أي تأثير للأوضاع الاقتصادية في لبنان على ازدياد حالات الانتحار؟

ناديا الياس
حجم الخط
2

بيروت- “القدس العربي”:

مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية غير المسبوقة منذ عهود في لبنان، ارتفعت بشكل ملحوظ حالات الانتحار ولا سيما في صفوف الشباب كوسيلة سهلة للهروب من الأزمات المتعاقبة والمتلاحقة في البلد.

وقد تضاعفت حالات الانتحار في السنوات الأخيرة بحيث لا يكاد يمر أسبوع إلا وتسجل إحدى الحالات عبر عملية التسمم أو الشنق أو إطلاق الرصاص أو من خلال القفز من طوابق، ومعظم هذه الحالات سُجلت بين الذكور حسب دراسة في لبنان أعدها فريق من الأطباء النفسيين أفادت أن شخصاً ينهي حياته كل يومين ونصف وسط أوضاع سياسية واقتصادية ومالية غير مستقرة تمر بها البلاد منذ سنوات. وتفيد هذه الدراسة أن نسبة الرجال الذين يتوجهون إلى الانتحار بلغت 66 في المئة، فيما النساء 34 في المئة.

 وبينت الدراسة نفسها بالأرقام الطريقة التي أقدم عليها الضحايا لوضع حد لحياتهم وهي 41.4 في المئة بسلاح ناري، و26.5 في المئة عبر الشنق، و13.6 في المئة من خلال القفز من علو، و13.5 في المئة عبر تسميم أنفسهم.

وأعلنت إحصاءات أخرى أن شخصاً واحداً على الأقل يُقدم على الانتحار في لبنان كل 48 ساعة وسط ازدياد لتلك الحالات منذ عام 2016 بلغت نسبته 35.5، وبحسب بيانات قوى الأمن الداخلي بلغ عدد الوفيات نتيجة الانتحار 1366 حالة خلال 11 عاماً.

وعليه، فإن ازدياد حالات الانتحار استدعى تحركاً من قبل البرنامج الوطني للصحة النفسية ومنظمة الصحة العالمية وجمعية “امبرايس” الذين عقدوا مؤتمراً  بعنوان “كسر الصمت حول الانتحار” بدعم من الوكالة الفرنسية للتنمية والمعهد العالي للأعمال ناقشوا فيها الدوافع والمسببات وصولاً للبحث عن تقليص أعداد المنتحرين لأن الموت انتحاراً هو موت مجاني كما اعتبروه.

وتحدث الدكتور في علم النفس الاجتماعي جان كلود الحصري لـ”القدس العربي” عن أسباب ازدياد حالات الانتحار التي سجلت مؤخراً في لبنان، فقال: “نشهد في الوقت الحاضر تكاثر ظاهرة الانتحار أكثر فأكثر في المجتمع اللبناني، وهذا ليس بجديد بل منذ زمن، والانتحار موجود دائماً في المجتمع اللبناني وغيره، وإنما الأسباب كانت إما فردية أو نفسية أواجتماعية أو عائلية أو حتى فيزيولوجية، وإنما السبب اليوم يمكن أن يكون أكثر وضوحاً، وهو الاقتصادي والاجتماعي والمالي والسياسي”. ولفت إلى أن “الأفق المسدود أمام الناس والقفص الذي يشعرون بأنهم موجودون فيه، إلى درجة أن بعض الأفراد يقول لنا إنه يشعر أنه داخل قدر “طنجرة”، ولا أفق لديهم وكلما يحاول الشخص الخروج منه يعيدونه إلى الداخل”.

 وأضاف “إن الضائقة والأزمة والحرب التي أصابتهم وضعت عليهم ضغطاً كبيراً”، ولفت في السياق عينه إلى أن “هذا الجيل هو جيل نشأ في الحرب، وفي الأساس هو ضعيف بطفولته ويختزن في الذاكرة الجماعية في طفولته ما حصل إبان الحرب وما حصل من جوع في السبعينات والثمانينات والتسعينات، وهذا الجيل نفسه هم الآباء الذين تقع عليهم المسؤولية والضغوطات اليوم، وهم ذاتهم يعودون ويعيشون الTrauma أو الصدمة نفسها التي مروا بها، لذلك هم ليسوا مهيئين أن يتحملوا ما يحصل، لأنهم بالأساس متعبون. من هنا فهم يشعرون بأنهم غير قادرين على تخطي هذا السد الذي هو أمامهم، وهناك أناس لديهم مجال أن يسافروا ولديهم أناس في الخارج تساندهم ويتكلون عليهم”.

وعليه، اعتبر الدكتور الحصري أن “الانتحار مربوط بالشق الاقتصادي بالأساس والذي وضع كل هذه التأثيرات. فاليوم أي والد مسؤول ويريد أن يؤمن لأولاده المستلزمات الضرورية ولا يستطيع، يشعر بأن كرامته غير مصانة وعندها يشعر بالضعف، ومن هنا نلحظ الضغط عند الآباء والرجال أكثر لأنه مطلوب منهم أن يكونوا أقوياء ويشجعوا أولادهم ويعطوهم المعنويات، ومطلوب منهم أن يؤمنوا لهم الطبابة والصحة، وإنما الحالة الاقتصادية والنقص في الموارد يشعرهم بالعقم وبأنهم مقصرون وهذا الأمر يدفعهم إلى الشعور بالعدم”.

 ومن ناحية أخرى، رأى الحصري “أن ما يحصل عبر وسائل الإعلام والخطاب السياسي المتشنج وتراشق المسؤوليات والشكوى عبر الإعلام، يشعر المواطن بأنه مسؤول عن الشيء وإنما ليس بيده حيلة، واليوم المواطن الذي انتخب نوابه ليكونوا مسؤولين عنه هم الذين يريدون المساعدة بالنسبة له، كأنك تحمل الولد مسؤولية طلاق أهله أو مسؤولية مشاكل البيت أو المشاكل المادية للبيت. فالمواطن متروك لحاله لا بل هو مهان بكل شيء وهذا ما يزيد الضغط، لأن الإنسان عندما يُمس بكرامته وبعنفوانه وبشخصه يشعر بأن حياته اهتزت كلها. فاليوم هو يُذل أمام محطات البنزين ويُذل ويهان من أجل تأمين حبة الدواء ويُذل من أجل سحب أمواله، ويتبهدل من دون أن يصغي إليه أحد. في المستشفيات يقولون له لا يوجد دواء ولا يمكنك أن تُعالج”.

 وسأل “هيدا شو؟ هيدا خلوا ينقبر وهو عايش”. والانتحار ما هو إلا تنفيذ للحالة التي وضعوه فيها”، واستطرد “كأن المواطن اليوم في لبنان هو في حالة موت مع وقف التنفيذ، ومن هنا المشكلة الكبيرة الحاصلة، وهنا بالطبع لا نرى تبريراً أبداً، وإنما هؤلاء الأشخاص خلقوا لهم كل الأجواء ليكونوا مستعدين للانتحار، وهذا أمر مؤسف للغاية”.

وختم “إن السبب الأساسي المؤثر على زيادة معدل الانتحار في لبنان وفي العالم كله هي جائحة كورونا التي تركت آثارها السلبية والشخصية على نفسية العديد من الأشخاص”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية