إذا فتحت عينيك جيدا وأنت في قلب القاهرة فسترى حتما أشباح فراعنتها، وسحرها القديم المنبعث من عمق التاريخ، وكائناتها الخفية التي ترفرف على مدى النّظر فوق نيلها وحول ساكنيها. إن سحر هذه المدينة لا يتوقف، ولا أذكر أني زرتها إلاّ وعدت محمّلة بعشق مضاعف لها.
سخية العطاء غير كل مدن العالم، تنساب إلى روحي مثل قطعة سكر ذائبة في فم طفل. ولها القدرة على إعادة تشكيلي واخراجي من شرنقتي للمرة الألف بأجنحة عذراء متعطشة للتحليق في حدائقها السرية.
موعدي مع القاهرة في قمّة الغرابة منذ وطئتها أول مرة. وكلما عدت إليها أشعر أني تلك الأميرة النائمة التي تمد يديها وتسحب لحاف الحرير الذي تتغطى به، لتكمل أحلامها الجميلة.
هل أُلام في هذا الشعور الذي يتكرر معي كلما سافرت إلى مصر؟ ومن يلومني لأني عاشقة لتفاصيل هذه البلاد من الشمال إلى الجنوب؟ من مشرق شمسها إلى غروبها، من بحرها إلى صحرائها، من حواريها الشعبية إلى أحيائها الفاخرة، من ضجيج قاهرتها إلى هدوء صعيدها وسحره؟
هذه البلاد تدهشني منذ طفولتي الباكرة، بل إنها استحوذت على جزء كبير من طفولتي حتى خلتني برعما انبثق منها.
بالتأكيد لست فلوبير المسحور بمصر التي مثلت له سحر الشرق كله، فأنا لست رجلا لأحلم بحور العين وهن يرفلن بين الرمال الذهبية لصحراء مصر ونور الشمس يلتهمهنّ التهاما. أنا قادمة من بيئة شرقية مضيئة ومشمسة ولها سحرها أيضا، لكن ما تتميز به القاهرة وربوع مصر لا أزال أكتشفه كما لو أنني خرجت من فيلم بالأبيض والأسود والآن توضّحت لي المشاهد نفسها بالألوان.
ثمة مرجعية ما لكل هذا الحب لمصر، وهي بلا شك “الفن” بكل ما يحمله من تنوع وثراء.
إذ لا يمكننا إنكار عملية التسويق الفريدة التي قامت بها الدراما المصرية للشخصية المصرية والجمال المصري. لقد رسمت ملامح فرسان وأميرات أحلامنا، أجيال من الصبايا حلمن بفارس يشبه عبد الحليم، وأحمد مظهر، وشكري سرحان، وغيرهم من أبطال قبل أن تتلون الشاشات ويظهر محمود عبد العزيز ومحمود ياسين وآخرون. أجيال من الشبان حلمت بامرأة مثل فاتن حمامة أو ليلى فوزي أو شادية، وأحدثت الدراما التلفزيونية نفس التأثير فيها.
اطلق الناس أسماء أبطالهم المفضلين على أبنائهم، حتى أنه من السّهل معرفة الفترة التي ولد فيهم البعض من خلال أسمائهم المرتبطة بمسلسلات مشهورة.
كان ذلك تأثير الصورة والصوت والقصة الرومانسية التي أذابت قلوبنا قبل أن نكبر قليلا ويتسلل الأدب إلى عقولنا ويفعل بنا فعلته. لكن الأكثر إدهاشا لم يكن قصص نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس فقط، بل تلك القصص المترجمة التي يصلنا معظمه من بيروت حاملا في طيّاته افتتان أدباء غربيين بمصر، كان ذلك وحده كافيا ليزكي الأرض المذكورة في القرآن الكريم على أنها ليست فقط الأرض التي ندخلها آمنين بل الأرض الأكثر سحرا وقداسة على هذه البسيطة، وإلا من أين لها كل ذلك السحر على شعراء قدموا من عاصمة الجن والملائكة باريس أو من عواصم الجنيات الثلج مثل موسكو؟
شخصية كليوباترا واحدة من أهم الشخصيات التاريخية والإنسانية التي ألهمت المبدعين في كل العالم، وبين أولئك المتدفقين سنويا لرؤية الأهرامات يعود عدد لا بأس به منهم ليكتبوا قصائد وقصص حول النيل وشمس مصر وأهراماتها وملكتها. الجميع يتبنى سرد الأسطورة السوداء لملكة مصر في ضوء التغيرات الوحشية التي طالت مسارها الحضاري، كما لو أن لقاءً وجها لوجه تم بين السائح الحالم والملكة نفسها.
ترك تيوفيل غوتييه بصمة لقائه بكليوباترا في نصه “ليلة كليوباترا” (1838) وكان قد سبقه ألكسندر بوشكين برسم “الليالي المصرية ” (1837) بطريقة رسّخت لمكانة مصر في الأدب محاصِرا القارئ بغموض وسحر وجاذبية المكان الأكثر إبهارا والهاما للمخيلة.
لقد ارتبط رسم الشرق بمخيلة واصفيه القادمين من خلف البحر، دون إعطاء الكلمة لأهله، الذين كانوا موضوع دراسة وووصف وسرد. إلى أن سمحت لنا الدراما برؤية “الخواجة” الذي أقبل على مصر وعاش فيها بشكل أكثر وضوحا.
وكان كل من فيكتور هيغو في “نار السماء” (1829) وفلوبير في “مذكرات مجنون” (1838) يقف على جغرافيا برّاقة تختلف عن العبوس الرمادي لأوروبا، هذا في حدّ ذاته كافٍ لإحياء أجواء ألف ليلة وليلة في مروياتهما الشعرية أو السردية، وقد قيل أن ما ورد عند كليهما استمرار لما قرآه في الأناجيل، وأن الخيط الرّوحي للمكان كان له تأسيس ديني خفي. أمّا نحن أبناء هذا الزمن المختلف، هل يمكننا أن نكون استمرارا لموروثنا التراثي رغم معرفتنا الشحيحة به كون ما نعيشه كله معاصرا؟
لقد ارتبط رسم الشرق بمخيلة واصفيه القادمين من خلف البحر، دون إعطاء الكلمة لأهله، الذين كانوا موضوع دراسة وووصف وسرد. إلى أن سمحت لنا الدراما برؤية “الخواجة” الذي أقبل على مصر وعاش فيها بشكل أكثر وضوحا.
لطالما اعترفت أني ابنة التلفزيون، وأني تأثرت بكل أشكال الجمال التي لامست عيني ومشاعري عبر الشاشة الصغيرة، لكني تجاوزت تلك المرحلة إلى مرحلة اكتشاف القاهرة بنفسي بحواسي الخمس، وبجوارحي العميقة. بحيث لو كتبت كتابا ضخما عن مصر فلن أوفيها حقها في ذلك.
ولا أبالغ إن أخبرت قارئي اليوم على سبيل المثال لا الحصر كيف ظلّت شخصية هنادي في فيلم دعاء الكروان في ذاكرتي تاركة أثرا بليغا في نفسي وكنت في كل زيارة لمصر أخطط للذهاب إلى “تونا الجبل” في منطقة الغنايم بأسيوط لرؤية استراحة طه حسين، فتأخذني القاهرة في تلابيبها وأفراحها الصغيرة ويأخذني الأصدقاء لاستكشاف معارض وأماكن قريبة في قلب القاهرة فيداهمني الوقت وأؤجل الرحلة، إلى أن تحققت لي هذه الأمنية أخيرا وأنا عائدة من رحلتي إلى الصعيد. توقفت لأرى البيت الصغير الذي كتبت فيه تلك الرائعة، وحولت لفيلم يعدُّ من أهم مئة فيلم في تاريخ السينما العربية. ورغم هالة الهدوء التي تحيط بالمكان تقاطعت أمام عيني أرواح من عبروه، وشعرت بقشعريرة غريبة سرت في كل جسدي، ما فاجأني وأكّد لي أن اعتقادي منذ صباي أن أرض مصر مليئة بالألغاز والأسرار وهو أمر أكدته لي قراءاتي المبكرة حول الموضوع من خلال عدد لا بأس به من الكتب المصوّرة والجميلة ثم عرفت فيما بعد أن مصر القديمة بالنسبة للمبدعين كانت استثمارا جيدا لجذب الفضوليين، وجمهور السينما الغرائبية كان يمثل فئة واسعة منهم، فمصر البساطة تدهشنا أكثر وتسعدنا من حيث لا نتوقّع. وإن كانت المعابد الضخمة والأهرامات وأبوهول الهائل والهندسة المعمارية الخارقة من عجائب الدنيا التي لا تزال تقاوم الزمن فإنّ المصري البسيط يقف مواجها العالم بابتسامته وكرمه وطيبته غير آبه بكل ما يحدث في العالم، ولعلّ سر عظمة هذا البلد ليس في قوة من بنى الأهرامات كما يعتقد كثيرون بل في قوة هذه البساطة والطيبة والابتسامات. وهنا تحضرني حكمة جميلة تقول :” دراسة الرياضيات تبدأ بشكل بسيط وتنتهي بالعظمة تماما مثل نهر النيل”…! لا عجب إذن أن انبثقت حضارة مبنية على الرياضيات والهندسة وقياس الزمن من مصر بالذات دون غيرها.
أحلّق مغادرة أرض الكنانة، وما يربطني بها ازدادت متانته أكثر من أي وقت مضى، دون أن أفهم سر كل ما حدث. فالأمكنة أحيانا تحضن وتحب وأحيانا أخرى تكره وتلفظ، فإن كان هذا الأمر نابع من طاقتنا الذاتية التي نحملها بين ضلوعنا، فإنني تعاملت مع كل الأمكنة التي حللت بها بحب. لا أذكرني سوى شديدة الحرص على اكتشاف مواضع الجمال حيث أذهب، لكن دعوني أخبركم أن قلبي غُزِل بخيطان الحب منذ ولدت، فقد تفاديت طيلة حياتي أن تتسلل الكراهية إلى قلبي، وأعتقد أن محراب العشق الذي تمنيته دائما ليشهد على نقاء وعودي هو محراب الصعيدي البسيط المتسلّح فقط بنبل أخلاقه وصفاء سريرته وبهاء نفسه. وهذا ما وجدته دائما في مصر وهي تنتظرني في مواسم زياراتي لها، وتمنحني في كل مرة هبة من هباتها السخية. مباركة هي حتى مطلع الروح …!
عدت وفي حقيبتي شتاء القاهرة الدافئ، شعر وروايات، صور وذكريات، وروائح وشمس كالتي وصفها فيكتور هيغو ذات يوم « عند النيل، مازلت أجد مصر
تشرق بنار فجرها
نجمها الإمبراطوري يرتفع من الشرق
منتصر، متحمس، مفعم بالهيبة
معجزة أذهلت أرض العجائب» .
شاعرة وإعلامية من البحرين