السياسي اللبناني خلدون الشريف: تَبَدُّل الأكثرية البرلمانية لا يقلب المشهد السياسي ما دام «حزب الله» يُمسك بحق «الفيتو»

حاورته: رلى موفّق
حجم الخط
0

يرى السياسي اللبناني د. خلدون الشريف أن تَبَدُّل الأغلبية البرلمانية لا يَقلب المشهد السياسي، بفعل أن «حزب الله» يُمسك بيده حق «الفيتو»، معرباً عن اعتقاده أن لا إمكانية لتغيير جذري في لبنان من دون حل سياسي جديد، لا بد من أن يكون تحت سقف الدستور الحالي، ذلك أن تعديل الدستور مسألة كبيرة مرتبطة بإرادة داخلية ورعاية خارجية لا يراها متوفرة كما كانت مع «اتفاق الطائف».
الشريف يبدي اقتناعاً بأن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لا يمكنه حل أزمة لبنان مع الخليج ما دام مجلس الوزراء عاجزاً عن الالتئام رغم وجود إرادة لديه ولدى رئيس الجمهورية بذلك، واصفاً الدعوة إلى الحوار بأنها عملية تقطيع وقت إنما على حساب الشعب اللبناني.
في قراءته، أن وتيرة الخطاب السياسي ارتفعت كون الطبقة الحاكمة «محشورة» بموعد الانتخابات النيابية التي يريدها المجتمع الدولي، وليس تصعيد أمين عام «حزب الله» ضد السعودية إلا لنقل «المعركة» من بُعدها الداخلي إلى بعدها الخارجي لحماية حلفائه المحليين، رغم ما يفاقمه ذلك من أذى على لبنان، مُلاحظاً أن منسوب المواجهة السياسية في وجهه إلى تصاعد.
أغلب الظن بالنسبة إليه أن الاتفاق النووي يؤول إلى انفراجات في المنطقة وليس حلولاً في لبنان غير الموجود على الطاولة إلا من زاوية وجود «حزب الله» كذراع إيرانية وقدرته الصاروخية ضد إسرائيل. يستبعد «سيناريو» حرب عسكرية داخلية، ويتوقع فلتاناً أمنياً نتيجة الظروف الاجتماعية القاسية في البلاد.
لا يتخوف، ابن طرابلس، على مدينته من تقارير عن تجنيدٍ لشبان منها للالتحاق بـ«تنظيم الدولة» لأن تلك المرحلة قد ولت، إلاَّ إذا كان هناك من يريد أن ينسج روايات لتمرير مشاريع معينة. وهنا نص الحوار:
○ كيف تقرأ التصعيد الذي نشهده اليوم على الساحة اللبنانية؟
• مرد التصعيد أن الطبقة السياسية الحاكمة «محشورة» بموعد انتخابات أرادها المجتمع الدولي بأسرع وقت، وأيار المقبل هو موعدها، ومن الطبيعي أن يقوم كل طرف بشدِّ عصب جمهوره لتحسين وضعه الانتخابي، ولا سيما أنهم جميعاً في وضع انتخابي لا يُحسدون عليه، نتيجة لتراكمات ثورة 17 تشرين 2019، وحتى ما قبل ذلك، منذ أزمة النفايات وحملة «طلعت ريحكتم» في العام 2015. الطبقة السياسية لم تجد حلاً لمشاكلها إلا بشدِّ العصب الانتخابي بأسلوب تحريضي وطائفي ومذهبي. الفارق أن ما تطرَّق إليه الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، كان مغايراً لمواقف الأفرقاء الآخرين الذين حصروا كلامهم ضمن الإطار المحلي، بينما هو أراد نقل المعركة من بُعدها الداخلي، الذي يطال حلفاءه بالأذى، إلى بعدها الخارجي، ولم يستحسن في هذا الظرف العصيب إلا أن ينقضَّ على دول الخليج وعلى رأسها السعودية.
○ وهل الأمزجة الشعبية اللبنانية مهيّأة لتقبّل حملات شدّ العصب هذه في ظل ما تشهده البلاد من انهيارات شاملة؟
• حسب آخر الاستبيانات فإن نسبة 50 بالمئة من الشعب اللبناني لم تُغيّر موقفها السياسي، وبالتالي ما زالت ملتزمة مع الأطراف السياسية المعروفة لديها، والتي تحاول تعديل أو زيادة حصتها. أما التساؤل عن إمكانية التغيّر بالمزاج الشعبي فهذا ممكن لكن له شروطه المرتبطة بظهور قيادات بديلة تُقنع الشَّارع وتتمتع بالمصداقية ونظافة الكف. على المستوى المسيحي، كُثر يطرحون أنفسهم كبدلاء ولا سيما بعد تفجير المرفأ، ويتبرّأون من الطبقة السياسية الحالية ويقولون إنهم سيخوضون الانتخابات على أُسس إصلاحية. أما شيعياً، فلا أرى وجوهاً بارزة، وحالياً نسمع كلاماً عن أنه في حال عزوف رئيس «تيار المستقبل» الرئيس سعد الحريري عن خوض الانتخابات فإن الشَّارع السُّني سيشهد فراغاً كبيراً، لذا هناك مطالبات له بالترشح أو أن يكون رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مرشحًا حتمياً، لكن من المؤكد أنه لم يبرز قادة جدد بَعد على مستوى الحضور السني، فيما لا أرى تغييرات ذات أهمية على الصعيد الدرزي.
○ تقول إن تصعيد نصر الله الأخير هدفه إبعاد الأذى عن حلفائه اللبنانيين، في حين أن بعض المراقبين الذين يعتبرون أن الملف اليمني في عهدته، يربطون تصعيده هذا بوضع أذرع إيران في المنطقة؟
• الإيرانيون والسعوديون يجرون محادثات في بغداد وأبو ظبي ومسقط وعمَّان في إطار من المد والجزر حسب ظروفهم ومصالحهم. التأثير في الملف اليمني يعود لإيران ومرتبط بها بشكل أساسي وجذري، ودور «حزب الله» فيه ليس جوهرياً بل مساعداً، من خلال تأمين الدعم اللوجستي. قناعتي بأن مبتغى نصر الله من وراء تصعيده هو تحويل المشكلة إلى الإطار الإقليمي لإراحة حلفائه المحليين ولكن هذا يُفاقم الأذى على لبنان.
○ رئيس الحكومة يجهد لاحتواء الأزمة مع دول الخليج، فكيف ستكون تداعيات التصعيد الراهن على مسعاه، علماً أن حكومته مشلولة على خلفية موقف «الثنائي الشيعي» من المحقق العدلي في تفجير المرفأ طارق البيطار؟
•عجزت الحكومة عن الالتئام رغم وجود إرادة لدى رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء، وكل ما هو دون ذلك أو فوق ذلك غير قابل للتحقق. كيف لرئيس الحكومة أن يحلَّ المشكلة مع دول الخليج إذا كانت حكومته غير قادرة على الاجتماع. يدعوان اليوم لطاولة حوار، فكيف سيستطيعان إنجاز ذلك، إذا كانا غير قادرين على عقد مجلس الوزراء.
○ الدعوة للحوار هي هروب للأمام أم عملية تقطيع للوقت؟
• الكل يعرف أن المشكلة في مكان آخر. نعم هناك عملية تقطيع للوقت، ولكن على حساب الشعب اللبناني على كل المستويات، بدءاً من المستوى السياسي وانتهاء بالمصرفي! هم لا يملكون حلولاً سياسياً. ويقولون اقتصادياً إنهم سيصلون إلى حل مع صندوق النقد الدولي قبل نهاية العام 2021،فيما تجاوزنا هذا التاريخ وربما سنتجاوز شهري شباط وآذار من دون اتفاق معه. والسبب هو أن الطبقة الحاكمة والمصارف تريدان الاستيلاء على ما تبقى من ودائع الناس بطرق احتيالية. هناك حفلة عربدة على هذا المستوى. لن يكون هناك تدقيق جنائي، ولا توحيد لسعر صرف الدولار. وعدوا بتحسّن التغذية بالكهرباء ولكن أين هي؟ تألفت الحكومة لإنجاز ثلاثة أمور. أولاً: حل مشكلة الكهرباء، وثانياً: التفاوض مع صندوق النقد، وثالثاً: إجراء الانتخابات النيابية. الأمران الأول والثاني لم يتحققا، والثالث «على المحك». يعرفون أن هناك ضغطاً دولياً لإجرائها، ولكن في أي لحظة بإمكانهم «تطييرها» إذا استمروا بتصعيدهم على هذا النحو.
○ الانتخابات النيابية التي يُراهن المجتمع الدولي على نتائجها، والتي ستُجرى في أيار المقبل، هل ستبدّل في موازين القوى؟
• أنا غير متأكد من الرهان الدولي على الانتخابات. ما أعرفه أن المراجع الدولية تقول بضرورة الالتزام بالدستور وإجرائها في موعدها. والأرقام لا تشي بتغيير كبير في نتائجها، أقله إلى الآن. وحتى لو تبدّلت الأغلبية البرلمانية، فبِيَـد مَن سيكون الفيتو (حق التعطيل)؟ فما قاله الشيخ نعيم قاسم والنائب محمد رعد صحيح في إطار عدم الرهان على تغيير في الأغلبية! في العراق ربحوا الانتخابات ولكنهم لم يستطيعوا تأليف حكومة. وفي لبنان ألّفنا حكومة و«حزب الله» سمّى رئيس الحكومة وأعطاها الثقة، ولكنها أُصيبت بالشلل بفعل ارتدادات التحقيق في تفجير المرفأ! هناك «فيتو» جلي لدى «حزب الله»، ومن دون حل سياسي لا أرى إمكانية لتغيير جذري في لبنان.
○ وما هي الخطوط العريضة لهذا الحل السياسي؟
•ألا تعتقدين أن إيران تربط موضوع لبنان وسوريا واليمن وفلسطين والعراق بمفاوضات فيينا حول الاتفاق النووي؟ هي تستخدم كل هذه الساحات لتعزيز وضعها التفاوضي على المستويين الدولي والإقليمي. لا أدري إذا كانت ستنجح أم لا. الواضح أن أمريكا تريد والغرب يرغب بشدة بإنجاز اتفاق مع إيران بشأن النووي، والواضح أيضاً أن المتضرر من الاتفاق هي الأطراف الإقليمية المحيطة بإيران أو المتضررة من الأذرع الإيرانية، لذلك هناك تصعيد على كل المستويات.
○ تتفاوت السيناريوهات حول نتائج اجتماعات فيينا بين الحل أو المراوحة أو الفشل، برأيك ماذا سيكون تأثير كل منها على لبنان؟
• لبنان هو أصغر أداة في هذا الصراع ولكنه الأكثر تأثراً به، والأكثر تضرراً منه، بمعنى أن لبنان اليوم ليس على طاولة أحد. أنا أستغرب عندما يقولون إن المجتمع الدولي مهتم بلبنان. برأيي أن الشعب اللبناني لا يهمهم. أهمية لبنان بالنسبة للمجتمع الدولي تكمن في وجود «حزب الله» كذراع إيرانية، وقدرته الصاروخية على إلحاق الأذى بإسرائيل. هذه هي المعادلة الدولية. فإذا كان القادة اللبنانيون لا يهتمون بشعبهم فكيف للخارج أن يهتم به؟ المجتمع الدولي لا يسأل إلا عما يخصّه ويخدم مصالحه وأجندته. وإذا بالإمكان استخدام لبنان كأداة مجانية للضغط على إيران فليكن ذلك. وما ترينه اليوم من تدهور اقتصادي وفقر وهجرة وانعدام للخدمات وأزمات متلاحقة على صعيدي الكهرباء والمحروقات يُشكّل أداة ضغط من أجل طبخ الحلول، ولكنها حلول -إذا حصلت- لن تكون في لبنان ومن أجله وإنما خارجه، وإلى أن يستفيد منها لبنان تكون فوائدها قد استنفدت، لذلك أنا غير متفائل حتى لا أقول إنني متشائم.
إذا اتفقوا، فالبداية ستكون من إيران وسيبدأ رفع العقوبات عنها وضخ الأموال لها. لست واثقاً من أنه ستكون هناك اتفاقات إقليمية، أو اتفاقات بشأن أذرع إيران العسكرية، فلا الأمريكي ولا الأوروبي راغب بالبحث في هذا الموضوع. ويجوز السؤال ما إذا كان هناك رغبة إيرانية فعلية بالحوار مع الأطراف الإقليمية وخاصة العرب. لست متأكداً من جدية هذا الحوار، لأن الطرف الإيراني يعتبر أنه ليس بحاجة لهذا الحوار طالما بإمكانه التحاور والاتفاق مع الطرف الأمريكي.
○ البعض يراهن على انفراجات في مفاوضات فيينا لتنعكس على الساحة اللبنانية؟
• إذا كان هناك من انفراج فلبنان هو آخر مَن يستفيد منه. الكلام عن انفراجات هو كلام افتراضي، يجب أن يكون هناك اتفاق سياسي جديد في البلد. لماذا دعا الرئيسان عون وميقاتي إلى مؤتمر للحوار؟ ولماذا البطريرك يدعو للحوار والحياد؟ مشاكلنا ليست خارجية فقط، هناك أيضاً مشكلة داخلية. لنا أن نتساءل: ما علاقة موضوع «حزب الله» والسعودية بأموال المودعين في المصارف؟ وما علاقة الخارج بتعطيل الكهرباء منذ العام 1992 والصفقات والسمسرات التي تتم على حساب الناس؟ إذاً هناك أيضاً مشاكل داخلية لديها أبعاد متعددة. بعد تفجير المرفأ ومجيء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون افترض كُثر أن الحكومة ستولد خلال شهر نتيجة للضغط الأمريكي والغربي والعربي، ولكن لا ماكرون استطاع ولا غيره، واستمر الحال على ما هو عليه لسنة ونصف، لماذا؟ لأن هناك استعصاءً داخلياً غير الاستعصاء الخارجي، لذا لا يجوز القول إن الأزمة اللبنانية مرتبطة فقط بالخارج وبالاتفاق النووي. الاتفاق النووي يؤدي إلى انفراج في المنطقة لكنه لن يُنهي مشكلة لبنان.
○ ولكن أيضاً الداخل لوحده لا يمكنه أن ينتج حلاً، فلولا توفر إرادة إقليمية ودولية لما وُلد
«اتفاق الطائف» الذي أنهى الحرب؟
• نحن نحتاج إلى ظروف مثل ظروف «اتفاق الطائف» إنما لا أحد يسأل عنّا.
○ وسط الانهيار الاقتصادي-المالي الراهن، هل يمكن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي – الاجتماعي؟
• هناك أمن محلي، وهناك ما فوقه. اندلاع الحرب في لبنان بحاجة إلى أطراف إقليمية أو دولية تكون لديها الرغبة بذلك وإمكانية لتمويل وتسليح أطراف محددة، وأنا لا أرى هذا السيناريو حالياً. أنا لا أرى حرباً عسكرية، نحن نعيش حرباً من نوع آخر، عبارة عن ضغوط اقتصادية هائلة على الشعب اللبناني، وسط عجز كلي عند الطبقة الحاكمة. هذه الطبقة لا ترغب بحل مشاكل البلد حتى لا تتحمل مسؤولية ما جرى خلال عقود من الزمن من هدر وسرقة لأموال الناس ووضع اليد على حقوق الناس، لأنها تأمل البقاء في السلطة من جهة والعودة إلى ضخ الاستثمار من جهة أخرى لمزيد من جني الأرباح. برأيي أن الحكومة غير قادرة على حل أي من المشاكل المعيشية والاجتماعية الداخلية سواء على مستوى البطاقة التمويلية والدعم والكهرباء والمازوت والدواء وما إلى هناك، ولذا سنخضع لظروف اجتماعية قاسية وظروف أمنية متعلقة بجرائم كما بدأنا نشهدها.
§ولكن المجتمع اللبناني، كما المجتمعات المحافظة، يتمتع بخاصيتين، الأولى أن الوازع الأخلاقي ما زال مقبولاً عنده، والثانية هي أن المغتربين اللبنانيين يحافظون على تعلُّقهم بوطنهم ويقومون بارسال أموال لأهاليهم. بعض الأرقام تتحدث عن أن المغتربين يضخون ما بين 7 إلى 10 مليارات دولار شهرياً في حين أن الدخل القومي لا يتجاوز الـ20 ملياراً! هذا الواقع عنصر مهم في الصمود، ولكن في المقابل، البنى التحتية والإدارات الرسمية والأجهزة الرسمية كلها مهترئة ومترهلة ومنهارة. أنا لست متفائلاً في الـ2022.
○ أنت تربط الانفراج بحصول الحل السياسي، والبعض يراه من خلال تغيير في هيكلية النظام قد يطوي صفحة الطائف، ولا سيما مع ارتفاع أصوات تطالب بالفيدرالية، وباللامركزية الإدارية المصحوبة باللامركزية المالية؟
•لم أَسمع من أي من القوى الأساسية اللبنانية، ولا حتى من أغلب القوى المناوئة للسلطة، كلاماً بأنها لا تريد «اتفاق الطائف»، بل يصرون على تطبيقه كاملاً مع ما يتضمنه من تطبيق للامركزية الإدارية الموسعة التي قد تبدأ بالإدارة وتنتهي بالمال، فـ«اتفاق الطائف» لا ينفي اللامركزية المالية ولا يؤكد عليها. أما موضوع الفيدرالية فتطرحه بعض القوى الضئيلة من منطلق التقسيم المقنع، ولكن من الصعب تحققه، ذلك أن الفيدرالية تعني سياسة خارجية ودفاعية موحدة، ونحن في لبنان لا نختلف إلا على هذين الأمرين.
○ إذاً ما التصوّر الذي تطرحه عندما تتكلم عن حل سياسي؟
• تصوري هو الالتزام بالطائف. أمور عديدة لم تُطبق من اتفاق الطائف مثل تشكيل مجلس للشيوخ واللامركزية. من حق الناس أن تعرف المهلة المعطاة لرئيس الحكومة لتأليف حكومته، والفترة التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية حتى يدعو للاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة، وأمور أخرى مثل عملية التصويت في مجلس النواب، وهل ستبقى عبر رفع الأيدي؟!
○ الحل السياسي الذي تتحدث عنه قوامه استكمال تطبيق الطائف وسد الثغرات الموجودة في الدستور الحالي وليس البحث عن صيغة جديدة؟
• نعم. إذا أردنا أن نصل إلى حلول، فعلينا أن نعمل بالدستور الحالي، وإلا من الصعب الوصول إلى اجماع في البلد. تعديل الدستور مسألة كبيرة مرتبطة بإرادة داخلية ورعاية خارجية، وحتى الإرادة الداخلية تفصيل. الطرف الأقوى في لبنان حالياً والممسك بزمام الأمور هو «حزب الله»، وما نسمعه من مسؤوليه أنهم متمسكون باتفاق الطائف ولا يريدون «المثالثة»، إذاً علينا الأخذ بما يقولونه والبناء عليه. المسيحيون يريدون لا مركزية إدارية موسّعة مع لا مركزية مالية وحماية حقوق الأقليات في الحُكم، هذا يحتاج الى نقاش على الطاولة، فيما السُّنة يتمسكون بالطائف وبتطبيقه. وبالتالي المطلوب البحث عن القواسم المشتركة ورؤية إلى أين ستؤدي.
○ إلى أي مدى تُوافق الرأي القائل بأن السُّنة في لبنان يتامى؟
• سنّة لبنان هم جزء من السُّنة في المنطقة كلها، وهم ليسوا حزباً سياسياً. أضحوا فريقاً بعدما طفا الكلام الطائفي والمذهبي على السطح. هناك أزمة سياسية حقيقية للوجود السُّني في لبنان وسوريا والعراق، وهذا أمر واضح وجلي، وعلى قياداتهم إيجاد الحل الأمثل لها، والذي يتطلب – حسب رأيي – أن تكون القيادات وطنية وتفكر بلبنان وبمصلحة اللبنانيين لأن الذي يربح اليوم هو الذي يحمي لبنان بأكمله وليس الذي يريد التستر وراء طائفته حتى يتعدى على الطوائف الأخرى.
○ ما طبيعة المأزق السياسي السُّـني لبنانياً؟
• هناك مأزق سياسي عام في لبنان مرتبط بأداء طبقة سياسية. ما يجري أن الأطراف الأخرى تظهر شراسة ولا يظهر أن هناك طرفاً سنياً شرساً، ولكن هذا لا يعني أن هناك مأزقاً سنياً.
○ برأيك المرجعيات الدينية والسياسية اللبنانية متفقة على كيفية مقاربة علاقتها بمرجعياتها العربية؟
• في لبنان هناك طرف واحد مرتبط بمرجعية إقليمية هو «حزب الله» المرتبط بإيران، أما إذا كنا نقصد العرب والسعودية، فهذا غير صحيح، لأنهما تخلّيا عن لبنان منذ 2015، ولا أرى حتى ارتباطاً لأحد بأمريكا أو الفرنسيين. هذا الكلام يُقصد به التمويه. الطرف الوحيد الذي يحظى بارتباط إقليمي وتمويل وتسليح هو «حزب الله».
○ في لبنان نظريتان، الأولى تقول بأن «حزب الله» مشكلة إقليمية ودولية، وبالتالي فإن حلها ليس لبنانياً، والنظرية الأخرى تُشكّك بذلك وتقول إن هذا الكلام جعلنا نخسر كل ما تبقى من مقومات الصمود اللبناني لصالح المحور الإيراني، ومؤخراً، كان كلام لأمين عام الأمم المتحدة بأنه علينا أن نُوسِّع الغرفة اللبنانية كي تتسع لـ«الفيل» المتمثل بالحزب؟!
• دعينا ندخل في الإطار العملي، هناك قرار دولي صدر في العام 2004 رقمه 1559، ينص من ضمن بنوده على أمرين، الأول خروج الجيش السوري من لبنان، والآخر يتعلق بحل الميليشيات وتسليم أسلحتها. هذا القرار صدر من أعلى مرجعية كونية فلماذا لم يُطبّق؟ ومَن الذي لم يُطبقه؟ إنه المجتمع الدولي نفسهّ! وبالتالي فإن هذا المجتمع هو المسؤول عما جرى منذ الـ2005 ولغاية اليوم. لا يجب أن نجلد أنفسنا ونقول إننا عجزنا عن إلغاء وجود «حزب الله» في لبنان. المجتمع الدولي والأمريكان لا يرغبان بذلك ولا الإرادة بإنهائه. وبعد الـ2006 صدر القرار 1701، والحكومة اللبنانية تقول إنها تحترمه، لكن لا الجانب الإسرائيلي الذي يُعربد طيرانه في أجوائنا ولا «حزب الله» يحترمانه. فإذا كانت هذه القرارات الدولية لا تُحترم هل يجوز أن نتكلم عن أن السُّنة أو الشيعة أو الدروز مسؤولون لأنهم تركوا «الفيل» الإيراني يكبر داخل الغرفة (حسب تعبير أمين عام الأمم المتحدة غوتيريس) وأن علينا توسيعها حتى تستوعبه. «الفيل» لم يكبر فقط داخل الغرفة اللبنانية إنما في كل الإقليم وصارت له أذرع ساعدت الغرب في مواقع متعددة، وبحسب قول ريان كروكر مساعد وزير الخارجية الأمريكي في الـ2001 فإن الجانب الإيراني ساعد الأمريكي في ضرب أفغانستان، عبر إعطائه إحداثيات، وساعده على اجتياح العراق في الـ2003، والكلام بين الأمريكان والإيرانيين كان يتم في سويسرا في عطلة نهاية الأسبوع. تنظيم «داعش» كاد أن يحتل بغداد سنة 2014 بعدما تهاوت أمامه الأذرع الإيرانية، لو لم يقم الطيران الأمريكي بدكّه على بعد 10 كيلومترات من العاصمة. إذاً مسألة تعزيز قوة ونفوذ إيران وأذرعها ليست فقط لها علاقة بالإقليم، بل مرتبطة برغبة أمريكية – غربية بعدم المسّ بقوة إيران الإقليمية. هل يمكن أن يُطلب من الشعب اللبناني أن يقوم هو بمواجهة «حزب الله» وباللحم الحي؟
○ ماذا على اللبنانيين أن ينتظروا؟
• المطلوب من اللبنانيين أن يكونوا مستعدين لمحاولة تغيير أوّلية عبر الانتخابات المقبلة، وألا ينكفئوا إذا لم يحصل التغيير المُرتجى كما حدث في أعقاب ثورة 17 تشرين عندما تركوا البلد وهاجروا بعدما شعروا بالإخفاق. العمل السياسي والوطني هو عمل نضالي طويل فيه محطات ربح وخسارة وتقدّم وتراجع.
○ لكنك قلت إن الرهان على التغيير ليس في محله لأنه لو تغيّرت الأكثرية فالفيتو عند «حزب الله»؟
• أريد أن أسأل: هل الكلام الذي قاله نصر الله أخيراً مرَّ كما كان يمر من قبل… أم أن الرفض له كان أكثر من ذي قبل نتيجة التراكم؟
○ أكيد أكثر لأن منسوب المواجهة ارتفع…
• هذا يعني أن المواجهة السياسية يجب أن تأخذ وقتها والشعب يجب أن يكون مستعداً للتضحيات، لكن من دونها ليس بإمكان لبنان فعل أي شيء. يجب أن ننتظر ما يجري على المستويين الإقليمي والدولي. أنا أقول دائماً أن الموضوع اللبناني له 3 مستويات، الأول دولي والثاني إقليمي والثالث محلي، وإذا لم تلتقِ هذه المستويات الثلاثة فلا حل للمشكلة، وهي إلى الآن لم تلتقِ كما التقت يوم اتفاق الطائف.
○ أنت ابن طرابلس وعايشت المراحل التي مرَّت بها المدينة خلال الحرب الأهلية، هناك تقارير تتحدث عن سيناريوهات لهزة داخلية تبدأ من طرابلس وعمليات تجنيد للشباب الطرابلسي لصالح «داعش»؟
•»كلما غيّمت في مكان فستُمطر في طرابلس!». هذا المثل أسمعه منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم. طرابلس كانت وما زالت صندوقة بريد تستخدمها الطبقة السياسية ومن ضمنها سياسيو طرابلس لتنفيذ أجندات غير مرتبطة بالمدينة وبواقعها وبأهلها. طرابلس مدينة مُستهدَفة منذ الاستقلال بالمعنى الحقيقي للكلمة. استهجن هذا الكلام وأعتبره استكمالاً للمؤامرة المستمرة بحق هذه المدينة التي لا تعرف إلا السلام والاطمئنان. الكلام عن وجود «زعران» شيء واتهام طرابلس بأنها إرهابية متطرفة شيء أخر مرفوض وباطل. تنظيم «داعش» يُشبه «فتح الإسلام» وما جرى معها، ومنْ يتصوَّر أن «فتح الإسلام» قد أُعدت في نهر البارد فهو واهم، ومن يتصوَّر أن طرابلس تستطيع أن تُعد لوحدها خلايا لـ«داعش» فهو واهم أيضاً. على نواب طرابلس مسؤولية أن يتقوا الله بالمدينة وأن يحموها برموشهم لأنه لولاها لما أصبحوا نواباً ولا وزراء ولا رؤساء حكومات، وأن يدخلوا الانتخابات بأقل أضرار للمدينة.
○ وهل «صندوقة البريد» قابلة للاستخدام من جديد؟
• ممكن جداً. أنا لا أرى أننا في مرحلة «داعش». هذه المرحلة ولّت. هل يخترعون رواية أخرى مثل أكذوبة «راجح» السينمائية لتمرير مشاريع معينة؟… لا أعلم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية