هل أن الشكوى مرض قارّ في الثقافة العربية، مرض معلن وفاضح، الشكوى من العنف ومن الحرية والسلطة في آن معا، الشكوى من الآخر وعليه في ذات اللحظة.. شكوى الحاجة والمطلبية الثقافية مفتوحة وشرهة، فيها الكثير من الأوهام، مثلما فيها الكثير من سيمياء الخسارات، بدءا من المطالبة بتأمين الحياة وصيانتها وإشباعه، وصولا إلى تأمين سقوف ومناضد الكتابة وإنتهاء بالدعوة إلى تأمين مصروف الجيب والنوم دون احلام ثقيلة..
هذه الشكاوى لم تتغير كثيرا رغم تغير الأحول حولنا بشكل عميق وغريب، ربما هي ذاتها الشكوى من الزمان والسلطان التي كنّا نقرأها في ادبيات واسفار حكاياتنا القديمة من مثقفي وصعاليك(المطروديات الكبرى) في ثقافتنا العربية، حدّ أن الكثير من البعض من اصحاب الشأن في السلطة والمجتمع في لحظتنا المعاصرة يتهم المثقفين واغلبهم من الشعراء والقصاصيين بالعطالة الدائمة والكسل الدائم والتلذذ في ممارسة الحياة الطفيلية الغارقة بالكثير من الاوهام والتخيلات والتعالي المغشوش، ويقول انهم اصبحوا (تنابلة) لا همّ لهم سوى كثرة المطالب والشكاوى من كل شيء، وانهم لا عضويون ولاملتزمون ولا هُم يحزنون، وأن انظمة الحكم والاحزاب والايديولوجيات قد ألبستهم الكثير من الأقنعة، وبعضهم صار جزءا من مؤسستها ومن أبواقها ومريديها.
ولعل العديد من الاختبارات التي واجهت العقل الثقافي العربي، وواجهت المثقف ذاته، قد اكدت النزوع المشوه للثقافة الرسمية العربية ودورها في رداءة الصناعة الثقافية، وفي خلق البيئة الصالحة لإنعاش العقل الثقافي، فضلا عن وظيفتها المريبة في شلّ إرادة الكثير من التوجهات الليبرالية والتقدمية- بالمعنى اليساري- تلك التي تبحث عن ادوار ووظائف للثقافة كإجراءات وافكار ومؤسسات ساندة لبرامج التنمية البشرية وفي التحولات الديمقراطية، مثلما اكدت ايضا فشل اداء نمط الدوغمائية الثقافية التي اختلط فيها الايديولوجي والشعاراتي والسلطوي الغارق فيها حدّ الرأس، وصولا إلى الصناعة المرعبة للثقافات الطائفية، ولصورة المثقف الطائفي العصابي..
إن جلّ هموم هذا النمط من المثقفين باتت هي الاقرب إلى المازوخية، ةتضخيم مظاهر الشكوى والتذمر والسخط، ونعت الاخرين بالخيانة والمروق، والنزوع إلى إصدار البيانات والمواقف التي تكرّس السائد بامتياز فاضح، رغم أن أكثر هموم هذا(الجمع) تكمن في البحث عن المزيد من العطايا والرخاء والفرجة وحتى الإستعراض ..فضلا عن وجود نمط اخر من (المثقفين) هم اقرب إلى الإنموذج الفنطازي، إذ انهم دائما يشكون من التهميش ويشكون من النسيان الحكومي لهم، وربما يشكون من النسيان الشعبي لضجيجهم اليومي، انهم كثيرو الشكاوى من كثرة مظاهر هذا الاهمال الثقافي الحكومي والمدني والقومي، رغم انهم اقل اعترافا بان تلك الحروب التي تورط فيها الناس ليست ثقافية وليست انسانية، وان المثقف صانع الاحلام الماهر هو أكثر ضحايا هذه الحروب العبثية. هذه المطالب والشكاوى كثيرا ماتسقط على ارض الواقع، لان هذا البعض الثقافي القومي خائف من السلطة، وخائف من فقدان إمتيازاتها وقوتها، ولانه ايضا مصاب بازدواجية مرضية جعلته احيانا صانع إشاعات أكثر من كونه صانع خطابات، يستعيد كثيرا دور شاعر القبيلة واحيانا مهرجها.. وهناك نماذج كثيرة على هذا الخلط بين المطلبية وبين ضياع البوصلات، بين وعي الحرية وبين فوبيا الاستبداد، بين مهنية الإدارة الثقافية وبين الأدلجة الحكومية التي فرضت على المثقف توصيفات لايقبلها الاّ بكونه المثقف الموظف، المثقف التابع، ومثقف البورصة الذي يخشى كساد تجارته.
فهناك شاعر عربي كان متفقا عليه الفوز في احد جوائز أحد الأنظمة السياسية السابقة الثقافية الباذخة، واعدّ لهذه المناسبة قصيدة عصماء بالعمودي طبعا لانها تحتاج إلى جهد صوتي ونبري حاد، وبعد احداث معينة تعرض لها هذا النظام وما تركته من لخبطة قومية واخلاقية وثقافية خاصة بين العروبيين جدا والمدافعين عن سلطاتها، إنبرى هذا الشاعر العربي إلى موقف آخر مناقض بالتمام والكمال لموقفه السابق وقيل ان قصيدته العصماء في المدح تحولت بذات الوزن والقافية إلى قصيدة في الذم.. وربما هناك غيره الكثيرون من صنايعية الكراسي الثقافية، ممن تجدهم ناصبي الشكوى وعارضي المطالب، وهذه الشكاوى والمطالب موجهة للحكومات طبعا وعلى وجه الخصوص الحكومات صاحبة الكيس الواسع والاعطيات الباذخة.
إذ ستكون هذه الاُعطيات خارج منطقة الوزن والطعم واللون والرائحة.. واحسب أن الموقف العربي المضطرب إزاء مايجري في فضائنا العربي المشتعل قد تحول هو الآخر إلى شكوى وإلى مطالب، فالمثقفون الرسميون يشكون من احتلال هذه الثقافة وأمركتها، ويطالبون باعادة الاستبداد الثقافي القديم الذي هو جزء من الاستبداد السياسي، وكأنهم تناسوا تماما شكاواهم القديمة من الظلم والاهمال والقسوة، ومطاليبهم بزيادة الحصة التموينية من الحرية والإنفتاح وتفكيك عقد الخوف، رغم ان الكثير من المثقفين العرب كان يطرب للحروب العبثية ولكثرة الموتى والمغيبين والسجناء والمطاردين من ضحايا هذه الأنظمة، يدبج لهم الاكاذيب الشعرية الدسمة بالشعارات والتدليس القومي، لانه يعرف أن الكتابة الشعرية هنا تقاس ب(الاشبار) كلما زادت شبرا زادت كيسا من عطايا السلطان.. هؤلاء المثقفون للاسف يبكون الان موت الشكوى امام الحاكم بعد مواسم الربيع العربي وموت الحكام الباذخين، إذ لم يعد أحدّ ليفتح الصناديق ويرشّ عليهم من العطايا، لذا هم يضجون، ويشكون غياب الوهم الكبير، ويطالبون بعودة كل شيء بدا من الحروب والغزوات إلى الطغاة والصناديق وغابات الموتى، لان هذه العودة الشمولية هي التي ستجعل سمماءهم تمطر ذهبا.. فاي بؤس لهذه الشكوى، ولهذه المطالب التي كشفت عن خواء هذه النزعات المرضية، وعن المرضى ذاتهم الذين غابت الكثير من اسمائهم من اجندة المهرجانات العربية، لان اصحاب الصناعة الثقة الحقيقية يدركون ان هؤلاء مغشوشون، وخارجون عن السياق، وانهم اصحاب مزادات، وليس ثمة من يصدّقهم سوى من كان يحتاج إلى مهرجين او ابواق او مشعلي حرائق..
ناقد عراقي
علي حسن الفواز