ذي أتلانتك: فضيحة تافهة وبسيطة تهدد بنهاية لعبة الفوضى والخداع لجونسون

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” مقالا لتوم ماغتيغ حول ما أسماه “ووترغيت بوريس جونسون” قال فيه إن رئيس الوزراء البريطاني الذي أطلق عليه مرة “وزير الفوضى” قد يجبر على الاستقالة بعد تنظيمه حفلة في فترة الإغلاق.

وقال إن لوحة تصور لندن معلقة على مكتب جونسون في 10 دوانينغ ستريت، رسمتها والدته تشارلوت واهل التي ماتت قبل أربعة أشهر عن عمر 79 عاما حيث عاشت لترى ابنها يصبح رئيسا للوزراء وينتخب بهامش كبير أدى إلى فتح المجال أمام مرحلة جديدة في السياسة البريطانية: عهد جونسون.

وبالنسبة لواهل فقد كانت لحظة فخر وربما تأكيدا أنه مهما كانت المصاعب التي عانت منها أثناء طفولة بوريس فإنها قامت بالواجب من أجله. فعندما كان جونسون صغيرا عانت من انهيار عصبي قضت بسببه عدة أشهر في مستشفى في لندن بينما ظل بوريس في بروكسل. وعبرت عن حزنها من هذه اللحظة عبر سلسلة من اللوحات التي رسمتها أثناء إقامتها في مستشفى مودزلي. وفي واحدة من اللوحات صورت نفسها وزوجها ستانلي وأولادها الأربعة وهم معلقون من أيديهم وأسمتها “عائلة جونسون معلقة بالظروف”.

وبات مستقبل جونسون اليوم معلقا وبشكل خطير مثل الصورة ولظروف هي بالكامل من صنعه.

فهو يعيش وسط فضيحة سياسية ذات قوة غير عادية وتردد بشكل قد يجبر على ترك منصبه خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، مع أنه لم يقض سوى عامين من فترة خمس سنوات بعد فوزه الكبير عام 2019.

والفضيحة باتت معروفة وتدور حول حفلات أو تجمعات نظمت في عام 2020 و 2021 في وقت كان فيه البلد يراقب قيود الإغلاق للحد من انتشار كوفيد-19. وفي الوقت الذي سمحت فيه التعليمات الحكومية للمواطنين الحكوميين بمقابلة شخص واحد، التقى المسؤولون في داونينغ ستريت للإحتفال والشراب.

وفي الوقت الذي حرم فيه الناس من زيارة أصدقائهم الذين يحتضرون والعائلات في المستشفيات وبيوت الرعاية، كان جونسون وزوجته يشاركون في حفلة “أحضر شرابك معك” وبمشاركة 40 من المساعدين. وفي الوقت الحالي تم تكليف مسؤولة مستقلة بارزة بالتحقيق بكل الحفلات.

ويبدو أن هناك 10 حفلات عقدت في مقرات الحكومة. ويتم التحقيق في بعض الإحتفالات لمعرفة ما حدث فيها ومن حضرها وإن خرق المسؤولون القيود في ذلك الوقت. ويتوقع نشر نتائج التحقيق في الأسابيع المقبلة.

ولو وجد أن جونسون خرق القانون فسيصبح الضغط عليه لكي يغادر الحكومة كبيرا ولا يمكن التحكم به. في الوقت الذي يطالبه النواب المحافظين الخائفين على مقاعدهم بالرحيل حيث كان زعيم حزب المحافظين في اسكتلندا دوغلاس روس أول مسؤول بارز يطالبه باستقالته. وهي ضغوط كافية لدفعه للخروج، وسيكون أي تحقيق من الشرطة حول “حفلات الشراب التي لم يراع فيها التباعد الإجتماعي” القشة الأخيرة. ولو أجبر جونسون على الخروج من السلطة فسيكون فشلا سياسيا وشخصيا غير مسبوق في السياسة البريطانية الحديثة.

فمنذ عام 1945 لم يحصل أن سقط رئيس وزراء بريطاني بسرعة بعد تحقيقه الإنجاز الإنتخابي الذي حققه جونسون. واستقال أنتوني إيدن،  وزير خارجية وينستون تشرتشل من رئاسة الوزراء عام 1957 بعد توليه السلطة بعامين. لكن الداعي على استقالته كان المرض والفشل في السياسة الخارجية وأزمة السويس التي كانت لحظة إهانة كبيرة لسياسات بريطانيا في مرحلة ما بعد الحرب.

وبالنسبة للكثير من الناس فكارثة جونسون هي البريكسيت لكنها ليست سبب تعرضه للضغط. وفي الحقيقة فقد قامت سلطته وشعبيته على إنهاء ملف الخروج من الإتحاد الأوروبي. والموازي الوحيد الذي يمكن استحضاره في هذه المناسبة هو رئيس الوزراء ديفيد جورج لويد الذي قاد حزبه لفوز بعد الحرب العالمية الأولى وأدى ببعض المحافظين للتعليق “يمكنه أن يكون رئيس وزراء مدى الحياة، لو أراد”، لكنه استقال بعد سلسلة من الفضائح التي أضعفت دعمه ودفع الحزب المحافظ للخروج من الإئتلاف الذي كان يقوده.

ولعل المقارنة الأفضل هي مع ريتشارد نيكسون، الرجل الذي كان يتمتع بمواهب سياسية غير عادية وأكثر من جونسون، وأجبر على الخروج من السلطة بعد الفضيحة التي يعرفها الجميع. فقد استقال عام 1974 بعد عامين من فوز ساحق له وفاز بكل ولاية إلا ماساشوستس. ولا يوجد ما يشبه الدراما الشكسبيرية البطيئة التي خنقت نيسكون في التاريخ الديمقراطي الحديث، والتي جمعت ما بين المأساة الشخصية والضعف الإنساني والغباء الجنائي والعدالة الطبيعية بخاتمة صنعها التلفزيون.

وبالمقارنة فووترغيت جونسون هي “بارتي غيت” أي “فضيحة الحفلة” وهي مناسبة صغيرة ورخيصة وبمستوى متدن وتدعو إلى الشفقة، ولكنها تحمل كل عناصر المأساة والضعف والحماقة والعدالة الطبيعية. ولكن جونسون لم يكن بحاجة لارتكاب “جريمة عالية أو جنحة” لكي يجبر على ترك المنصب. فالمسألة الرئيسية الواجب تذكرها هي أن بريطانيا وعلى خلاف الولايات المتحدة، هي نظام برلماني ويعني أن رئيس الوزراء هو الشخصية التنفيذية الأقوى في مجلس العموم بسبب حزبه.

وأمل جونسون هو أن يقنع فيه حزبه بمنحه الفرصة حتى تنتهي الأزمة والصلاة بألا تظهر فضائح أخرى. وبالنسبة لجونسون، كما كان حال  نيكسون، فالواقع لم يعد تحت سيطرته.

ومثل ووترغيت فبارتي غيت كشفت عن مزايا في شخصيته طالما ميزت جونسون، ولكن نظر إليها بأنها غير مهمة أو إيجابية عندما يتم التعامل مع البريكسيت. وعندما يتم تطبيقها على الوباء فهي صفات لا تؤهله للحكم. ووصف الكاتب جونسون في صورة قلمية له العام الماضي بأنه “وزير الفوضى” الذي ينتعش في احتقاره للقواعد التي تطبق على كل واحد. وهو سياسي “يشبه كائنات أخرى” و”أشعث بطريقة سطحية ولكنه مركز وحذر” ورجل يحب الفوضى في الحياة ويعتقد أن الطريقة الرئيسية هي التكيف معها لا ترتيبها. وطبق هذا على رؤيته للعالم ولهذا آمن بنجاح بريطانيا بعد البريكسيت وقدرتها على التكيف والإزدهار بعد خروجها من الإتحاد الأوروبي.

والفكرة هي أن الفوضى حول جونسون كانت عرضا وحقيقة. فقد اعتقد أن القواعد لا تنطبق عليه لأن من حوله يعتقد أنه غير جاد. وكان التحدي الأكبر بعد انتصاره هو كيفية نقل ثورة البريكسيت إلى المستوى الإداري ويثبت أن رؤيته نجحت، لكنه فشل وفضل البقاء في الفوضى.

والمفارقة هي أن جونسون يفهم مظاهر ضعفه أكثر من أي شخص آخر وفضل أن يظل مثل الفراشة العظيمة منجذبا إلى لهب نهايته السياسية. وقبل أن يصبح رئيس وزراء كان جونسون كاتبا وصحافيا وكتب للأطفال وسيرة ذاتية عن تشرتشل وألف روايات رخيصة وتافهة.

وفي روايته “الحوريات الـ72” كان بطلها سياسيا محافظا بدون أصدقاء ورافض للمبادئ. وبطلها روجر بارلو تلاحقه الصحافة ولا يعرف القارئ نهايتها إلا بعد نشر القصة الحقيقية لنهايته، وهو مهووس بهذه الحالة في البحث عن القصة النهائية التي تنشرها الصحافة. ومهما كان ضعف شخصياته وتعبيرها عن وعيه الخاص فإن جونسون كرئيس وزراء كان يعرف أن المسؤولية السياسة ستؤكد ضعفه وتعريها أمام نظر العالم. كما وعبر جونسون وبشكل مستمر عن وعي ساخر وعميق بمصير السياسيين. ففي مقال نشره بكتاب “هل لدي أراء لك” قال فيه إن الساسة ليسوا إلا تكرارا لتقاليد العصر القديم “كيف نختار ملوكا لمجتمعاتنا وكيف نقتلهم لكي نحصل على ولادة من نوع ما”. وواصل قائلا “بعض الملوك هم أبرياء وبالتأكيد حمل بعضهم كل ذنوب العالم وهناك من هم أقل براءة، ولا يهم ويجب أن يموتوا”.

وفي النهاية يؤمن جونسون أن الرواية أهم من الحقائق “يعيش الناس من خلال الرواية”، كما أخبر الكاتب في واحدة من المقابلات “والناس هم مخلوقات الخيال”.

وسواء ثبتت براءة أو جريمة جونسون في التحقيق الرسمي فستكون ذات أثار عظيمة. وقد ينجو ويستمر في منصبه مدة أطول من الآن. ويجب ألا يشكو من أن البلد الذي اختار الإيمان به لا يتوافق مع رؤيته عن الأحداث. وأحب أم كره فجونسون هو الملك الشرير في فضيحة الحفلة. ويأمل جونسون بالنجاة كي يحرف نظر الناخب برؤية مختلفة جدا، وهذه المرة ليست سهلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية