تعز ـ «القدس العربي»: «صنعاء حَوَت كل فن» بهذه العبارة القصيرة تختزل مدينة صنعاء القديمة، الغنية بموروثها التاريخي والحضاري، وبعمارتها الفريدة وبأسواقها التقليدية الضاربة في أعماق التاريخ، والتي ما زالت معاشة حتى اليوم، ويصفها الخبراء في صناعة السياحة بـ«المتحف المفتوح» وتعد من أهم المدن التراثية اليمنية المدرجة في قائمة التراث العالمي لدى منظمة «يونسكو» التابعة للأمم المتحدة، غير أن الحرب الراهنة تهدد بقائها وشوّهت جمالها المعماري شعارات الحوثيين المنتشرة في واجهاتها الرئيسية.
الدخول إلى مدينة صنعاء القديمة يمر عبر البوابة العتيقة «باب اليمن» والتي تفصل بين تاريخين: القديم والحديث، حيث يشعر الذي يتجاوز عتبة باب اليمن، بأنه ينتقل من حياة اليوم الحديثة إلى عهود غابرة مفعمة بالتاريخ والحضارة، عهود عبدالملك بن مروان وهارون الرشيد، يشعر بالانتقال الكامل إلى تلك العصور بكل تفاصيل الحياة القديمة، بأسواقها وأزقّتها ودكاكينها وشخوصها العمرانية والبشرية.
وتعد هذه الشخوص الحيّة أبرز ما يميّز صنعاء القديمة عن غيرها من الكثير من المدن القديمة في الدول الأخرى التي لم يبق منها سوى الأطلال أو بعض المباني التراثية، بينما صنعاء القديمة ما زالت حيّة قائمة بكل مفردات الحياة فيها، حيث بيوتها ما زالت عامرة بسكانها، وأسواقها تمارس التجارة اليومية بشكلها التقليدي، والأهم من ذلك كله أزياء سكانها، حيث ما زالوا يحافظون على ارتداء الزي التقليدي التراثي وهو ما يعد مكملا لشكل المدينة التاريخي.
وصنعاء القديمة هي واحدة من المدن العتيقة المأهولة بالسكان بشكل مستمر، منذ القرن الخامس قبل الميلاد على الأقل، والتي يتردد تاريخيا أن مؤسسها الأول سام بن نوح، وانه كان يطلق عليها قديما مدينة سام، وكانت عاصمة مؤقتة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد بعد استعادة قبيلة همدان للعرش السبئي من الحميريين وجاء ذكرها في نصوص المسند بصيغة صنعو وهي مشتقة من كلمة مصنعة، وتعني حصن في العربية الجنوبية القديمة، وتحولت في القرنين السابع والثامن الميلادي إلى مركز هام لنشر الإسلام، وخلّفت تراث ديني وسياسي يتجلى في 106 مساجد و21 حماماً و6500 منزل تعود بعضها إلى ما قبل القرن الحادي عشر، وهي مساكن بأبراج متعددة الطبقات مبنية من مادة الآجر القديمة المحروقة والتي خلقت لها تميزا معماريا ومنظرا جماليا.
وتتميز صنعاء القديمة بطراز معمارها القديم الفريد من نوعه، الغني بزخارفه المميزة، بأشكال ونسب مختلفة، وتمتلك تراثا معماريا ثريا يشمل البيوت السكنية والأسوار والمساجد والسماسر (الفنادق القديمة) والحمامات والأسواق والمعاصر والمدارس إلا أنه لا يعرف بالضبط متى نشأ هذا الطراز المعماري المتأثر بالطراز الحميري القديم.
ومع مرور الزمن أطلق على هذه المدينة تسمية صنعاء نظرا لشهرتها بصناعة أجود أنواع المنتجات القماشية والحديدية، حيث كانت تشتهر بصناعة البرد اليمانية وأيضا السيوف اليمانية، والتي كانت تعد من أجود المنتجات في منطقة الحجاز، وما زالت الحرف اليدوية تمارس فيها حتى اليوم، ولكن تغيّرت المنتجات مع تغيّر الاحتياجات، ومن أبرز ما هو قائم حتى اليوم صناعة العقيق اليماني وصناعة الجنابي الخناجر التقليدية والنصال.
مدينة الأبواب التسعة
صنعاء القديمة كانت مدينة مسورة بسور ضخم مبني من الياجور الطيني، يحيط بها من كافة الجوانب وما زال أغلبه شاخصا حتى اليوم، وكان لها تسعة أبواب، أربعة منها رئيسية وخمسة أخرى ثانوية، حيث لا يستطيع الزائر للمدينة الولوج إليها إلا عبر أحد هذه البوابات ولم يبق منها قائما شكلا ووظيفة حتى اليوم إلا بوابة باب اليمن، الذي يعد الوجه الرئيسي لصنعاء القديمة، فيما اندثرت بقية البوابات كشكل معماري واحتفظت باسمها في كافة الاتجاهات.
وذكر المؤرخون أنه كان لصنعاء القديمة سور منيع يحيط بها من الجهات الأربع ولهذا السور تسعة أبواب، أربعة منها رئيسية هي باب اليمن، وهو أكبرهم وأشهرهم ماضيا وحاضرا، وقد عُرف هذا الباب بأسماء أخرى أيضا مثل باب عدن، باب غمدان، وباب الحرية. والأبواب الرئيسية الأخرى باب شعوب وما زال يطلق حتى اليوم على حي باب شعوب، وباب ستران شرقا وعُرف أيضا باسم باب القصر، وكذا باب السّبَح غربا، وتسميته تطلق على الحي الذي كان قائما فيه.
أما الأبواب الخمسة الثانوية فهي باب خزيمة وهو باتجاه الجنوب يؤدي إلى مقبرة خزيمة، وباب الشقاديف وهو باتجاه الشمال ويعُرف أيضاً باسم باب الحديد، وباب البلقة، وهو باتجاه الجنوب وهو جزء من منطقة قاع اليهود، وهو الحي الذي كان يقطنه اليهود اليمنيون حتى مغادرتهم العاصمة صنعاء، ضمن عملية بساط الريح التي تمت في العام 1948 لترحيلهم إلى إسرائيل. والباب الرابع باب الروم وهو باتجاه الشمال الغربي، والخامس هو باب القاع وهو الباب الآخر لسور منطقة قاع اليهود، وهذا الحي يحتفظ باسمه حتى اليوم حي القاع.
مدينة الـ45 سوقا شعبية
تعد مدينة صنعاء القديمة من أغنى المدن التراثية بالأسواق الشعبية، حيث كان سوقها من أسواق العرب القديمة الذي يؤم إليه التجار من مناطق وبلدان عديدة، ونظراً لازدهار التجارة والتبادل التجاري النشط المتنوع فيها تنوعت أسواق صنعاء لكونها مركزاً لما حولها من القرى والمدن اليمنية وتنوعت تسمياتها ونشاطها التجاري بحسب السلع والبضائع والصناعات التي تباع فيها، وكان عدد أسواق صنعاء في الماضي يصل إلى 45 سوقاً ولا يزال أغلبها قائما حتى اليوم، ومن أشهرهم على الإطلاق سوق الملح الذي أصبح يطلق على مجموع اسواق صنعاء القديمة، نظرا لأنه يعد من أقدمها، وعرف بهذا الاسم لاشتهاره ببيع للتوابل والبهارات، غير ان المؤرخ محمد أبو الحسن الهمداني أورد في كتابه «الإكليل» سببا آخر لهذه التسمية، حيث قال ان أصل تسمية هذا السوق المُلَح (بضم الميم وفتح اللام) أي انه سوق كل ما هو جميل ومليح وصحّفت تسميه مع مرور الزمن حتى أصبحت سوق المِلح بكسر الميم.
والتعدد الكبير في أسواق صنعاء القديمة راجع إلى تخصصها في بيع البضائع، حيث تعد كل منها متخصصة في منتج وبضاعة محددة، ومن بين هذه الأسواق سوق المسباغة، سوق المحدادة، سوق الحلقة، سوق المنجارة، سوق المنقالة، سوق المشغولات اليدوية، سوق العنب، سوق الكوافي، سوق المدايع، سوق الجص، سوق البز (القماش) وسوق المعطارة، سوق المخلاص (الفضة)، سوق الحبوب، سوق الزبيب، سوق النظارة، سوق المدر (الأواني الفخارية)، سوق البقر،
سوق الحناء، سوق ركن الزبيب، سوق السراجين، سوق النحاس، سوق العسوب، سوق الصرافة، سوق الجنابي، سوق المعدن، سوق الجبانة، سوق الحطب، سوق الكبوس، سوق عقيل، سوق القشر، سوق الملح، سوق البهارات، سوق باب اليمن، سوق باب السلام، سوق الزمر، سوق باب شعوب، سوق باب السباح، سوق الذهب وسوق الطعام، ولا زال أغلب هذه الأسواق قائمة وتمارس نشاطها التجاري حتى اليوم.
مدينة التراث العالمي
وكانت منظمة «يونسكو» التابعة للأمم المتحدة، أدرجت مدينة صنعاء القديمة والعديد من منازلها في قائمة التراث العالمي في عام 1986، ولكنها أعلنت في تموز (يوليو) 2015 ان مدينة صنعاء القديمة المدرجة في قائمة التراث العالمي أصبحت مهددة بالخطر، نتيجة الصراع المسلح في اليمن.
وأرجعت يونسكو أسباب ذلك إلى تعرض مدينة صنعاء القديمة إلى أضرار جسيمة جراء المواجهات المسلحة التي تشهدها البلاد، حيث تعرض حي القاسمي المجاور لقناة السائلة، إلى خراب كبير، كما لحقت الأضرار بجامع المهدي الذي يعود بنائه إلى القرن الثاني عشر وبعدد من المنازل المجاورة له.
وأوضحت أن مدينة صنعاء مأهولة بالسكان منذ أكثر من 2500 سنة، وكانت مركزا رئيسيا لنشر الإسلام في القرنين السابع و الثامن، ويتجلى تراثها الديني والسياسي في عمارة 103 مساجد و14 حماما وأكثر من 600 منزل، بنيت جميعها قبل القرن الحادي عشر. وعلى الرغم من القيمة التاريخية والتراثية لمدينة صنعاء القديمة ولتراثها المعماري العريق، الا أنها تعرضت للتشويه والتلوث البصري جراء انتشار شعارات جماعة الحوثي بشكل عبثي في واجهة باب اليمن وفي العديد من الواجهات والأحياء السكنية والأسواق الرئيسية فيها، كما قامت جماعة الحوثي في شباط (فبراير) 2021 بتدمير جامع النهرين التاريخي، وتسويته بالأرض، رغم أنه يعد واحداً من أقدم المساجد الأثرية والتاريخية في مدينة صنعاء القديمة.