أهانَتْ علينا جماجمُنا لنَهَبَها إلى سارقي الابتسام، ليجعلوها خريطةً يرسمونَ عليها بأنيابهم وأظافرِهم أوهامَهُم وأحلامَهُم الوحشيَّة؟
ووحشهُم القابع في دواخلهم لا ينام، وأنيابُهُ لا تنفك عن النَّهش، فهي لا تعرف الحياة إلا بالافتراس، فلِمَ نكونُ الفريسةَ البخسة الثمن، التي تلبي رغبتهم فتحضرُ بلباسِ الذّبح، وتكتفي الوحوش بالنظرِ من بعيدٍ لتبتهجَ بهذه الكائنات التي تحرِّك السِّكينَ في رقاب بعضها لتهنأ بلذة الافتراس دون عناء. أجماجُمنا بلا ثمن رَخُصتْ على الدَّاني فهزئ بها القاصي؟
أجماجمُنا مزرعةٌ لكلمات ترثي إنسانيَّة الإنسان فينا وتضخُّ يوميًّا سيولَ دمِّ طفلٍ مزّقتْ براءتَهُ كتلُ الجماجم، وتترك خلفها نظراتِ طفلٍ شريدٍ يتطلَّعُ ويسترجع صورة رحمٍ ندِم على يوم فراقهِ وملاقاته هذه الآلام التي تنوء عن حملها جبال وتُهد بها كواهل رجال. أجماجمُنا أرضٌ يبابٌ أم أرضٌ بلا حرَّاس يصدون السهام وتتكسر على صدورهم النّصال. أجماجمُنا لا تدنو من جماجمِ الغير فهي في العددِ إضافةٌ وفضلةٌ لا تحمل على صدرها قلادة وسمِ الانتماء إلى عالم الإنسان.
وأنت يا أيها المنتشي بكسرِ جمجمةٍ تشاركك في الإنسانية وفوق هذا بالانتماء إلى مملكة التوحيد؛ لتعلم أنها ربما كانت ستكون ملجأَك إذا عاداك الغرباء ونفرَ منكَ الأقرباء، اعلم أن فيها صورَ أطفالٍ يتلهفون على النوافذِ متسابقين في النطق بأبي فالكل يريد أن يلمح صورة الأب أولاً وفي مخيلة كل واحد أنه سيكون السباق إلى الإمساك منه بيد أو بإصبع؛ لأنّ أمانه بهذه اليد وقوته يستمدها من تلك الإصبع ولا يدري أنَّ جمجمة هذا الأب قد حُطِّمت واندثرت فيها صور الأولاد والأحبة، في هذه الجمجمة صورةُ أمٍّ تنسج بخيوط الزمن صورَ مستقبل لصاحبها، كأمّك التي لا تفارق صورتُها خزّانَ ذكرياتك…
ألم يئنِ أن تعيِدَ توليفة جمجمتك لتنتعش بروحِ الإنسانية الخالد، ولترشف من سبيل الحب رشفة ومن نهر الحنان غرفة. املأ من نبع الأخوةِ جرّة حياتك عِشْ بالحب والعطف والإنسانية وابتسم بوجه الناس ترفعْكَ أكفُّهم وتعليكَ هاماتُهم كن للناس مؤنِسًا في حال ضعفهم، ورفيقًا في غربتهم، ومشعرًا لهم بإنسانيتهم، وستفتح لك كل القلوب أبوابها وستحتويك وستغدو جزءًا من جمال الحياة فيها.
فجماجمنا إن لم تهن علينا فعلى غيرنا محالٌ هوانها جماجمنا فكلّما ارتفعت في سجل معاملاتنا قيمتُها، عَدّ العدو والقاتل ألف ألف قبل التفكير بتحطيمِها أو لمسها أو إيذائها، لكن من يهن يسهل الهوان عليه….
فلماذا هُنَّا على أنفسنا وشرَّعْنا قتل بعضنا بعضًا عيانا. وتحطيمُ جماجمنا صار بدليلِ النَّصِ الخالد والسنة العطرة مع أنه ما أعطت كل شرائع الأرض قيمةً للدم مثل ما ورد فيهما، فبأيِّ نصٍّ أتيت يامن بالكفر على إخوتك حكمَتْ، فلمْ ترهم إلا بُهمًا لا قائد لهم ولا عقل، أتظن كسرة خبزٍ تغني عن كسر الإنسان؟ أتظنُّ ابتسامةً تعوِّض حنان أبٍ غاب بفعل سيفك الطائش؟ لتكن أيها الآتي لنشرِ العدل منتميًا للذوق الإنساني الفطري فما الفطرة بالغريبة أو البعيدة عنك.
د. محمد خالد الفجر- أستاذ مساعد في جامعة أتاتورك