الكلام المباح في حوار بين : أم الدنيا وأبيها

حجم الخط
1

لقد تفاجأ الجميع بتحول جذري في موقف الصحافة الرسمية المغربية حول ما وقع في مصر قبل ما يقرب من عامين مضت حين بثت القناتان الأولى والثانية للتلفزيون المغربي تقريرين إخباريين مفصلين طغت عليهما لهجة ساخنة غير مألوفة لدى المشاهدين منذ وقوع احداث الـ 30/06/2013 . فلأول مرة منذ ذلك التاريخ وكذا ما تبعها من تداعيات وتحولات ، طربت اذان المشاهدين وهم ينظرون الى صور القوات المسلحة المصرية وهي تقمع المواطنين المصريين الغاضبين من الإنقلاب العسكري الذي قاده السيسي واطاح بالرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي…
فقد كان يكفي لسماع هذا ليعلم الجميع ان النظام في الرباط غاضب جدا من النظام في مصر . وبدأ التساؤل يفرض نفسه عند العديد من الناس وعلى كل المستويات. فرح البعض بما حدث ، وغضب آخرون وراح آخرون يحللون ويفترضون . في هذا الوقت كان اهل الحل والعقد صامتdن اقسموا الا يتفوهوا ولو بالقليل مما يعلمون . وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح.
اما وقد عادت المياه الى مجاريها والحالة الى ماكانت عليه ووقانا الله جميعا شر القتال. وقطع الطريق على الذين ارادوا الوقيعة بين قائدي البلدين الشقيقين والشعبين العظيمين، فتعالوا ننظر فيما حدث وكيف حدث ولماذا حدث اصلا ومن هو الذي استفاد من هذا كله. فماذا حدث يا ترى؟ للجواب على هذا السؤال يقول المغاربة إن المصريين قد أساؤوا الأدب معنا وصبرنا عليهم ولم نرد بالمثل. لقد قالوا إن بناتنا عاهرات يمتهن الدعارة وان نساءنا كاهنات يتعاطين السحر، وقالوا إن اقتصاد المغرب يعتمد على الدعارة وهي المصدر الرئيسي للدخل في البلاد.
ثم ماذا أيضا ؟ أيكفي هذا ليحدث ما حدث؟ لا ، بل ان هناك أشياء أخرى أكثر حساسية وخطورة. فقد اعتدوا على قضيتنا المقدسة ومسوا وحدة البلاد الترابية ،فذهب الفنانون والمثقفون والتقوا مع اعدائنا الإنفصاليين في تندوف . وهذا لا يمكن السكوت عنه ومع ذاك صبرنا ول نقل شيئا ولم نرد. اعترف ان هذه الخطوة فعلا فيها مغامرة من المصريين.
لكن اهذا يكفي لاشتعال ازمة بين حليفين تقليديين منذ عقود؟ لا، لكن ليتها توقفت عند هذا الحد. إنهم تجاوزا كل الخطوط وتعرضوا بالسوء لذات إمارة المؤمنين التي تعتبر مقدسة بنص الدستور المغربي وتدخلوا فيما لا يعنيهم وبهذا ارادوا الوقيعة بين الملك ورعيته وتقويض الأمن والاستقرار اللذين تنعمان بهما المملكة. وهذا كفيل لوحده بإشعال حرب ضروس بيننا وبينهم.
وكيف حدث؟ يقول المصريون ان مصر تشهد بعد ثورة يونيو/حزيران قفزة نوعية في مجالات عدة من بينها الإعلام الذي اصبح مثالا يحتذى به في باقي الدول العربية. فما كان من الفضائيات المصرية إلا ان استغلت حريتها في التعبير بكل حرية ومصداقية لكي تقدم لمشاهديها برامج من كل الأصناف والأذواق ويبقى هو حرا فيما سوف يختاره. فاختارالمشاهد الأطباق المغربية وكلما قدمنا له طبقا استزادنا لنزيده وهكذا حتى انتهى بنا الامر عند الطبق الملكي الذي قدمناه ولم نحسب حسابه فحدث الذي حدث. فوالله ثلاثا ما قصدنا ابدا .
وبعد بث الثلفزيون المغربي لمادته الإخبارية ، قال وزير الإتصال الناطق باسم الحكومة إنه لا يتدخل في السياسة التحريرية للقناتين. لكن احدا لم يصدقه واعتبرالجواب تهربا من قول الحقيقة . بل ان المعارضة اتهمت الحزب الذي يقود الحكومة بتقديم مصالحه الحزبية على المصلحة الوطنية في اشارة الى مساندة الحزب الإسلامي لأ صدقائه في جماعة الإخوان المسلمين. خرج رئيس الحكومة فنفى اي علاقة له بالموضوع قائلا ان السياسة الخارجية في يد الملك. حينها سكت الجميع في المغرب وبدأ الجميع في مصر يتكلم. فظهر اعلاميو المناخ والطقس يسردون الحكايات وينسجون الأساطير حول العلاقة الأسطورية بين البلدين. وبدأت الآلة الدبلوماسية في الإشتغال وزار وزير الخارجة المصري المغرب واستقبله الملك الذي تسلم منه رسالة من اخيه الرئيس.ثم اعلن الوزير المصري ان السيادة المغربية على الصحراء امرا لا يقبل النقاش ….
وبعيدا عن الفكاهة فإن ما وقع خلال الأيام الماضية يكشف بوضوح منطق العلاقات التي تربط بين الأنظمة العربية وواقعها الذي ازداد بؤسا وانحطاطا فاق ما كان عليه قبل انطلاقة الربيع العربي . فقد اصبحت هذه الأنظمة هشة تكاد تسقط من تلقاء نفسها. فقد يكفي صدور مقال صحافي هنا او انتقاد من دولة هناك ليحدث زلزالا تحت قدمي هذا الرئيس او ذاك الأمير او هذا الملك. بل إن اغلب الأنظمة الآن قد تزول نتيجة تقرير يصدره رجل بسيط من رجال المخابرات الغربية. فيكفي ان يخرج تقرير يتحدث عن الرئيس الذي قاد انقلابا حتى تنقلب الدفة عليه، او تقرير يقول ان هذا الملك يمول التنظيمات الإرهابية ، فيتهاوى للسقوط، لا يوجد اليوم حاكم عربي واحد من الشرق الى الغرب يملك امر بقائه على رأس النظام دون ان يسنده هذا او ذاك. لقد شوه الحاكم العربي صورة االدكتاتور المستبد الذي لا يخشى احدا حين اضحى حملا وديعا يستجدي الشرعية من الخارج ويدوس بالدبابات على شرعية الشعب، يعلن الولاء المطلق للغرب ويخلع من عنقه ولاءه للوطن نام شهريار فتوقفت شهرزاد عن الحديث المباح، لكن حديثنا لم ينته بعد.

محمد الدراعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية