الحرب والسلم أو من خطوط القتال. وتغير القصص أو السير المكتوبة فهمنا عن عمل المراسلة الأجنبية. وتسهم قصصهن في إغناء القارئ بالمعرفة عن العالم العربي، وحتى ولم تكن من اليمن أو سوريا ومصر فإنك تشعر بعلاقة مع هذه الدول، والفضل يعود للمراسلات الصحافيات.
السياسي المحنك
وأصدر مارتن إنديك كتاب «سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن الدبلوماسية في الشرق الأوسط» وقدم فيه كيف قام تلميذ وداعية السياسة الواقعية باستخدام حرب 1973 بين مصر وإسرائيل لإخراج مصر من الفلك السوفييتي وبالتالي عقدها سلام مع إسرائيل. وأكد كيسنجر في حديث أجراه الكاتب معه وهو في سن الـ 97 عاما وهو الآن 98 عاما انه لم يعط مصر الضوء الأخضر كي تضرب إسرائيل، لكن الحرب قدمت له فرصة لأن يحدد مسار الأحداث في الشرق الأوسط. والسلام في نظر كيسنجر لم يكن نهاية اللعبة بل وتبعاته والتي يعددها إنديك في قبول دول عربية بوجود الدولة اليهودية واتفاقيات إبراهيم. ويقول إنديك «عندما يتعلق الأمر بالمشاعر الشرق أوسطية العنيفة والحفاظ على السلام، فحكم التاريخ أن هنري كيسنجر فعل جيدا» لكن هناك الكثيرون من النقاد الذين يذكرون بفشله في ملفات مثل بنغلاديش واغتيال سلفادور أليندي في تشيلي والهزيمة في فيتنام وتيمور الشرقية واجتياح قبرص بل ووصف في بعض الدوائر بمجرم الحرب.
أفغانستان
وقبل خروج القوات الأمريكية من أفغانستان ونهاية أطول الحروب الأمريكية في التاريخ صدر كتاب «الحرب الأمريكية في أفغانستان: تاريخ» من تأليف كارتر مالكاسيان، وهو تاريخ عن التورط الأمريكي في البلد من قرار جيمي كارتر دعم المجاهدين الأفغان بعد الاحتلال السوفييتي عام 1979 إلى قرار جوي بايدن الخروج بداية 2021 وهو تاريخ يقرأ مظاهر الفشل ورفض الإدارات المتعاقبة التفاوض مع طالبان إما لأنها ضعيفة أو قوية جدا. والكاتب يعرف لغة البشتو ويعرف قادة طالبان وعملياتها. ويقول إن إدارة جورج دبليو بوش ركزت في مرحلة ما بعد 9/11 على ملاحقة الإرهابيين وقتلهم وقتلت معهم مدنيين. أما الكتاب الثاني عن الحرب فهو لغريغ ويتلوك «أوراق افغانستان: التاريخ السري للحرب» ويقوم على سجلات ووثائق تم الحصول عليها من خلال قانون حرية المعلومات. ويضم مقابلات مع مسؤولين أمريكيين ومذكرات أصدرها وزير الدفاع السابق دونالد رمسفيلد. ورغم حضور الأصوات الأمريكية إلا أن الأفغانية غائبة. وتناول مغامرات أمريكا في الشرق الأوسط ومحاولاتها الفاشلة في تغيير الأنظمة، فيليب غوردون بكتابه «خسارة اللعبة الطويلة: الوعد الكاذب لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط». وقدم فيه حالات فاشلة لصناع السياسة الأمريكية من الإطاحة بحكومة محمد مصدق في إيران عام 1953 وإسقاط صدام حسين عام 2003 والمحاولة الأخيرة في سوريا وكلها «ليست حالات عن نجاح واضح وبعضها فشل كارثي وكلها بكلفة باهظة وتداعيات غير مقصودة». وبنفس السياق حاول غلين روبنسون في كتابه «لجهاد العالمي: تاريخ مختصر» تناول فكرة الجهاد واهتمام حكومات العالم بها. وقدم روبنسون تطور الجهاد السياسي منذ ثمانينات القرن الماضي وقدمه عبر أربع موجات، مشاركة المتطوعين في الحرب بأفغانستان وملاحقة أمريكا لأسامة بن لادن والقاعدة ورفض تنظيم الدولة الإسلامية وانتشار ما عرف «بالذئب المتوحد» عبر الإنترنت. وفي سياق منفصل يتعلق بالوضع الأمريكي صدر كتاب مساعدة هيلاري كلينتون، حمي عابدين «كلاهما و:حياة في عوالم كثيرة» وهي محاولة منها للبحث في هويات متعددة، إمرأة من أصول هندية وولدت في ميتشغان ونشأت في السعودية. وتقدم فيه رواية شجاعة وغير مترددة عن عملها كمساعدة لكلينتون وحياتها كزوجة لأنتوني واينر، عضو الكونغرس السابق الذي كان في مركز فضيحة الرسائل الجنسية التي أدخلته السجن وأدت لتحقيق من خدمة الطفل وعرقلت حملة كلينتون. وفي الليلة التي علمت أن رسائلها الإلكترونية المتعلقة بالعمل وجدت على جهاز كمبيوتر زوجها، مما أدى بمكتب التحقيقات الفدرالي لفتح تحقيق في طريقة تعامل كلينتون مع المعلومات السرية «كتبت سطرا واحدا في مفكرتي: لا أعرف كيف سأنجو من هذا، ساعدني يا ربي».
لماذا يكرهون الكتب
في حربها على غزة استهدفت إسرائيل مكتبة سمير منصور للطباعة والنشر والتوزيع، وهي مكتبة أنشأها قبل 21 عاما وتحولت مع مرور السنين إلى مأوى لكل طالب علم ومن يريد قضاء وقته هربا من الحصار، وقال منصور في تصريحات لصحيفة «الغارديان» «لقد صدمت عندما علمت أنني هدف» وقال «عشرون عاما من حياتي وكل شيء عملت من أجله رأيته مدمرا أمام عيني». وأضاف: «عملت مع الكتب طوال حياتي، بدءا من والدي عندما كنت في الـ 12 عاما وليس لدي أي ولاء سياسي، في غزة نشأنا في ظل الحرب ولكنني لم أتوقع هذا». لم يكن تدمير مكتبته أكبر مأساة مقارنة مع خسارة الأرواح والدمار الذي خلفه القصف الإسرائيلي ولكنه أحدث ثغرة في الحياة الثقافية في مدينة غزة. وهو ما أدى لتعاطف دولي مع صاحب المكتبة التي كانت منبرا لخمسين مؤلفا محليا. وحاول عشرات المتطوعين مساعدته على إخراج 100.000 كتاب من تحت الأنقاض وجمعت حملة دولية 243.000 دولار لمساعدته على إعادة مخزونه، وتلقى وعودا بالتبرع بالكتب من كل أنحاء العالم. وفي سوريا هناك متطوعون قاموا بحملة أخرى مشابهة ولكن بقدراتهم الذاتية وهي جمع وتخزين الكتب وبناء مكتبة سرية جديدة من الكتب التي تم استخراجها من المكتبات والمساجد والبيوت والمكاتب في مدينة سورية بعنوان «جامعو الكتب في داريا» من تأليف ديلفين مينوي. وهي حكاية عن ناشطين جمعوا الكتب في مكتبة سرية بداريا قبل أن تكتشف وتنهب ويبيع جنود النظام محتوياتها في أسواق دمشق بأسعار زهيدة، أما أبطال القصة فقد رحلوا إلى إدلب وتركيا وبلدان المنفى الأخرى.
ويحبون الكتب
وحاولت نادية واصف واحدة من مؤسسات شبكة كتب «ديوان» في القاهرة استعادة سنواتها التأسيسية المضطربة، قبل أن تتحول إلى واحدة من أهم مكتبات بيع الكتب. وفي «حياة رف: سرد لبائعة كتب في القاهرة» تستعيد تاريخ بيع الكتب في مصر في القرن العشرين، ومكتبات القاهرة الشهيرة من مكتبة مدبولي إلى سور الأزبكية. وصدرت هذا العام ترجمة جديدة وأول ترجمة لألف ليلة وليلة تقوم بها امرأة وهي ياسمين سيل، وتحرير بولو ليموس هورتا حيث أعطت الترجمة الجديدة صوتا جديدا وقويا لشهرزاد. وأعاد فيلم «ديون» (كثيب) المأخوذ عن رواية فرانك هيربرت الحديث عن المؤثرات الإسلامية الصوفية والشيعية على كاتب الرواية الذي نشرها عام 1965 وقدم فيها رؤية تحد للإمبريالية، وضمنها كل المؤثرات التي استلهمها الكاتب من قراءته لأعمال لورنس العرب والأكاديمي العراقي محسن مهدي. مع أن الفيلم ومخرجه دينه فيلينفو حاول التخفيف من نبرة الإسلام والشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الرواية.