الدعوة للتدخل في سورية تدعو للمقارنة مع حرب البوسنة

حجم الخط
0

موت ورعب وجوع في مدينة مظلمة تقع تحت مطرقة لا ترحم لقوة غاشمةالقدس – من دوغلاس هاميلتون: قتل بدم بارد على يد القناصة وقصف عشوائي وجراحة على ضوء مصابيح يدوية وموت ورعب وجوع في مدينة مظلمة تقع تحت مطرقة لا ترحم لقوة غاشمة.

يشبه الصراع في سورية في وحشيته العشوائية الحرب في البوسنة التي دارت رحاها قبل عشرين عاما عندما دمرت قوات الصرب والمسلمين والكروات الدولة الواقعة في منطقة البلقان ودفن شعب سراييفو المحاصر الاف القتلى في الملاعب الرياضية.

ونقلت القنوات الاخبارية الفضائية التي كانت حينذاك في ايامها الاولى وقائع مذبحة البوسنة على مدار الساعة الى انحاء العالم شهرا بعد شهر. وتذاع المذابح في مدينة حمص السورية على العالم على مدار الساعة تقريبا بواسطة الهواتف المحمولة والتسجيلات المصورة للهواة.

وانطلقت مطالب بتدخل خارجي مسلح بعد عرض صور لقتلى من الرضع ولاطراف مبتورة ودماء تنساب من المزاريب ولاشخاص كاد الحزن ان يودي بعقولهم.

ولم يحدث التدخل فى البوسنة الا على نحو متردد لدرجة ان محنة الشعب استمرت اربع سنوات تقريبا قتل فيها عشرات الالاف وشرد مليون شخص.

وتقول القوى الغربية التي اوقفت القتل في آخر الامر إنه ليس لديها نية للذهاب الى سورية وهو تحرك سيكون له عواقب غير محسوبة في منطقة مضطربة.

كانت البوسنة جمهورية صغيرة تابعة ليوغوسلافيا السابقة ومثلت وقتها ازمة اوروبية على اعتاب حلف شمال الاطلسي. لكن سورية دولة عربية كبيرة لها اصدقاء اقوياء مثل روسيا وايران وتقع عند مفترق طرق استراتيجي في العالم.

والقاسم المشترك الأعظم بينهما هو الدبابة تي – 72 التي تعود للعهد السوفييتي. فقد شقت طريقها الى المدن لقمع المتمردين المسلحين بأسلحة خفيفة والمدنيين على السواء خلال عمليات القمع التي يمارسها الرئيس بشار الاسد منذ 11 شهرا.

وهناك احساس بتكرار هذه المشاهد من قبل الى جانب الوسائل ‘الانسانية’ لعلاج الموقف والتي يجري طلبها الان ومهمات الاغاثة التي ادت الى التدخل المسلح في البوسنة.

ويقول سونر كاجابتاي واندرو تابلر من معهد واشنطن ‘الحرب البوسنية والصراع في سورية مختلفان في الطبيعة. اي جماعات دولية تتطلع لتوفير تدخل انساني لحماية المدنيين الضعفاء في مناطق ‘حررتها’ المعارضة (في سورية) يجب ان تستفيد من دروس البوسنة في التسعينات’. وتظهر هذه الدروس انها تتطلب قوة دولية تحميها قوة جوية ومعها تفويض للرد ان تعرضت لاطلاق النار. ومن المرجح ان يقودها حلف شمال الاطلسي ويرأسها جنرال مسلم من تركيا عضو حلف شمال الاطلسي وجارة سورية الشمالية وتضم وحدات عربية.

وكانت تركيا دعت قبل اشهر الى اقامة ملاذات آمنة للسوريين وتتعاون الان مع الجامعة العربية وفرنسا. وتقول الامم المتحدة ان ما لا يقل عن 5500 سوري قتلوا في 11 شهرا.

ويقول وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو إن اجتماع ‘اصدقاء سورية’ الذي من المقرر عقده مع الدول العربية في تونس في 24 شباط (فبراير) ‘سيبعث برسالة تضامن قوية جدا وكذلك تحذير للنظام السوري’. وتريد فرنسا ان يقر مجلس الامن خطتها لفتح ممرات انسانية في سورية من تركيا ولبنان او الاردن الى ساحل البحر المتوسط او الى مطار.

واذا فازت هذه الخطة بدعم الامم المتحدة فمن المرجح بدرجة كبيرة فيما يبدو ان تكون تركيا التي تؤوي بالفعل لاجئين ومنشقين عن الجيش السوري هي رأس الجسر.

لكن الرئيس نيكولا ساركوزي استبعد يوم الجمعة تدخلا مباشرا قائلا ان ‘الثورة في سورية لن تقاد من الخارج.. بل يجب ان تقاد من الداخل’. وفي البوسنة تابع العالم الفظائع تحدث مع بطء التدخل الذي ارجأته الممانعة الغربية في خوض ما كانت تعتبر حربا اهلية عرقية بالاضافة الى عقيدة روسيا الصلبة الخاصة بعدم التدخل والدبلوماسية التي طال انتظارها والتي حجبها التظاهر بأنها كانت معركة عادلة.

نفس العوامل موجودة في حالة سورية. فروسيا والصين اللتان تملكان حق النقض (الفيتو) تعرقلان حتى الان اي تحرك لمجلس الامن وتصران على عدم التدخل في انتفاضة لجماعات مسلحة ضد دولة شرعية.

لكن الجمعية العامة للامم المتحدة ادانت الاسبوع الماضي حكومة الاسد لانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الانسان وابلغت الرئيس السوري بضرورة تنحيه. وساند قرارها خطة للجامعة العربية تطالب بسحب الاسلحة السورية الثقيلة من البلدات والمدن. والقرار غير ملزم خلافا لقرارات مجلس الامن. لكن كانت هناك قرارات مبكرة بشأن البوسنة.

وكان غضب الرأي العالمي واشمئزازه مما يحدث في البوسنة افضل سلاح ضد قوة النيران غير المتكافئة لجيش صرب البوسنة الذي كان يستخدم الدبابات والمدفعية.

وحتى الآن لم تقم مظاهرات حاشدة في عواصم غربية تطالب حكومات حلف شمال الأطلسي بالتدخل في سورية. لكن انطلاقا من مطالب تتراكم من زعماء اجانب لتنحي الأسد على الفور يبدو أن الضغوط تتزايد.

وفي سراييفو الأسبوع الماضي عرضت نجمة هوليوود انجلينا جولي التي تتبنى قضايا لحقوق الإنسان فيلمها الجديد (في أرض الدم والعسل) عن حرب البوسنة. وقالت إنها تتمنى أن يكون ‘ناقوس إنذار’ للعالم لوقف الفظائع التي ترتكب في سورية.

ويقول اندرس فو راسموسن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي إنه حتى مع وجود تفويض من الأمم المتحدة ومساندة عربية فإنه يشك في اشتراك الحلف في مثل هذه العملية. لكن كما أظهرت الأوضاع في البوسنة فإن السياسة يمكن ان تتغير.

قال جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي عام 1991 مقولة شهيرة بعد محاولة فاشلة لمنع تحول الصراع في يوغوسلافيا إلى صراع دموي والذي أشعل حرب البوسنة إذ قال حينئذ ‘لا ناقة لنا ولا جمل في هذه المعركة’. لكن عندما تحولت الحرب هناك إلى أسوأ صراع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية انخرط حلف شمال الأطلسي بالفعل في المعركة ابتداء بإرسال قوة رمزية لحفظ السلام قوامها 50 فردا لكنها انتهت بوجود مئة ألف فرد في البلاد بعد قصف الأسلحة الثقيلة لصرب البوسنة لفرض تسوية سلمية.

واستغرق إخماد الحرب التي كانت تأمل الأمم المتحدة أن تضع أوزارها في صيف عام 1992 خمس سنوات وأكثر من مئة قرار من مجلس الأمن الدولي. انتهت الحرب في شتاء عام 1995 بعد مقتل أكثر من مئة ألف وتدمير مدن بأكلمها.

لكن أنقذت أرواح كثيرة لأن الفظائع التي ارتكبت في البوسنة مثلت تحديا لقوة الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي لدرجة جعلتها لا تتصور الفشل.

وسيتطلب إقامة ملاذات آمنة وممرات إنسانية في سورية تفويضا من الأمم المتحدة. وتقول روسيا التي تعارض ‘تغيير النظام’ إنها سيتعين عليها الاطلاع على صياغة مثل هذا القرار.

بدأ التدخل في البوسنة بإقامة ممر لإرسال المساعدات الإنسانية ومناطق محمية من الأمم المتحدة في كرواتيا المجاورة مما تطلب قوة حماية من الأمم المتحدة مسلحة تسليحا خفيفا. وعلى الرغم من أن هذه القوة كانت متواضعة في البداية فإن دورها أخذ في الزيادة وأصبح محوريا.

وفي حزيران (يونيو) عام 1992 أكد قرار مجلس الأمن رقم 761 على ضرورة توصيل المساعدات إلى العاصمة سراييفو. تمكنت قافلة من حاملات الجند المدرعة البيضاء وهو اللون الشهير للمركبات التابعة للأمم المتحدة وقوة الحماية التي وضع أفرادها الخوذات الزرقاء المميزة للأمم المتحدة من الوصول إلى مطار سراييفو والسيطرة عليه بعد أن قطعت الجبال قادمة من كرواتيا.

أصبحت قوة الحماية ما أسماه المؤرخ البريطاني وليام شوكروس ‘واحدة من أتعس بعثات حفظ السلام في الأمم المتحدة في السنوات القليلة الأخيرة’ ومثال لتشعب المهمة والتي تعلمت من أخطائها الكثيرة بعد ثمن مؤلم.

ومن خلال إرسال حلف شمال الأطلسي جنودا على الأرض أصبح بذلك ملتزما بحماية قواته التي كان يتعين حمايتها بدبابات وطائرات حربية تابعة للحلف. وبعد العديد من التحديات التي مثلها صرب البوسنة حصل الحلف أخيرا على تفويض من الأمم المتحدة قال محللون عسكريون إنه كان لازما من البداية.

لكن الحق في رد إطلاق النار بالمثل لم يتحقق إلا بعد أن تعرض جنود للإذلال عندما رأوا أناسا في ‘ملاذات آمنة’ يتعرضون دون رادع للقصف بينما كانت كاميرات التلفزيون تصور العجز الواضح لقوات حلف شمال الأطلسي.

وفي الوقت الحالي فإن احتمالات إرسال قوة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة لسورية تبدو محدودة بما أنه ‘ليس هناك سلام أصلا لنحفظه’. لكن في عام 1992 .. لم يكن هناك أيضا سلام ليتم حفظه.

ويقول كاجابتاي وتابلر من معهد واشنطن إن أي مهمة لسورية من الممكن ان تنجح وتتجنب التصعيد إذا التزمت بالدروس المستفادة من البوسنة وتجنبت المثالب.

وقالا إن عليها أولا ‘تجنب إقامة ملاذات آمنة دون هيكل عسكري يعتد به لحمايتها’. وثانيا عليها ألا ‘توفد قوات لحفظ السلام دون تفويض قوي يسمح لها برد إطلاق النار’. وثالثا لابد أن تستخدم ‘القوات الجوية لحماية الجيوب وحفظ الممرات الإنسانية’. (رويترز)وهما يتوقعان أن يقود مثل المهمة جنرال تركي يعمل من مقر الحلف.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية