الاتجاه السائد لدى ابناء شعبنا العربي، بوجه عام، من الخليج الى المحيط، هو التمرد والثورة، على هذا الواقع البائس والمزري، الذي يرزح تحت ضغطه ومرارته، المواطن العربي، اينما كان وفي كل مكان، وهذه حالة مفرحة ومبهجة، مرغوبة، مطلوبة وملحة، في مثل هذه الظروف الاليمة، الموجعة والمفجعة، وتكاد تكون حالة نادرة في تاريخ الشعوب والامم، قديمها وحديثها، اذ كان الادباء والمثقفون وثوار بعينهم، هم الذين يتقدموا الصفوف، ويشعلوا فتيل الثوره، في جميع الثورات السابقه، ثم تعم شرارة الثورة الشعب كله، بينما الذي حصل في هذه الثورة العربية الحديثة، ان الشعب هو الذي تقدم الصفوف واشعل فتيل الثورة، بينما تراجع وتخلف، بل غاب دور من ذكرنا، الا في حالات نادرة، وبلا تأثير كبير وفاعل وجاد، والاكثر غرابة والما، انه وبعد مضي اكثر من عام كامل، على اندلاع الثورة، في اكثر من قطر عربي. لم يبادر المثقفون العرب، الى تأسيس، تجمع ثقافي وادبي عام وكبير، يلتحم بالثورة وثوارها، ليسهم في تعزيز زخم الثورة، ويتصدى لقيادتها وادارتها، او على الاقل، المشاركة في النصح والتوجيه والارشاد، لكي تحقق الثورة كامل غاياتها واهدافها المثلى التي انطلقت من اجلها، اما الامر الاخر الاكثر اثارة وفزعا، اذ بينما يطحن المواطن العربي ويسحق سحقا، بكل انواع الاسلحة المحرمة دوليا وغير المحرمة، برا وبحرا وجوا، من قبل النظام الذي يحكمه، اذ من المفروض، ان مهمة هذا النظام، هو حماية الشعب وحفظ امنه وكرامته، ارضه وعرضه، نصدم بكل هذا الصمت المطبق للغالبية العظمى، من المثقفين وغيرهم من العرب وغير العرب، هذا موقف غير معقول وغير مقبول اطلاقا، موقف لا منطقي ولا حتى انساني، على اي وجه من الوجوه، يا الهي نحن في اي وطن عربي نعيش؟ وفي اي عصر، عالم؟ واذا كنا من دول العالم الثالث، او الدول النامية، وبعضهم، يعلق ساخرا، الدول النائمة، الحقيقة انها دولا مكبوتة ومقموعة، من قبل انظمتها القمعية، لقد اكتشفنا ان العالم هو النائم، لا بل ظهر لنا اكثر من ذلك، بعد ان خرجت هذه الشعوب، الى الساحات العامة والشوارع، بشكل سلمي رائع، تنشد امنها وحريتها وكرامتها، وبعد ان تعرضت لهول كل هذه الجرائم الوحشية البشعة، ولم يتحرك العالم قيد انملة، تأكد لنا يقينا وبالتجربة الاليمة والمريرة، ان العالم ميت، قلبا وضميرا ووجدانا، حسا وشعورا وعاطفة، لكن لا بد من العودة الى البدايات، حيث كان الشرق هو مهد الامن والعدل والسلام والحرية، وكذلك اليوم، سورية القيم والمثل العليا والقدوة، سورية المجد والعز والحرية والكرامة والاباء، والجود بالنفس غاية الجود، هي قلب العالم وقمته، شعب في القمة، في كل شي، ولا يتوهم احد مطلقا، انها ثورة على الانظمة السياسية الحاكمة فقط، بل هي ثورات فكرية وثقافية وعلمية وادبية وصناعية وزراعية، ثورة على الظلم والجهل والتخلف، والفقر والفساد وعلى المحسوبية والخروج على القانون، ثورة على الادب الهابط والفن الساقط والصحافة الصفراء والسوداء، وعلى كافة وسائل الاعلام التي لا تقدم ملهما ولا تقدس كلمة، وعلى كل وسائل العبث واللهو والمجون المقيتة، ولكون هذه الانظمة القمعية حالت دون انجاز ذلك، لا بل عملت على ترسيخ كل تلك الممارسات والاخلاقيات القذرة، كان لا بد من اكتساحها، لكي تبدأ في بناء حاضرها المزدهر وبناء مستقبلها المشرق، حقيقة ان العالم سيشهد عصرا جديدا زاهرا بكل معنى الكلمة، وسينعم بالامن والسلام والعدل والحرية لا محالة. اسمحوا لنا ايها الاحبة الاعزاء، ان نتخلى عن كل قيد وعرف والتزام، حتى في عالم الكتابة والثقافة والاعلام، ولا نلتزم الا بما تلزمنا الثورة به، كل ما تلزمنا به، أليس ذلك هو اول وانبل واقدس خدمة تقدمها لاهلنا وثورتنا المباركة، ألا تستحق منا ذلك، وهي تكاد لا تذكر امام انهار الدماء هذه التي تتدفق في كل ساعة وثانية، وامام فلذات اكبادنا الذين يسحقون ويحرقون بكل انواع القذائف، من طائرات ودروع ومدفعية وسكاكين وحراب، وانتهاك لكل الحرمات والاعراض، انه لشرف كبير لنا، ان نكتب ولو حرف واحد عن هذه الملحمة الانسانية الخالدة.
عبد حامد [email protected]