أرشيف
نابلس- “القدس العربي”:
لم يكن أحد يتوقع أن يضاف اسم “برقة” إلى قائمة طويلة من البلدات والقرى الفلسطينية التي تخوض نضالا شعبيا يوميا ضد المد الاستيطاني الذي أخذ يتضاعف ويصبح منظما أكثر من أي فترة ماضية في عموم مناطق الضفة الغربية.
وبعد أكثر من أسبوعين على العملية التي نفذها شابان من بلدة السيلة الحارثية غرب مدينة جنين على مدخل مستوطنة “حومش” المخلاة ونتج عنها مقتل مستوطن وإصابة اثنين بجروح طفيفة، تستمر البلدة مسرحا للمواجهات اليومية بين المستوطنين وقوات الاحتلال التي تؤمن المكان لاعتداءاتهم.
العملية التي غيرت المنطقة الهادئة منذ سنوات دفعت بجنون المستوطنين إلى أن يعلن عن نفسه بشكل لم يسبق له مثيل، مسيرات حاشدة ومنظمة يشارك فيها آلاف المستوطنين المتعصبين وهجمات جماعية على بلدة “برقة” التي تقع قرب الشارع الرئيسي الواصل بين مدينتي نابلس وجنين، ويسكنها قرابة 4500 نسمة.
لكن في مقابل ذلك عملت الأحداث الأخيرة على أن تصبح هذه القرية رأس حربة في مواجهة المشروع الاستيطاني وهي إذ تفعل ذلك تستعيد روحها النضالية المستمدة من تاريخ طويل من التضحيات.
شادي أبو عمر، أمين سر حركة فتح في بلدة برقة الذي كان يقف إلى جانب المتظاهرين على مدخل بوابة البلدة مساء السبت يقول: “في برقة نورث النضال، هذه بلدة ذات تاريخ نضالي ممتد منذ ثورة عام 1936 وحتى اليوم”.
ورغم أن يد أبو عمر مكسورة بفعل اعتداء المستوطنين عليه قبل أكثر من شهر ونصف عندما كان يقوم برفقة مجموعة من شبان البلدة بزراعة أشجار في المستوطنة المخلاة كنوع من التأكيد على أن الأرض ملك سكان البلدة إلا أنه يصر على الحضور والمشاركة وتنظيم الشبان الذين تجمعوا وقضوا مساء أول يوم من العام الجديد في قذف الحجارة على الجنود الذين يتمركزون على مدخل البلدة الرئيسي.
ورغم البرد الشديد إلا أن مئات الشبان الملثمين انطلقوا في شوارع البلدة وأزقتها تلبية لنداءات قوى وفصائل وطنية للدفاع عنها والوقوف في وجه المستوطنين.
وأوقعت قوات الاحتلال 5 إصابات بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، و92 إصابة بالاختناق ومواطنين بحروق، و3 بكسور خلال مواجهات مع الاحتلال على مدخل بلدة برقة شمال غرب نابلس بحسب الهلال الأحمر الفلسطيني.
وما لا يدركه المستوطنون المتطرفون الذين رغبوا بانتزاع اعتراف الحكومة الإسرائيلية اليمينية بالمستوطنة والمدرسة الدينية التي تحمل اسم “شوماس” بعد مقتل أحدهم، هو أن أعمالهم الإرهابية سرعت بانخراط جماعي في جهود المقاومة الشعبية في البلدة والبلدات المحيطة.
ويطلق المستوطنون دعوات لمسيرات شبه يومية باتجاه موقع مستوطنة “حومش” المخلاة (جبل القبيبات بحسب التسمية المحلية)، فيما لا يكون أمام الأهالي إلا استثارة الحالة النضالية في البلدة التي يتم التعبير عنها بخروج جماعي من الأهالي للتصدي لهم.
وبحسب أمين سر حركة فتح أبو عمر فإن البلدة تمكنت عام 2005 من الحصول على قرار سياسي بإخلاء المستوطنة حيث أخليت ضمن خطة عُرفت باسم “فك الارتباط أحادي الجانب” عام 2005، وتم بموجبها إخلاء جميع مستوطنات قطاع غزة، وأربع مستوطنات صغيرة، في الضفة، بينها “حومش”.
ويتابع أبو عمر أنه في عام 2006 عاد بعض المستوطنين إلى المنطقة، ودخلت البلدة في دوامة الاعتداءات إلى حين حصول الأهالي في عام 2012 على قرار يمنع دخول المستوطنين لقمة الجبل.
ويشدد أن القرار لم يطبق حيث بقي المستوطنون يحضرون للمكان لتستمر اعتداءاتهم على السكان ورغباتهم في تأسيس المدرسة الدينية هناك.
ويضيف: “الثابت لدينا أنه لن نسمح بعودة المستوطنين، برقة عصية على الكسر، المستوطنات هنا وفي كل مكان زائلة، والمقاومة مستمرة حتى رحيل المستوطنين”.
وكانت جماعات من المستوطنين قد كمنت لمجموعة من الشبان ومن بينهم أبو عمر قبل نحو شهر ونصف حيث هاجموهم على قمة الجبل بطريقة منظمة باستخدام الأسلحة النارية وغاز الفلفل والعصي، وهو ما أصاب أبو عمر في رأسه بجرح كبير قام الأطباء بقطبه 35 قطبة.
القيادي في حركة فتح د. عبد الهادي دغلس يقول إنه وفي كل مرحلة من مراحل نضال الشعب الفلسطيني كان لبرقة نصيب من التضحيات، فمنذ عام 1936 وحتى اليوم قدمت البلدة الشهداء والقادة والأسرى.
يبدأ دغلس حديثه منذ عام 1936 حيث قدمت البلدة الصغيرة آنذاك شهيدها عبد الرحيم الحاج محمد رفيق عز الدين القسام.
ويتابع: “في عام 1967 قدمت البلدة أيضا شهداء وأسرى، وفي كل صفقة تبادل بين الاحتلال وفصائل المقاومة الفلسطينية كان لبلدة برقة نصيب من الأسرى المحررين وذلك منذ أيام صفقات محمود العالول أبو جهاد وحتى صفقات حركة حماس”.
ويسرد دغلس قصة حدثت عام 1988 حيث الانتفاضة الأولى، فعندما تجولت سيارة أقلت القائد الإسرائيلي شمعون بيرس في الضفة الغربية من دون أن تتعرض لأي مقاومة، لكنها عندما وصلت بلدة “برقة” نالت نصيبها من حجارة النشطاء، حينها أعلن شباب البلدة والقيادة الموحدة عن قيام “جمهورية برقة” وهو أمر نشر بجريدة القدس الفلسطينية.
وخلال الانتفاضة الأولى بحسب دغلس الذي كان يزور أخاه الأسير فيتذكر أنه عند “شفت الزيارة” المكون من 22 أسيرا كان يحدث أن يكون “الشفت/ الجولة” كلها مكونة من أسرى من بلدة برقة، وهذا مؤشر على عدد الأسرى الذين دخلوا سجون الاحتلال من البلدة.
وعن الانتفاضة الأخيرة (انتفاضة الأقصى الثانية) فيؤكد أن البلدة قدمت مجموعة كبيرة من القادة ومنهم الشهيد خالد سيف، الذي كان قائدا في كتائب الأقصى، والشهيد سليم حجة قائدا في كتائب القسام، وذياب حجة قائدا في كتائب أبو علي مصطفى، وماهر دغلس قائدا في إعداد العبوات الناسفة عند كتائب الأقصى.
ويفتخر دغلس بأن سبب خروج المستوطنين من قمة جبل “القبيبات” قبل 16 عاما كان بفعل ضربات الشبان من برقة.
يؤكد دغلس على أن فتح تقود المقاومة الشعبية في البلدة لكنها أيضا لا تفعل ذلك لوحدها، إنما تعمل على توحيد الجهود كلها، “وهذا أمر مهم نسعى إلى الحفاظ عليه”، ويرى أن المقاومة الشعبية “لن تحصد ثمار تعبها وتضحياتها إلا في حال خرجت موحدة وجمعت تحت رايتها كل القوى والفصائل ومكونات المجتمع الفلسطيني”.
وشدد على أن التحرك الجماعي يوقف المستوطنين، ويضرب مثالا في مسيرة السبت قبل الماضي التي اعترضها تجمع فلسطيني هائل وهو ما منع المستوطنين من إكمال طريقهم نحو قمة الجبل.
وهو نفس الأمر الذي تكرر مساء السبت (أمس) حيث قام الجيش باعتراض حافلات المستوطنين قبل مدخل البلد لكونهم علموا بالحشد الفلسطيني الذي تحضر لمواجهتهم.
ويرى دغلس أن نموذج المقاومة الشعبية في “برقة” يتعلم الدروس، وهو يقوم على مقاومة شعبية ذكية ومنظمة وواعية وهدفها منع المستوطنين بالمرتبة الأولى من الوصول لقمة الجبل، وثانيا توفير حماية للمنازل على أطراف البلدة القريبة من القمة.
ويفتخر دغلس عند حديثه بسمات الشخصية “البرقاوية” كما يصفها، ويؤكد أن تاريخ البلدة النضالي الطويل مغروس ومتجذر في أهلها، حيث الكرم والجود والتضحية وخدمة الوطن، وكل ذلك يتعزز بالثقافة الاجتماعية والنضالية بين الناس التي لن نبالغ إن قلنا إن “الناس ترضعها رضاعة” كما يقال بالعامية.
وترفع المقاومة الشعبية في البلدة شعار “إن عدتم عدنا” وهذا يعني بحسب دغلس أنها تقوم على الندية فكل حشد للمستوطنين يقابله حشد من البلدة والقرى المجاورة، وهي تشكل حالة مؤلمة وربما طويلة من معركة كسر العظم تدور رحاها بين المستوطنين والفلسطينيين وبطلها يكون صاحب النفس الأطول.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه عبد الهادي دغلس مع “القدس العربي” يقوم رفقاء له بالتجهيز للزيارة التي من المتوقع أن تتم بعد ظهر اليوم لوفد من القائمة العربية المشتركة التي ستقوم بزيارة البلدة للتضامن معها ولتوحيد الجهد القانوني في مواجهه العودة للمستوطنة.
ويرى دغلس أن هذا دليل على أن الهم واحد والجهد الفلسطيني يجب أن يكون موحدا في ضوء أن العدو معروف وهو واحد بين شقي الوطن.
ومع كل مخطط للمستوطنين لإقامة مسيرة نحو “قمة حومش” تغلق قوات الاحتلال الإسرائيلي الطريق الرئيسي بين مدينتي جنين ونابلس، كما تغلق قوات الاحتلال البوابة الحديدية المقامة على مدخل بلدة الناقورة، القريبة من مستوطنة “شافي شمرون” والمناطق القريبة وهو ما يعجل بظهور أشكال مقاومة شعبية تعزز من انتفاضة شعبية شاملة.