هل تتجه فصائل وجهات رسمية فلسطينية لوقف أو وضع شروط لإضرابات الأسرى الفردية؟

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

هناك نقاشات بين الفصائل الفلسطينية فتح وحماس والجبهة الشعبية والديمقراطية والجهاد الإسلامي، وعموم الحركة الأسيرة من أجل بلورة موقف جماعي متعلق بالإضرابات الفردية.

رام الله ـ «القدس العربي»: هناك ما يشبه الاتفاق على أن إضراب الأسير الفلسطيني هشام أبو هواش (142 يوما) كان إضرابا مختلفا ولا يشبه الإضرابات التي سبقته، وهو ما أعاد طرح سؤال: هل يجب وقف إضرابات الأسرى الفردية عن الطعام؟

استمد السؤال السابق مشروعيته من كون إضراب أبو هواش وضع حياته على المحك تماما، حيث عاش في أيام إضرابه الأخيرة صراعا كبيرا في ظل الخطر الكبير على حياته من ناحية، وبالتالي من جدوى الإضراب وامكانية الانتصار في ظل محاولة جهاز الأمن الإسرائيلي الشاباك جعله نموذجا للردع بدلا من كونه نموذجا للبطولة والشجاعة القادرتين على كسر إرادة السجان.
برأي الأسير المحرر عصمت منصور فإن أمن الاحتلال لم يسلم بظاهرة الإضرابات، وهو يعلم أن إطالة أمدها لأطول فترة ممكنة، وجعلها مكلفة، هي مرحلة تسبق وتنتظر اللحظة المواتية التي تسمح بوفاة أحد المضربين.
وبرأي منصور إن ما يمنع الشاباك في كل مرة من ترك الأسير يرتقي شهيدا هو حجم التضامن معه، وحساسية الساحة الفلسطينية وهشاشتها والخشية من رد فعل يفجر الأوضاع مع غزة والضفة.
وبرأي منصور فإن «الخطر الحقيقي هو ان تتوفر لإسرائيل الفرصة التي يمكنها أن تقرأ فيها أن اللحظة المواتية قد أصبحت واقعا».
وكان رئيس الدائرة القانونية في نادي الأسير المحامي جواد بولص قد أكد في تصريحات صحافية لبرنامج «طلة صباح» على فضائية «معا» معقبا على التدهور الخطير الذي تعرض له أبو هواش، أن إسرائيل غيرت قواعد التعامل مع إضرابات الأسرى كافة، وأن جميع القنوات القانونية باتت مغلقة.
وتابع: «إسرائيل ردت جميع القضايا المرفوعة في المحاكم والدوائر المختلفة، وهي تتعمد توصيل رسائل قاسية للأسرى الذين قد يفكرون في إضرابات مستقبلية وكذلك لأهاليهم وللمجتمع الذي سيراقب حجم الوجع والألم الذي سيعيشه أي أسير قد يخوض تجربة إضراب مستقبلي».
ذات المعنى أكدته تصريحات رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين اللواء قدري أبو بكر، الذي أشار إلى أن الاحتلال يسعى جاهدا إلى كسر إضرابات الأسرى عبر خلق نموذج ردع بدلا من نموذج قدوة وبطولة للأسرى الآخرين.
ويمكن القول هنا إن الوجع والألم والمرارة قد أصابت الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم، وهو أمر لربما لم يحدث في أي ملف إضراب سابق. ذلك الألم كان كبيرا رغم تحقق نقيضه تاليا مع انتصار الأسير أبو هواش وانتزاع حريته بعد 142 يوما، غير أنه وبعد أن هدأ الفرح وخفتت الأصوات المبتهجة أخذت تتنامى أسئلة واستفهامات حول جدوى ملف الإضرابات الفردية؟ وماذا يمكن للفصائل الفلسطينية وللحركة الأسيرة وللجهات الرسمية أن تفعل إزاء احتمالية خسارة أسير بفعل إضرابه عن الطعام؟ وكيف يمكن تصويب مسار تعامل الفلسطينيين مع الاعتقال الإداري الذي يرزح تحته أكثر من 500 معتقل الذي يعتبر أساس المشكلة؟

مواجهة الاعتقال الإداري

الأسير عصمت منصور قال إنه من الصعوبة بمكان نقاش قضية الإضرابات الفردية في ظل وجود أسير مضرب يصارع الموت، أما وقد أنهى أبو هواش إضرابه بشكل مشرف فإن النقاش المعمق والمسؤول في هذه الظاهرة، ومن منطلقات وطنية، يجب أن يبدأ بهدف بحث أفضل السبل لإنهاء ظاهرة الاعتقال الإداري برمتها.
منصور يعتبر ذلك مهمة وطنية يتحمل الجميع مسؤولية النضال في سبيلها، وليست مسؤولية الأسير وحده، «إنها مسألة ملحة لا تحتمل التأجيل».
وتابع: «ما نلاحظه يتمثل في أن وتيرة الإضرابات تتزايد وتتقارب مواعيدها، صحيح أن هذا شكل نضالي يقلق أمن إسرائيل الذي يحاول جاهدا جعل هذه الظاهرة مكلفة للأسير وعائلته وأطفاله وللمجتمع كله، ولأجل ذلك يعمل على دفعها لأطول فترة زمنية ممكنة، عندها يكون التجاوب مع مطالب الأسير في آخر اللحظات حيث يشارف الأسير على الاستشهاد».
ويرى منصور أن نجاح أبو هواش تزامن مع حالة الهشاشة التي تمر بها الضفة وقطاع غزة، لكن الشاباك سيصل لمرحلة ما يدفع فيها أسيرا للاستشهاد ليشكل ردعا حقيقيا في ظل أن خيار الانكسار والتراجع غير وارد في كل تجارب الإضراب جميعها.
ويسهب قائلا: «الأمر يحتاج للنقاش، فوصول الأسير لمرحلة الخطر ليس أمرا عاديا، وبالتالي علينا أن نفكر كمقاومة وكفصائل وأسرى وحركة أسيرة وجهات رسمية في استراتيجية وطنية لإلغاء الاعتقال الإداري لتلاشي إضرابات فردية قد تكون مميتة، هذا هو التحدي والمطلب، أن تحتشد كل القوى خلف رفض الاعتقال الإداري».
ويؤكد أن هذا واجب اللحظة الحالية في ظل أن الثمن الذي يدفعه الأسير المضرب باهظ فعلا، فأبو هواش وبعد إيام إضرابه الطويلة سيبقى لديه آثار ومضاعفات لسنوات طويلة ولربما طوال حياته ونحن لا نعلم ما تعطل في جسمه.
وشدد أنه أخلاقيا ووطنيا علينا أن نفكر في ماذا نفعل كي لا يصل الأسرى لمرحلة الخطر على حياتهم؟ ماذا نفعل كي لا نبقى منتظرين، في كل مرة، أن تصل حياة الأسير المضرب إلى مرحلة الخطر كي يتحقق الزخم الشعبي؟ لقد جاء الوقت لوضع الاعتقال الإداري هدف في كل مكونات الشعب الفلسطيني.
منصور هنا يرى أن الإضرابات المتكررة بقدر ما تضغط على الاحتلال عليها أن تعيد إثارة المسؤولية الواقعة علينا (كشعب وقوى وفصائل) معتبرا أن الإضراب هو بمثابة وضع العربة أمام الحصان أما مسؤوليتنا فتتلخص في إعادة العربة خلف الحصان، وهذا يعني أنه علينا أن ننقل قضيتهم ونناضل من أجلهم وليس أن يتحول الأسرى إلى معاناة فردية طويلة ومتكررة.
وتابع: «هذه مسألة تعيد طرح السؤال الحتمي وهو: ما هي مصادر قوتنا وأدواتنا للتأثير في قضية الأسرى؟». الجواب بحسب منصور: «للأسف لا توجد أوراق قوة أو ضغط، وبالتالي ما يجب أن نفعله هو البحث عن مصادر القوة وتعزيزها».

نضال جماعي

الكاتب راسم عبيدات يرى أن المهم بعد انتصار أبو هواش هو الوضع الذي تعيشه الحركة الأسيرة في واقعها غير الموحد والمتماسك، وغياب القيادة الاعتقالية التمثيلية الموحدة، وعدم وجود ممثل اعتقالي عام للحركة الأسيرة، وكذلك حالة الفصل بين أسرى منظمة التحرير وحركة حماس في السجون.
ويرى في مقال «انتصار الأسير أبو هواش، ليس بديلاً عن اغلاق ملف الاعتقال الإداري» أن كل ذلك نتج عنه خوض الإضرابات بشكل فصائلي أو فردي، دون أن يكون هناك التزام بالإضراب حتى في إطار القسم الواحد في المعتقل، مما سمح لإدارة المعتقل وإدارة مصلحة السجون الإسرائيلية العامة وأجهزة مخابراتها، أن تلعب على التناقضات والخلافات والتباينات بين أبناء الحركة الأسيرة وفصائلها.
وبحسب عبيدات فإن ذلك هو ما يمنح الاحتلال فرصة لإطالة مدة الإضرابات المفتوحة عن الطعام، وعدم استجابة إدارة مصلحة السجون لمطالب المضربين.
ويرى عبيدات أن المطلوب خوض نضال جماعي من الأسرى الإداريين، من أجل إغلاق هذا الملف بشكل نهائي، وهو ملف يمكن أن يحتشد حوله الكثير من المؤسسات الحقوقية والإنسانية والقانونية، وأحرار العالم والمناصرين لقضية الأسرى ولقضية الشعب الفلسطيني.

البحث عن الأسباب أولا

وبحسب مصدر رسمي رفض الكشف عن اسمه فإن سؤال ما هي طرق العمل لإيقاف الإضرابات الفردية؟ يعتبر سؤالا مفتوحا منذ لحظة تصاعد هذا الشكل النضالي قبل سنوات وحتى اللحظة.
ويرى المصدر أنه وقبل الحديث عن العمل على إيقاف الإضرابات الفردية (وهو أمر تعمل عليه جهات رسمية وفصائل) فإنه علينا طرح سؤال مهم وهو: ما الذي يدفع الأسرى إلى خوض إضراب فردي عن الطعام؟
وأضاف: «تحولات الحركة الأسيرة بعد أوسلو وترهل الموقف الجماعي داخل السجون وخارجها هما سببان للجوء الأسير إلى إضراب فردي، وفي حال عالجنا هذه الأسباب عندها ستتوقف الإضرابات الفردية أوتوماتيكيا».
ويؤكد المصدر أن هناك مخاوف حقيقية من الضغط والعمل على إيقاف الإضرابات الفردية أو تحديدها بشروط قبل معالجة المسببات.
ويؤكد المصدر أن هناك نقاشات حول كيف يمكن للفصائل داخل السجون أن تعمل على منع الإضرابات الفردية، وفي حال أضرب أسير فإنه يجب أن يكون ذلك وفق شروط محددة يتم الالتزام بها.
ويتابع: «أصبح النضال الفردي مع غياب النضال الجماعي مأزقا للفصائل التي لا تذهب بمشروع نضالي إلا وفق معاييرها وشروطها، ومع غياب المواجهة الجماعية لا يحق لأي أحد أن يقف ضد قرار الفرد في المقاومة. وهو أمر يمكن أن ندركه من خلال عمليات المقاومة الفردية».
ويشدد أن فكرة منع أسير من مواجهة السجان أمر لم يحدث سابقا إلا مع التحولات التي يمر بها الواقع الفلسطيني بعد أوسلو، فلم يكن هناك ما يمنع أي مواجهة فردية في ضوء أن المواجهة كانت جماعية أصلا.
وترى جهات فلسطينية أن الأمر الأهم يتمثل في أن الاحتلال طور من أدواته في مواجهه الإضرابات الفردية من دون أن يكون هناك أي تطوير على أدوات المواجهة مع الاحتلال فلسطينيا.
وتابع أن آخر إضرابين جماعيين (2012 و2017) لم تكن النتائج على مستوى التضحيات، «لدينا خلل كبير وهو أمر امتد للإضرابات الفردية أيضا» وهو أمر لم يتم النظر فيه إمن أجل تقييم التجارب حتى اللحظة.
بدوره أكد قدورة فارس، رئيس نادي الأسير الفلسطيني، ان هناك نقاشات بين الفصائل الفلسطينية (فتح وحماس والجبهة الشعبية والديمقراطية والجهاد الإسلامي) وعموم الحركة الأسيرة من أجل بلورة موقف جماعي متعلق بالإضرابات الفردية.

نقاش سيتبلور قريبا

وقال في حديث خاص لـ«القدس العربي» إن النقاش الحالي الذي سيتبلور في وثيقة أو بيان خلال الأيام العشرة المقبلة، ينطلق من قاعدة مهمة وهي ان المواجهة ستبقى مفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي، وهذا أمر يتطلب أن نقيم التجارب النضالية ونتوقف عند تفاصيلها بحيث لا يجب ان نبقى أسرى لشكل نضالي معين.
وأشار فارس أن الموقف الذي يتم بلورته يهدف إلى تفعيل العمل النضالي الجماعي الذي يعتبر أجدى وأسرع وأكثر تأثيرا، وهو أمر ينطلق من تفعيل النضال الذي يخوضه الأسرى الإداريين الآن، الذين يقاطعون المحاكم الإسرائيلية حيث هذه خطوة كبيرة جدا ويعتبر هذا الفعل النضالي حاملا لدلالات سياسية وقانونية عبر إنكار المحاكم الإسرائيلية وعدم المثول أمامها وهذا جهد نضالي مهم للغاية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية