العاصفة السوداء وضحاياها

حجم الخط
0

مؤلم جدا مشاهدة أطفال مشردين تجمدت الدماء في عروقهم جراء موجة عاصفة ضربت منطقة الشرق المتوسط، ولكنها تكشف هشاشة المعايير الإنسانية التي ينادي بها العالم، طفلان في غزة استشهدا بردا ليضافا إلى ضحايا آلة الإجرام الصهيونية التي دمرت بيوتهم في عدوانها الصيف المنصرم.
ولم يتفرد الاحتلال بالإجرام فله شركاء في العقيدة الإجرامية وإن اختلفت المسميات والظروف، وما سوريا والعراق ببعيدتين، حيث أجبر صراع النفوذ والاقتتال البغيض في هاتين الدولتين المنكوبتين الملايين على التشرد من بيوتهم لإنقاذ أنفسهم من حمم قنابل ملتهبة لتتلقفهم عواصف ثلجية عاتية.
تعد الثلوج رمزا للصفاء والنقاء، ومبعث للراحة والاطمئنان، فهي فرصة للهو واللعب والتأمل، هذا هو المشهد الكلاسيكي الذي ألفناه كلما حل الزائر الأبيض على المنطقة، لكن هذه المرة تحول إلى ضيف ثقيل غير محبب، فأصبح قاتلا قاتما، وتحولت ثلوجه البيضاء إلى سوداء لمشردي حروب أزهقت أرواح العشرات من الأطفال وأذاقت الآلاف زمهرير البرد القارس.
أكثر من 7 ملايين طفل سوري في مخيمات اللجوء وآلاف غيرهم في غزة دون ابسط مقومات الحياة وفق آخر إحصائية لمنظمة «اليونسيف»، بالرغم من وقفة عربية كبرى إلا أنها لم تستطع تدارك إلا نسبة يسيرة من احتياجاتهم، فضلا عن بعض الفتات الذي تقدمه المنظمات الدولية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
تزامنا مع العاصفة نُفذ اعتداء في باريس على مجلة انتقاما لسخريتها من النبي محمد (صل الله عليه وسلم)، لنرى ازدواجية المعايير الغربية، فقد أقام الغرب الدنيا ولم يقعدها وصور إعلامه ما حدث على انه حرب كونية تستهدف القضاء عليه، فشن لذلك حملة دعائية لا مثيل لها؛ بالرغم من الاعتداء المشين والمدان جملة وتفصيلا، مع العلم أن ما حدث لا يضاهي مئات القتلى الذين يسقطون يوميا في بلاد الرافدين والشام، بأيدي إرهاب شارك الغرب بشكل أو بآخر بإنتاجه وكان ذلك على حساب شلال من دماء الأبرياء، أو بفعل ضحايا كوارث طبيعية يتحمل العالم مأساتها.
والسؤال الذي يتردد دائما، ألا يستحق العشرات من ضحايا الجوع والبرد في مخيمات اللجوء في تركيا ولبنان والأردن وغزة وغيرها، تعاطفا كالذي كان مع فرنسا؟، لماذا تقف الدول الغربية تتوعد وتهدد وتعلن دعمها الكامل لفرنسا في مقابل تنكرها لآلاف الضحايا في دول أخرى، أم انه منطق التعاطف مع الأقوى؟ ربما لسان حال المهجرين يكاد يقول للغرب لا نريد تعاطفا بقدر ما نحتاج من وقف للمؤمرات، وعدم الكيل بمكيالين والنظر بعين لا ترى إلا الضحايا وتشارك بتقديم المساعدة بنوايا صادقة.

علي قباجة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية