السودان: هل ينهي الوصول لتوافق سياسي الأزمة الراهنة؟

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: يتمسك المجتمع الدولي من جهة، وأصحاب المبادرات الوطنية من جهة أخرى، بضرورة الوصول لتوافق سياسي بين الأطراف السودانية لحل الأزمة الراهنة في البلاد، لكن هل يمكن أن يتم توافق سياسي في ظل الوضع بالغ التعقيد في السودان، وهل الوصول لتوافق أو اتفاق هو الحل؟
رئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك، قال إن انسداد أفق الحوار بين المدنيين والعسكريين جعل مسيرة الانتقال هشة ومليئة بالعقبات والتحديات.
وبيّن في خطاب استقالته المتلفز، الأحد الماضي، أن قبوله التكليف بمنصب رئيس الوزراء في أغسطس/ آب 2019، كان على أرضية وثيقة دستورية وتوافق سياسي بين المكونين المدني والعسكري. وظل حمدوك يبشر بما أسماه «النموذج السوداني المتفرد» القائم على الشراكة بين المدنيين والعسكريين، ليقر أخيراً، بأن تلك الشراكة لم تصمد بالدرجة نفسها من الالتزام والتناغم التي بدأت بها، وانتهت إلى تباعد وانقسام.
وفي محاولته الدفع بتلك الشراكة إلى الأمام، قدم رئيس الوزراء السوداني المستقيل عددا من المبادرات، منها مبادرة (الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال – الطريق إلى الأمام) في حزيرلن/ يونيو الماضي، والتي لم تجد آذاناً صاغية، حسب حمدوك.
وبعدها قدم مبادرة خريطة الطريق في 15 أكتوبر/ تشرين الأول، وبعدها بثلاثة أيام، طرح مبادرة خلية الأزمة (6+1) التي حاول من خلالها إجراء حوار بين كافة مكونات الحكم وقوى الثورة، إلا أنها فشلت جميعها.

الانقلاب وتداعياته

ونفذ قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بعد أقل من أسبوع من طرح حمدوك مبادرته الأخيرة، انقلابا عسكريا وأطاح بالحكومة الانتقالية التي تشاركها المدنيون والعسكريون لأكثر من عامين. وبعد تنفيذ البرهان، انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وضع حمدوك في الإقامة الجبرية، واعتقل عددا من أعضاء المجلس السيادي المدنيين ووزراء الحكومة والناشطين السياسيين.
ورغم ارتفاع وتيرة القمع، واجه الشارع السوداني الانقلاب بالتظاهرات والاحتجاجات التي لا تزال مستمرة حتى الآن. ورفض المجتمع الدولي من جهته خطوة قائد الجيش، واعتبرها انقلاباً على الحكم المدني وتقويضا للانتقال الديمقراطي، خاصة دول الترويكا والاتحاد الأوروبي، كما علق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان بسبب الانقلاب.
وأيضاً، نددت قوى «الحرية والتغيير» الائتلاف الحاكم السابق، ومعظم القوى السياسية في السودان بالانقلاب العسكري، واعتبرته خيانة للوثيقة الدستورية التي وقعها المدنيون والعسكريون في 17 أغسطس/آب 2019.
ونصت الوثيقة الدستورية على تولي العسكريين لرئاسة المجلس السيادي في النصف الأول من الفترة الانتقالية ثم نقلها بعد ذلك للمدنيين، على أن تنتهي الفترة الانتقالية المحددة بـ39 شهرا، أضيف لها عام بعد توقيع اتفاق السلام، إلى انتخابات، إلا أن العسكريين انقلبوا على الشراكة قبل أيام من تسليم رئاسة السيادي للمدنيين.
ومع ارتفاع وتيرة العنف في مواجهة التظاهرات الرافضة لانقلاب الجيش، وبعد سقوط أكثر من 40 قتيلا، 13 منهم في يوم واحد في مدينة بحري شمال الخرطوم، أثناء تظاهرة 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، زادت تحركات الوسطاء المحليين والدوليين لإيجاد تسوية تعيد ولو جزئيا البلاد إلى مسار الانتقال الديمقراطي، ليقوم بعدها حمدوك بتوقيع اتفاق إعلان سياسي مع قائد الجيش، في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، عاد بموجبه إلى منصب رئيس الوزراء لكن دون أعضاء حكومته من «الحرية والتغيير» على أن يشكل حكومة كفاءات مستقلة، إلا أنه لم يستطع فعل ذلك.
وقال حمدوك إنه عاد للحكم لحقن دماء السودانيين، وللحفاظ على المكتسبات السياسية والاقتصادية التي تم تحقيقها خلال الفترة الماضية من عمر الفترة الانتقالية، إلا أن ستة أسابيع كانت كافية ليعلم أن اتفاقه مع البرهان لن يمضي إلى الأمام، خاصة مع ارتفاع وتيرة العنف وتمسك الحركات المسلحة بمقاعدها الوزارية ورفض الشارع والفاعلين السياسيين للاتفاق.
وبتقديم حمدوك لاستقالته الأحد الماضي، انهار اتفاق آخر كان من المنتظر أن يعيد الاستقرار إلى الفترة الانتقالية، استنادا على شعبية رئيس الوزراء المستقيل، لتعود البلاد إلى مربع سيطرة العسكريين الكاملة على السلطة، وارتفاع وتيرة العنف واستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين.
وفي الأثناء، عرضت واشنطن ضمن دول الترويكا والاتحاد الأوروبي، مبادرة لرعاية الجهود الوطنية في السودان للوصول لتوافق سياسي.
ودعا وزير الخارجية الأمريكي، انتوني بلينكن، في تغريدة على حسابه في تويتر الأربعاء، الأطراف السودانية للالتزام بحوار فوري بقيادة السودانيين ورعاية المجتمع الدولي.
وأكدت دول الترويكا والاتحاد الأوروبي، في بيان الثلاثاء، دعمها لتطلعات السودانيين في الحكم المدني الديمقراطي، محذرة من تعيين رئيس وزراء جديد بشكل أحادي. وحثت أطراف العملية السياسية في السودان على المضي في حوار فوري يقوده السودانيون، ويرعاه المجتمع الدولي.
كما أعلن حزب «الأمة القومي» عن خريطة طريق للخروج من الأزمة في السودان، اعتبر من خلالها الانقلاب «فعلا مرفوضا» واتفاق حمدوك والبرهان لا يمكن اعتباره «أساسا للعودة للانتقال الديمقراطي».
ودعت خريطة طريق الحزب للعودة للوثيقة الدستورية، ثم العمل على دستور انتقالي، وأيضاً لحوار طاولة مستديرة يجمع الأطراف السودانية في حوار طاولة مستديرة.
وفي الصدد، التقى وفد من حزب الأمة، قائد الجيش، ورئيس الوزراء السابق، قبيل ايام من تقديمه استقالته، وقدموا شرحا حول خريطة الطريق، فضلا عن إرسالها للقوى السياسية وتنوير واشنطن حولها. وسبقت ذلك رؤية وخريطة طريق لـ«الحرية والتغيير» استندت على لاءات الشارع الثلاث، لا شراكة لا تفاوض لا شرعية للعسكريين، ودعت، لبناء جبهة مقاومة عريضة للانقلاب.

ميثاق سياسي

وفي وقت طرح التجمع المهنيين السودانيين، وقبله الحزب الشيوعي، مسودات ميثاق سياسي، تعمل لجان المقاومة السودانية على ميثاق سياسي خاص بها يستند ايضا على رفض الانقلاب والمطالبة بالسلطة المدنية الكاملة. وقدم عدد من أساتذة الجامعات مبادرة أيضاً، لحل الأزمة ويعمل عدد من المجموعات السياسية بشكل معلن وسري على مبادرات أخرى.
الصحافي والمحلل السياسي، ماجد محمد علي، أكد لـ«القدس العربي» أن «الشارع لن يقبل بأقل من خروج العسكريين جميعا من المشهد السياسي، والاتفاق على سلطة مدنية انتقالية لما تبقى من المرحلة الانتقالية» مضيفاً:»لن تستطيع الآن أي مبادرة أو وساطة تجاوز هذا الموقف من الشارع، مهما كانت الأطراف السياسية التي تتبناها».
وأضاف «الوساطات الدولية قد لا تنجح لأنها تغفل عن مطلب الثوار الآن، وتسكت عن العنف والتقتيل في الشوارع، لن يكون هناك حل طالما ان أي وساطة أو مبادرة تطرح استمرار قيادة العسكريين للمرحلة الانتقالية، الخلاصة ان الترويكا والغرب عموما لن ينجح في إيجاد حل طالما لا يفهم أن الشارع لا يرغب بوجود العسكر، خاصة قيادات المجلس الآن».
ورأى أن «المدخل لأي حل يقبله الشارع هو إبعادهم بأي صيغة، وتسليم إدارة المرحلة الانتقالية لسلطة مدنية وليس حكومة مدنية تحت سيطرة العسكر» لافتاً إلى أن «الأمم المتحدة والترويكا والغرب عموما لا يمارس ضغوط حقيقية على الأرض من أجل إيقاف العنف والتقتيل الممنهج تجاه الثوار السلميين، وهذا شجع قادة الانقلاب على الاستمرار في إراقة الدماء بأبشع الطرق».

«حكومة صورية»

ويعزو المحلل السياسي، حاج حمد، قيام العسكر بانقلابهم لاستمرار سيطرتهم على 88٪ من الموارد الاقتصادية، وقال لـ«القدس العربي» إن «شركاتهم تعمل في التجارة الداخلية وتقوم بتهريب الذهب وبعض دول الإقليم تستفيد، وتشاركهم في ذلك أيضاً الحركات المسلحة».
وأضاف: «نخلص لنتيجة هي أن الأمر لا علاقة له بالمدنيين والحكم المدني، فالتوافق يعني حكومة مدنية تسيطر على السيادة، لكن ما يطالب به العسكر حكومة صورية تخفف الضغط الدولي الملتزم بقواعد الشرعية الدولية».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية