السودان بعد حمدوك: جيش يقاتل بأسنانه للحفاظ على مصالحه وشارع أدمن على الاحتجاج وبلد في مهب الريح

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في 21 تشرين الثاني/نوفمبر وبعد شهر على انقلاب الجنرال عبد الفتاح البرهان على العملية السياسية اتفق مع رئيس الوزراء الذي وضعه تحت الإقامة الجبرية عبد الله حمدوك على وثيقة عرفت بالاتفاق السياسي والتي شملت على 14 بندا لتقاسم السلطة والتحضير لانتخابات جديدة في عام 2023. لكن حمدوك لم يبق في منصبه سوى ستة أسابيع أو أقل، وبهذا ترك حمدوك الجنرالات بدون حكومة مدنية. وكانت استقالته محتومة، نظرا لموقف حركة الاحتجاج منه وأنه بات «سكرتير انقلاب» وقدم في دوره الجديد ورقة التين للنظام العسكري الذي لم يتردد عن توجيه بنادقه ضد المواطنين. وقتل 56 مدنيا على يد قوات الأمن منذ الانقلاب العسكري في 25 تشرين الأول/أكتوبر في ثاني انقلاب منذ ثلاثة أعوام.
وقدم رئيس الوزراء استقالته لأن مبادراته المتكررة لتشكيل توافق بين القوى السياسية والعسكرية قد فشلت – في جوهرها. وقالت مصادر مقربة منه إنه شعر بالإحباط لمنح المجلس السيادي سلطة الاعتقال للمخابرات العامة ورفضه إعادة السفراء الذين استقالوا احتجاجا على انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر.
وباستقالته انهارت ركائز اتفاق تشرين الثاني/نوفمبر والتي كانت أولوياته وقف إراقة الدماء والعنف ضد المتظاهرين السلميين، ومنح حمدوك الصلاحيات الكاملة لأداء مهامه التنفيذية. ولم يحدث أي من هذه الأشياء. ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز»( 3/1/2022) عن أمجد فريد، المساعد السابق لحمدوك قوله إن استقالة الأخير «تضع الأمور في سياق أوضح لأنها ستضع الجيش في مواجهة مباشرة مع المدنيين». وأضاف أن «الجيش قد دفع بكل المدنيين إلى خارج الحكومة». وقال فريد إن الجيش لا يستطيع حكم البلاد بدون خريطة تؤدي إلى الحكم المدني. ولا يعرف إن كانوا سيختارون رئيس وزراء جديد، حيث توقع كاميرون هدسون المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية والمتخصص بشؤون السودان بتصريحات لصحيفة «التايمز» البريطانية (3/1/2022) أن يكون رئيس الوزراء المقبل دمية في يد العسكر و «ما رأيناه خلال الشهرين الماضيين منذ الانقلاب هو عودة نظام عمر البشير بدونه» و «شاهدنا الجيش وهو يلغي معظم الإصلاحات وتوقف التقدم الاقتصادي والدعم المالي من المجتمع الدولي، وشاهدنا المخابرات وقد تعززت قوتها لاعتقال واحتجاز الناس».

مسار مختلف

وباستقالة حمدوك تمضي العملية السياسية بطريق مختلف عما سارت عليه عمليات انتقالية اثناء انتفاضتي عام 1964 و 1985، ففي هاتين المرحلتين بقي رئيسا الوزراء سر الختم خليفة والجزولي دفع الله حتى نهاية العملية الانتقالية، أما حمدوك فلم يكمل مهمته لأن علاقته توترت مع الجيش والشارع، وهذا يعني أن أي سياسي يتولى حكومة بقيادة الجيش لن يحظى بمصداقية من الشارع. وتقول ويلو بيردج بمقال نشره موقع «ميدل إيست آي» (4/1/2022) أن حمدوك مختلف عن السياسيين السابقين من ناحية تقدميته، فهو عضو سابق في الحزب الشيوعي السوداني، ولدى عدد من عناصر وزارته علاقات باليسار ورحبت به العناصر اليسارية في الشارع وكذا حركات تمرد. وعمل الخليفة والجزولي مع الجيش لتكريس حكومة بقيادة حزب الأمة. ولكن ما يشترك به الوزراء الثلاثة هو أنهم كانوا على تناقض مع الشارع المدني. بخلاف أن حمدوك انتقد جهود الثورة المضادة من الجيش وتدخل العسكر في الاقتصاد. وقبل الانقلاب الأخير اعتقدت المخابرات، حسب تقارير لو صدقت، أن حمدوك شخصية طيعة يمكن وضعها في كوجه حكومة صورية، ولكنه رفض. وحتى بعد هذا ظل الجيش يحاول عزل حمدوك عن القوى المدنية ولم يسمح لأي من رموزها مقابلته أثناء الاعتقال باستثناء شخصيات معينة. منها فضل الله برمة ناصر، القائم بأعمال حزب الأمة. والسياسي القديم من فترة سوار الذهب وهو عسكري نفسه. وظهر كواحد من مهندسي اتفاق 21 تشرين الثاني/نوفمبر وأكبر المدافعين عنه. وتتهمه مصادر في المعارضة بالتحايل على حمدوك بأنه مفوض من قوى الحرية والتغيير للتوسط بينه والجيش. وفي الوقت الذي استطاع فيه حمدوك إعادة بعض الوزراء إلا أن الجيش عين مقابل كل شخص مسؤول من النظام السابق. وفي 2 تشرين الثاني/نوفمبر أيقن حمدوك أنه لم يعد قادرا على ربط نفسه بالثورة المضادة واستقال. والسؤال إلى أين يتجه السودان وما هو الحل؟

مخاطر فشل التحول الديمقراطي

كان الانتقال السياسي السياسي السوداني ضوء أمل جديد لإرساء الديمقراطية والاستقرار في المنطقة. على الرغم من المقارنات المستمرة بين ثورة السودان والربيع العربي، قدم التحول الديمقراطي السوداني طريقا للخروج من الاستبداد الذي كان مختلفا عن مسارات مصر وليبيا وتونس. وكما يقول أمجد فريد الطيب في مقال بمجلة «فورين بوليسي» (3/1/2022) إنه لا يمكن التقليل من نجاح السودان في تحديد آفاق إنهاء الحرب الأهلية في إثيوبيا وحل القضايا العالقة بين البلدين المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي والخلافات حول المناطق الحدودية. وكذا أهميته بالنسبة لجارته تشاد في الغرب، وبخاصة بعد وفاة إدريس ديبي، فما حدث مرتبط بأطراف في الحكومة الانتقالية السودانية، وعلى الأخص قوات الدعم السريع والحركات المسلحة من دارفور. وتنذر الزيادة الشديدة في العنف في دارفور بحرب أهلية متجددة في المنطقة مع انهيار اتفاق النخبة السياسية الوطنية. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى عدم استقرار جديد في كل من تشاد وليبيا، حيث تنتشر الميليشيات السودانية على نطاق واسع. والأمر صحيح بالنسبة للجنوب الذي عملت فيه الحكومة الانتقالية كضامن للسلام. ويرى الطيب أن ما يحدث ليس مجرد مشكلة أفريقية، فهو يلامس قلب المنافسة العالمية بين النظام الديمقراطي القائم على القواعد وتلك البلدان التي تقدم مناهج استبدادية بديلة. إن انهيار التحول الديمقراطي المدني في السودان سيعزز الوجود الروسي في المنطقة. فقد سعت موسكو لإبرام اتفاقات مع الجيش السوداني لإنشاء قاعدة بحرية على ساحل البحر الأحمر. وظهرت تقارير عديدة عن الوجود المكثف لمجموعة فاغنر الروسية في جميع أنحاء السودان وربط أنشطتها بانقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر العسكري. وباختصار، سيكون انهيار التحول الديمقراطي في السودان كارثيا – بالنسبة لجيران السودان، وللنظام العالمي، ولأولئك الذين يواصلون الوقوف إلى جانب المحتجين المؤيدين للديمقراطية في الشوارع. لا تزال هناك فرصة للتحرك، لكن النافذة تغلق. وكما يقول الطيب فالسودانيون لا يستطيعون ولا ينبغي ان يضطروا للتصرف بمفردهم. وللخروج من المأزق هناك حاجة إلى عملية سياسية شاملة وميسرة دوليا لإنهاء هذه الأزمة وبدء انتقال سياسي متجدد. وضم قوى مؤثرة جديدة تعارض وبقوة الانقلاب. وهناك مخاوف من أن تكرر النخب السياسية أخطاءها السابقة وتتفاوض خلف الأبواب على صفقة لا تعبر عن آمال الشعب السوداني. وتحتاج العملية السياسية الشاملة إلى ضامن وموارد وإرادة دولية تدعم تطلعات الشارع وتقف أمام طموحات الجيش الراغب بالحفاظ على الوضع الراهن. وهنا يأتي الامتحان بالنسبة للمجتمع الدولي.

الموقف الدولي

فقد بات بعد استقالة حمدوك حتما على الدول المعنية بالسودان، وبخاصة ترويكا (الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج) التأكيد على أهمية عودة الحكم المدني والعمل من أجل منع الجيش من التسلط وزيادة القمع. وكما كتب مدير برنامج أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية تيودر ميرفي على موقع المجلس (5/1/2022) فخروج حمدوك من المعادلة السياسية أنهى أي مظهر للحكم المدني وخلف وراءه فراغا دستوريا. وأشار إلى أن شركاء السودان الدوليين حاولوا تجنب استقالة حمدوك واعتقدوا أن من الأفضل التعامل مع الأمور كما هي، أي الاتفاق السياسي الذي اتفق عليه حمدوك مع البرهان في 21 تشرين الثاني/نوفمبر، فهو أحسن الخيارات المتوفرة بدلا من البحث عن بداية جديدة. وبخروج حمدوك لا توجد هناك أي شخصية شرعية مقبولة يمكن التعامل معها من الجانب المدني. وحل محله مجموعة متعددة من الأحزاب وجماعات الاحتجاج. والسؤال الأعمق إن كان الإعلان الدستوري في 2019 والذي أدى لولادة الحكومة الانتقالية هو الإطار المقبول من الجانب المدني لحكم السودان. ومن هنا يجد المجتمع الدولي نفسه غير ملزم بعد حمدوك بالموازنة في التعامل حركة الاحتجاج والاتفاق السياسي، كما ولم يعد ملزما بالتوازن في دعمه لرئيس الوزراء وحركة الاحتجاج. وهدد الاتفاق السياسي بتشويه سياسة الفاعلين الأوروبيين والدوليين والتي تريد دعم الديمقراطية السودانية. ولكن الموقف الدولي تصادم مع مجموعة من الديمقراطيين في البلد وحركة الاحتجاج التي رفضت الاتفاق السياسي جملة وتفصيلا. ويدعو هذا التغير المفصلي في المشهد السياسي السوداني إلى تعديل في السياسة. وبالنسبة لصناع السياسة فالرد الطبيعي هو التعامل مع الأدوات المتوفرة والخيارات البراغماتية مثل البنى السياسية الموجودة والاتفاقيات والمسؤولين الرسميين. وكان بيان الاتحاد الأوروبي والترويكا صورة عن هذا الرد في التأكيد على حيوية الإعلان الدستوري عام 2019. مع أن الخطوة الأولى هي الاعتراف بتداعيات التحول التي ينذر بها هذا التغيير. وهناك ثلاثة مجالات يجب التركيز عليها في الوقت الحالي، وهي الجيش والتعامل مع المدنيين والوساطة. وفي الوقت الحالي عبر الجيش وحركة الاحتجاج عن استعداد للتصعيد، الذي يعني للمدنيين التظاهرات السلمية وللجيش زيادة في القمع. وأظهرت التجربة الأخيرة مع الجيش أنه عازم على التمسك بالسلطة، وعلى المجتمع الدولي والحالة هذه التركيز عليه. ويجب جعل الدعم الدولي للسودان مشروطا بإعادة الحكم المدني الممثل لكافة الأحزاب المدنية وجماعات الاحتجاج. وهذا مهم لأن الجيش سيحاول البحث عن رئيس وزراء دمية ليضفي على حكمه مظهرا مدنيا. ويعرف الجيش أن تعيينه لرئيس الوزراء يمثل خرقا للإعلان الدستوري، لكن هذا الإعلان تم خرقه أكثر مما تم تطبيقه، ويمكن للجيش تبرير تحركه بحالة الطوارئ بشكل يحول السلطة في المجلس السيادي إليه وبشكل كامل. ولكن المجتمع الدولي لديه أدواته لتوجيه الأحداث في السودان من خلال المؤسسات المالية الدولية ووقف برامج تخفيف الدين وبرامج البنك الدولي مثل برنامج دعم العائلة السودانية. وإلى جانب تحديد صناع السياسة برامج الدعم عليهم تحديد «عصي» للتلويح بها مثل فرض عقوبات تستهدف أفرادا يساعدون الجيش على التحكم بالسياسة والشركات المرتبكة بالشبكة الأمنية العسكرية-الاقتصادية. ويمكن اللجوء لعقوبات وحظر سفر على أفراد الشبكة، مما يضع الجيش أمام خيار التصعيد المستمر أو مواجهة مصاعب جديدة. وفي غياب حمدوك يحتاج المجتمع الدولي لشخصية يمكن التعامل معها من الجانب المدني. وهو بحاجة للتواصل مع ممثلي الحركة المدنية مثل قوى الحرية والتغيير لتشكيل آلية ولو مؤقتة يمكن للمجتمع الدولي التعامل معها، وليس بالضرورة أن تكون شكلا رسميا بقدر ما هي عنوان للتواصل.

أزمة مستمرة

لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن سياق التاريخ السوداني الحديث، فالبلد كما تقول مجلة «إيكونوميست» (5/1/2022) خضع لرغبات العسكر معظم الوقت باستثناء فترات قصيرة من الديمقراطية عاشها منذ استقلاله عام 1956 ويحتفظ البلد بسجله الخاص بين دول أفريقيا المعروفة بتحركات العسكر 6 انقلابات وعشر محاولات فاشلة منذ الاستقلال. ومن هنا سيطرت النخب العسكرية على مصادر وثروات البلاد. مما أدى لنزاعات مستمرة بين المركز والهوامش. وباتت النخب العسكرية تخشى من أي عملية تحول ديمقراطي تهدد مصالحها المالية. فقد حاول حمدوك تعريض المجموعة العسكرية- الصناعية الضخمة للرقابة، مما أثارها للتحرك ضده ويضاف إلى هذا الدعم الروسي للجنرالات، اللوجيستي عبر شركة فاغنر، وكذا السياسي بتوفير الحماية للسودان في مجلس الأمن حيث مارست دورها المخرب ضد الغرب. كما منحت الصين حماية للجنرالات نظرا لاستثماراتها الواسعة في البلاد. ويواجه السودان تضخما بنسبة 100 في المئة وبالكاد يستطيع السكان الحصول على المواد الأساسية ويعيش الملايين في معسكرات اللاجئين، وبالمقارنة فالنخبة تريد الإفلات من العقاب. كل هذا يعطي صورة أن النخبة العسكرية ستقاتل من أجل الحفاظ على الوضع الراهن.
وإذا كان العسكر قد أدمنوا على الانقلابات فقد أدمن السودانيون على التظاهر، فالخروج إلى الشوارع بات نمط حياة كما نقل موقع «فوكس» (6/1/2022) عن باحثة سودانية مقيمة في كندا، حيث يلتقي الأصدقاء والعائلات والجيران ويتبادلون معا قصصا حول حياة أفضل. ومع أن الحلم بسودان أفضل بدأ بالإطاحة بنظام عمر البشير في نيسان/إبريل 2019 إلا أن الترتيبات التي أعقبت سقوطه أظهرت الشق الواسع بين المدنيين والعسكر الذين أرادوا الحفاظ على مكتسباتهم. وكانت استقالة حمدوك اعترافا بفشل الاتفاقية وكشفت عن التحديات العميقة التي تواجه عملية التحول الديمقراطي في السودان. وكما وصف مصدر في الكونغرس الأمريكي فإن استقالته نزعت «ورقة التين» عن المجتمع الدولي والتحالف المدني في السودان وتجبرهم الآن للتعامل مع الواقع. وأخيرا فالسياق السوداني لا يزال غامضا، فقد تغيرت القوى السياسية التقليدية ولم يعد حزب الأمة قويا كما في الماضي ليقود حكومة بعد الفترة الانتقالية كما حدث ما بين 1964- 1965 و 1985-1986وتعاني قوى الشارع من عدم التماسك والتشرذم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية