محكمة القدس: على الكنيسة اليونانية تعويض الصندوق القومي اليهودي

حجم الخط
1

في عالم غريب من العلاقات بين الكنيسة اليونانية والدولة كان يمكن إصدار قرار حكم كالذي صدر الشهر الماضي. فقد ألزمت المحكمة المركزية في القدس، البطريركية اليونانية في القدس بأن تدفع للصندوق القومي (الكيرن كييمت) تعويضاً بمبلغ 13 مليون دولار عن الخدعة التي وقعتا ضحية لها. حسب قرار الحكم الاستثنائي الذي أصدره القاضي موشيه برعام، فإن الأموال ستحول للصندوق القومي استناداً إلى اتفاق لم يوقع عليه أي منهما. فعلياً، وطبقاً للبينات التي عرضت أمام المحكمة يتبين أن الاتفاق على الدفع تم في إطار ما يمكن تسميته صفقة مشكوك فيها بين الدولة والبطريرك، التي فهم في إطارها بأنه إذا رفض الموافقة عليها فلن يحصل على الاعتراف الحكومي الذي هو بحاجة إليه لإشغال وظيفته.

ولفهم تسلسل الأمور الغريب الذي أدى إلى النتيجة الغريبة تلك، يجب العودة إلى العام 2000. ففي حينه، قام ثلاثة من المحتالين بإحدى الخدع الذكية في تاريخ الدولة. قام هؤلاء الثلاثة باستئجار خدمات المحامي يعقوب فنروت، ونجحوا في إقناع “الكيرن كييمت” والدولة بأنهم يستطيعون الحصول على صفقة أحلام، بتمديد عقد الإيجار على أراضي الكنيسة في شرقي القدس، 520 دونماً، التي بني عليها عدد من الأحياء الفاخرة في المدينة على مدى السنين.

“الكيرن كييمت” أودعت بيد المحامي فنروت مبلغ 20 مليون دولار، الذي وصل بمرافقة كاتب عدل وطبيب إلى بيت البطريرك ثيودوروس لأخذ توقيعه على الاتفاق. بعد ذلك، تبين أن الحادثة كانت تمثيلية تم إخراجها من قبل المحتالين الثلاثة. هؤلاء أرادوا من أعضاء البعثة الصعود إلى ثيودوروس، في حين أن البطريرك الذي كان في حينه مريضاً جداً، لم يدرك ما يحدث. زوّر المحتالون توقيع ثيودوروس على صفقة تمديد عقد الإيجار، وأعطاهم فنروت المال.

تنكرت البطريركية للصفة على الفور بعد ذلك. وفي حينه، تمكنت “الكيرن كييمت” من تسجيل ملاحظة تحذير في الطابو حول الأراضي. تلك الملاحظة قيدت قدرة الكنيسة على بيع أراضيها. وبعد أن تبين بأن “الكيرن كييمت” والبطريركية وقعتا ضحية لجريمة محبوكة، قدمت الدولة لوائح اتهام ضد المحتالين، وتمت إدانتهم وإرسالهم إلى السجن، ورفضت “الكيرن كييمت” إلغاء ملاحظة التحذير. قدمت البطريركية دعوى لإلغاء الملاحظة، وأجرى الطرفان مفاوضات للمصالحة. جرت الاتصالات ببطء إلى أن تم انتخاب بطريرك جديد في 2005، هو ثيوفيلوس الثالث، الذي احتاج إلى اعتراف الدولة. من ناحية، “الكيرن كييمت” هذه كانت فرصة لاستخدام ضغط على الكنيسة وإجبارها على أن تدفع لـ”الكيرن كييمت” تعويضاً عن المبلغ الذي دفعته للمحتالين.

ولإدراك الوضع، يجب أن ندرك مكانة البطريرك اليوناني في القدس؛ فالبطريرك هو رئيس الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية في إسرائيل وفي دول أخرى في المنطقة. والحديث يدور عن وظيفة لها قوة كبيرة؛ فهو يقف على رأس طائفة كبيرة، وهو صاحب أجزاء كبيرة من كنيسة القيامة ومواقع مقدسة أخرى، مثل أراض وعقارات كثيرة أخرى في أرجاء البلاد. مع ذلك، ومن أجل أن يستطيع البطريرك إشغال وظيفته، يحتاج إلى الحصول على اعتراف رسمي من حكومة إسرائيل. تم تعيين ثيوفيلوس في هذا المنصب من قبل مجلس المجمع المقدس في 2005، بعد عزل سلفه ارينوس عقب صفقة لبيع مباني البطريركية في البلدة القديمة لجمعية “عطيرت كوهانيم”. ولكن رغم التعيين، إلا أن الحكومة تباطأت في إعطاء الاعتراف. في هذا الوضع، عرف ثيوفيلوس أن الاقتراح الذي عُرض عليه بتعويض “الكيرن كييمت” نوع من الاقتراحات التي لا يمكن رفضها.

في كانون الأول 2007 اجتمع عدد من الأشخاص المميزين في مكتب فنروت، من بينهم قاضيان متقاعدين من المحكمة العليا، وهما: ابراهام دفدفاني، الذي كان في حينه شخصية رفيعة في الصندوق القومي وهو الآن رئيس الصندوق، والبطريرك ثيوفيلوس، وهناك محامون آخرون. حمل اللقاء طابعاً احتفالياً. في البداية، تم توزيع نسخة من اتفاق على الحضور تلتزم فيه البطريركية بدفع 13 مليون دولار مقابل إلغاء ملاحظة التحذير. “اتفق الطرفان على بذل كل جهد ممكن لتسوية الخلافات عن طريق المصالحة”، كتب في مقدمة الاتفاق. بعد ذلك، كتب بأنه “على الفور، بعد تسلم كتاب الاعتراف من قبل حكومة إسرائيل باختيار ثيوفيلوس بطريرك، تقوم البطريركية بإبلاغ الصندوق القومي ويصبح ثيوفيلوس هو المسؤول عن الحصول على مصادقة المجمع المقدس على الاتفاق”. أحد الحضور قرأ بنود الاتفاق، ولكن لم يوقع عليه أحد. ولم يوقع على محضر اللقاء سوى القاضيين اللذين استدعاهما فنروت.

يبدو أنه لم يكن من السهل على الطرفين التركيز على المفاوضات وعلى حفل قراءة الاتفاق. وبحضور القضاة، تم الضغط على ثيوفيلوس للحصول على الاعتراف. ولكن الشعور بوجود علاقة بين التعيين المرتقب للبطريرك وبين الاتفاق إنما يظهر في الشهادات وفي محاضر النقاشات داخل المحكمة. على سبيل المثال، المحامي الحناني الذي مثل الصندوق القومي في حفل القراءة، شهد: “لنقل التالي، البطريرك لم يقل ذلك، ولكننا وبصورة معقولة، اعتقدنا أن البطريرك يتحدث عن تنظيف الطاولة في العلاقات مع الدولة، ويريد تسوية العلاقات، وأن كل شيء سيكون على ما يرام، هو في هذا الشأن يرى أيضاً فائدة للدفع بتعيينه… أردنا الحفاظ على هذه الدافعية”.

بعد ذلك، جند الصندوق القومي الوزير السابق رافي ايتان، الذي كان يشغل في حينه منصب رئيس اللجنة الوزارية لشؤون القدس ورئيس اللجنة التي ناقشت موضوع اعتراف الحكومة بثيوفيلوس. وكانت مهمة ايتان التأكد من أن البطريرك لا يتنكر للاتفاق. “رافي ايتان هو الذي يمكنه تهدئة البطريرك والقول له: اسمع، هذا موضوع يتعلق بأيام… أنهينا ذلك”، قال دفدفاني في المحكمة. في كانون الأول من السنة نفسها، حصل ثيوفيلوس على اعتراف الدولة. وفور ذلك، تجدد الضغط عليه للتوقيع على الاتفاق. رفض التوقيع في الأشهر التالية بذرائع كثيرة، وفي النهاية نفى أصلاً أنه تم التوصل إلى اتفاق.

لم يتطرق القاضي برعام في قراره إلى مسألة الابتزاز كما يبدو. روكز قرار الحكم على قوانين الاتفاقات، وقال إن قرار البطريركية عدم التوقيع على الاتفاق كان بمثابة انسحاب غير نزيه من المفاوضات. وافق القاضي على موقف محامي “الكيرن كييمت” (عاموس غورن وروعي ديلح وعيدن بوليتي) الذي القائل بأن المفاوضات بين الطرفين “تجاوزت نقطة اللاعودة”، وأن تغيير المسودة ومشاركة البطريرك في احتفال قراءة الاتفاق تساوي في قيمتها توقيعه عليه.

المحامي يئير عشهال، ممثل البطريركية اليونانية سوية مع يوفال اغمون واساف عولامي من مكتب ابرامزون وشركائه، وصفوا سلوك “الكيرن كييمت” والدولة بكلمات لاذعة. وأشاروا إلى أن مبلغ الصفقة، 13 مليون دولار، يساوي المبلغ الذي خسرته “الكيرن كييمت” في هذه الصفقة المخادعة. لأنه من بين الـ 20 مليون دولار التي دفعتها، نجحت الشرطة في وضع اليد وإعادة 7 ملايين دولار. هو أيضاً وجه إصبع الاتهام للمحامي فنروت: في مرحلة معينة، اقترح رجال النيابة العامة بإلهام منه، وربما حتى بمبادرة من فنروت، “خطة” مفادها أن “المسيحيين يستكملون ما سرقه اليهود”، كتب عشهال للمحكمة. ويسمي المبلغ “فدية المسلوبين”.

وطرح عشهال أيضاً سلسلة ادعاءات، التي رفضتها المحكمة جميعاً، وتتعلق بـ “دخول” البطريرك في الاتفاق. والقول بأنه كتب بصراحة أن الاتفاق غير سارٍ دون مصادقة المجمع المقدس ودون توقيع، وأن البطريرك عارض طلب “الكيرن كييمت” بأن تمويل الاتفاق (الذي كان يمكن أصلاً أن يأتي من التأجير أو بيع الأراضي) لن يأتي من جهة ليست يهودية وصهيونية. وأضاف في المحكمة بأنه لم يكن في إسرائيل قرار حكم ألزم أحد الأطراف بتنفيذ اتفاق غير موقع بمبلغ عشرات ملايين الشواكل.

البطريركية لن تدفع التعويض، بل تدفعه شركة “نيوت كومميوت”، التي اشترت أرض الكنيسة من البطريركية في صفقة إشكالية عام 2016. ولكن بالنسبة للبطريرك ومؤمنين مسيحيين كثيرين في القدس، فإن قرار الحكم يضاف إلى سلسلة سوء المعاملة ضد الطائفة المسيحية في المدينة. وحسب رأيهم، يدور الحديث عما لا يقل عن ابتزاز محكم نفذته دولة إسرائيل والصندوق القومي للزعيم الديني الأهم في المدينة.

في التصريح الذي قدمه البطريرك ثيوفيلوس، حاول أن يوضح الظلم الذي لحق بالكنيسة: “للمقارنة، ثمة حالة جرت فيها محاولة احتيال لسرقة أرض بملكية جالية يهودية في أي دولة في الخارج، وجرى خداع هذه الجالية، ولم توافق على بيع الأرض ولم تتسلم أي دفعات. لنفترض الآن أن هذه الجالية اليهودية كان مطلوباً منها من قبل السلطات أن تدفع لها مبلغاً لإكمال المبلغ الناقص للدولة في هذه القضية، الذي سرق من قبل لصوص. يمكن تخمين موقف وزارة الخارجية ووزارة العدل والجمهور في إسرائيل بشكل عام في مثل هذا الوضع”. البطريركية تنوي الاستئناف أمام المحكمة العليا.

بقلمنير حسون

 هآرتس 3/1/2022

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية