تبقى مآلات التحرك الفلسطيني باتجاه إعادة تدويل ملف القضية الفلسطينية رهنا بعدة اعتبارات .نناقش هنا ثلاثة منها تبدأ بمراجعة جادة وعميقة لمسيرة عشرين عاما ونيف من المراهنة على مرحلة أوسلو البائدة، وعلى أوهام التسوية مع الكيان الصهيوني، في ظل موازين قوى غير مواتية، ولا تنتهي بتأطيرهذا التحرك ضمن برنامج وطني مقاوم يقطع مع عقلية ردات الفعل والتفرد في صنع القرار الفلسطيني، مرورا بضرورة إعادة ترتيب أوضاع البيت الفلسطيني من الداخل، من خلال إعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنـــية الفلســــطينية وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية ولجنتـــها التنفيذية والمجلس الوطني الفلسطيني ومؤسسات المجتــمع المدني الفلسطيني. هذه الاعتـــبارات الرئيســـية الثــلاثة لا تقوم على عوامل نرجسية غارقة بذاتيتها بقدر ما باتت تشكله من ضرورات موضوعية لها مبررات وحوامل لا تخطؤها عين.
إن قراءة سريعة لمسيرة أوسلو تظهر بونا شاسعا من الفرق بين ما كانت عليه خريطة الأحزاب والقوى السياسية الاسرائيلية عشية توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، وبين ما آلت إليه بعد أكثر من عشرين عاما، مما بدا محاولات ومفاوضات فاشلة لتطبيق بنودها، فاضمحلت أحزاب وتكتلات وأفل نجم بعضها وتراجع بعضها الآخر، وظهرت مكانها أخرى القاسم المشترك الأعظم بينها توج أخيرا بظهور ملامح جديدة تضاف إلى ما سبقها من ملامح الطبيعة العنصرية للكيان من خلال مشروع قومية الدولة اليهودية، وانعكسات ذلك على حاضر ومستقبل القضية الفلسطينية من منظورها الاسرائيلي، الذي ينذر بمزيد من الانتكاسات في الخريطة الديمغرافية والجغرافية على الجانب الفلسطيني، ما يعني أن تلك المسيرة لم تؤد إلا إلى تعزيز مواقع ووحدة القوى اليمينية الإسرائيلية الأكثر تطرفا وتصدرها المشهد السياسي في الدولة العبرية، وإلى مزيد من الوهن والتشرذم في خريطة القوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية، فضلا عن تخلي المحيط الاقليمي العربي، بجانبه الرسمي على أقل تقدير، عن شعار مركزية القضية الفلسطينية.
لكن ما تكسر على صخرة التعنت الإسرائيلي والإمعان في العدوان والحصار وشن الحروب ومصادرة وضم مزيد من الأراضي الفلسطينية بالتزامن مع بناء مزيد من الوحدات الاستيطانية الاسرائيلية على أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بدأت بوادر إعادة بنائه تلوح على الساحة الدولية، مـــن خلال عـــدة محطات ربما أهمها، الاعتراف الأممي بدولة فلسطين عضــــوا مراقبا في الأمم المتحدة، وتصويت ثماني دول أعضاء في مجلس الأمن، بما فيها فرنسا لصالح مشروع القرار الفلسطيني- العربي، لوضع سقف زمني للاحتلال، فضلا عن موجة الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين، ما يعني أن ثمة مزاجا أمميا جديدا يميل إلى الانفلات من عقــــال عمليــــة أوسلو، وإلى تكذيب الرواية الاسرائيلية حول أسباب فشـــلها، وبالتـــالي إلى البحث عن أطر سياسية أخرى جديدة، غالبا ما ستكون أممية، لمعالجة الصراع العربي الاسرائيلي وانسداد أفق أي حل له على قاعدة المفاوضات الثنائية برعاية أمريكية.
إن إعادة تدوير الدم في عروق التحرك الفلسطيني على المستوى الأممي، لن تؤتي أكلها بدون وضع عنوان سياسي عريض لها ضمن برنامج وطني فلسطيني عملي عام واضح المعالم، ينأى بنفسه عن تكتيكات يريد البعض توظيفها في ترسيخ ثنائية الحل وفردية صنع القرار، ويفسح المجال أمام الالتفات إلى مكامن القوة في واقع الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، والانفتاح على حلفائه وأصدقائه على المستويين العربي والعالمي، بحيث تقضي الضرورة، على سبيل المثال، إلى مد جسور الثقة والحوار على قاعدة الثبات مع تلك القوى والدول المؤيدة للقضية الفلسطينية، وفتح قنوات حوار مع نظيراتها المترددة في حسم موقفها لصالح شعب منكوب، وقبل هذه وتلك، السعي حثيثا لفتح قنوات اتصال مع القوى والدول المؤيدة للدولة العبرية، فمن كان يصدق أن دولة قصية مثل رواندا يمكن أن تقف عقبة كأداء أمام استصدار قرار من مجلس الأمن يعيد القضية الفلسطينية إلى مربعها الأممي، ويضع سقفا زمنيا لانهاء الاحتلال.
أما الاعتبار الثالث والأهم المتعلق بإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، فلا ينطلق من إعادة الاعتبار لأسس النظام السياسي الفلسطيني (منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني، ومنظمات المجتمع المدني)، الذي مكن من إبقاء القضية تنبض بالحياة حتى هذه اللحظة فحسب، بل من تفعيله وتجديده أيضا على قاعدة أن وجود السلطة الفلسطينية في رام الله لا يشكل إلا جزءا من الكيان السياسي الفلسطيني وليس العكس، بحيث يصار إلى إعادة إيقاف الجسد الفلسطيني على قدميه بعد أن ظل واقفا مقلوبا على رأسه طوال سنوات متاهة أوسلو المظلمة، وعلى قاعد توسيع نطاق تمثيل كافة القوى السياسية الفلسطينية في هذا النظام، بعد إغلاق ملف الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني طبعا، وقطع الأيادي التي تحاول جر الفلسطينيين إلى صراعات عربية – عربية غريبة عن قضيتهم وعن ثقافــــتهم الســـياسية، لا سيما وأنهم خاضوا تجربة مريرة على مســـتوى العلاقات العربية كادت غير مرة أن تودي بقضيتهم إلى التهلكة.
ثمة ثلاثة اطارات تتداخل مشكلة المنظومة السياسية الفلسطينية، التي تقود وتحرك القضية الفلسطينية في الوقت الراهن، وهي الإطار الرسمي وتمثله السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة التحرير الوطني فتح، كونها جميعا تعمل تحت قيادة واحدة، والإطار الكفاحي أو حركة التحرر الفلسطينية ممثلة بأجنحة في حركة فتح نفسها وفصائل الثورة الفلسطينية الأخرى وعلى رأسها الجبهتان الشعبـــية والديمقراطية، التي لم توقع على تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، والحركة الاسلامية الفلسطينية ممثــــلة بحركتي حماس والجهاد، جميعها تتداخل مشكلة النظام السياسي الفلسطيني، بحيث لا يمكن إقصــــاء أي منها ساعة النظر إلى القضية الفلسطينية، كونها قضـــية وطنية تمر في حالة ركود واستعصاء لن تجليها بالكامل اتفاقيـــة الشاطئ الأخـــيرة، ولا غيرها من التفاهمات الفسلطينية- الفلسطينية المستقبلية، لا لشيء إلا لأن منطق العمل الجبهوي لا يزال غائبــا عن الصيغ السياسية والتنظيمية والادارية، التي من شأنها أن توجه وتحكم العلاقات ما بين تلك الاطارات الثلاثة بأجنداتها وبرامجها السياسية المتباينة بشكل واضح.
السلطة الفلسطينية التي هضمت منظمة التحرير الفلسطينية، وقعت اتفاقية اوسلو واختارت طريق التسوية حلا للقضية الفلسطينية، مستبعدة أشكال الكفاح الأخرى وأولها الكفاح المسلح، وما كان ترددها في إحالة جرائم العدوان الصهيوني المتواصل على الشعب الفلسطيني الى محكمة الجنايات الدولية سوى انعكاس لموقفها الأشمل القائم على ثنائية الحل وعدم إعادة ملف القضية الفلسطينية الى الحاضنة الدولية، وإبقائها ضمن صيغة اسرائيل المفضلة والمتمثلة في انجازها التاريخي، عندما تمكنت من فرض ثنائية المفاوضات والتسوية، بينــــما لا تزال الحركات الاسلامية وعدد من الفصائل الأخرى تحتفظ ببرامجها الخاصة التي ترفض الاعتراف بدولة الاحتلال وبمخرجات التسوية جزئيا أو كليا، ولا تزال تعتمد جميع وسائل الكفاح ضد الاحتلال، بما في ذلك الكفاح المسلح، فضلا عن أن بعضها لا يزال يطالب بتحرير فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر.
وبما أن خريطة الخلافات والاختلافات البينية الفلسطينية لن تزول بجرة قلم، وهذا أمر طبيعي، فإن منطق الأشياء يقول إنها يجب أن تضاف إلى القائمة الطويلة لمكامن القوة الفلسطينية الطويلة، عوضا عن أن تبقى مشكلة عقبات كأداء أمام ولوج حقوق الشعب الفلسطيني حيز التنفيذ واستنباط الوسائل المناسبة لتحرير أرضه وتقرير مصيره وبناء دولته المستقلة على ترابه الوطني، ولنا في تجربة الخلافات والاختلافات الاسرائيلية- الاسرائيلية مثلا.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة