مباحثات “تاريخية” بين تركيا وأرمينيا.. توقعات بعودة العلاقات الدبلوماسية وفتح الحدود

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول-“القدس العربي”: تستضيف العاصمة الروسية موسكو، الجمعة، جلسة مباحثات تاريخية بين تركيا وأرمينيا لأول مرة منذ عقود في محاولة جادة من الطرفين يتوقع أن تقود إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية وإعادة فتح الحدود المغلقة بين البلدين منذ عام 1992، وذلك مع الإعلان عن وصول أول رحلة جوية من بريفان إلى أنقرة في الثاني من شهر فبراير/شباط المقبل.
وبداية العام الجاري، اتفق البلدان على التمثيل المتبادل، حيث أعلنت أنقرة تعيين سردار كيليتش السفير التركي السابق في واشنطن ممثلاً خاصاً لها في بريفان، في المقابل أعلنت أرمينيا تعيين روبن روبينيان نائب رئيس الجمعية الوطنية الأرمينية ممثلاً لها في أنقرة، ومن المقرر أن يلتقي الممثلان في موسكو التي ستستضيف أول جلسة حوار بين البلدين منذ عقود بحسب ما أكدت مصادر متطابقة من البلدين.
وفي إطار خطوات بناء الثقة، أعلنت تركيا استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين أنقرة وبريفان، والخميس، كشفت وكالة تاس الروسية أن شركة الطيران الأرمينية “فلاي ون أرمينيا” حصلت على إذن من السلطات التركية لتسيير رحلات بين أرمينيا وتركيا، على أن تنظم الرحلة الأولى في الثاني من فبراير/شباط المقبل.
من جهتها، أعلنت الحكومة الأرمينية في نهاية العام الماضي عدم تمديد الحظر المفروض على استيراد البضائع التركية تلبية لطلب رجال الأعمال في البلاد، وهي الخطوة التي تؤشر إلى رغبة البلدين في الإقدام على خطوات أكبر في المرحلة المقبلة يتوقع أن يكون أبرزها إعادة فتح الحدود المغلقة بين البلدين.
وبحسب بيان لوزارة الخارجية التركية أكد عقد الجلسة الأولى بين ممثلي البلدين في موسكو، الجمعة، فإن الاجتماع “سيبحث عملية التطبيع بين البلدين”، وفي هذا الإطار نقلت وكالة تاس عن الخارجية الأرمينية قولها إن أرمينيا تتوقع إقامة علاقات دبلوماسية مع تركيا وفتح الحدود بين البلدين كنتيجة للحوار بينهما.
وفي لقاء تلفزيوني قبل أيام، لفت وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو إلى أن بلاده بعثت “برسائل إيجابية للتطبيع مع أرمينيا انطلاقًا من مفهوم الاستقرار والسلام في جنوب القوقاز عقب انتصار أذربيجان في إقليم قره باغ”، موضحاً أن “الممثلين الخاصين سيتبادلان الآراء في الاجتماع الأول حول خارطة طريق بشأن الخطوات التي يمكن اتخاذها، بما في ذلك خطوات بناء الثقة بين البلدين”.
من جهته، أعرب وزير الدفاع التركي خلوصي أقار عن أمله “أن تفهم وتتقبل أرمينيا يد السلام التي مدها لها الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان، والأذربيجاني إلهام علييف”، في حين قال إبراهيم قالن المتحدث باسم الرئاسة التركية: “عندما أنهت تركيا علاقاتها الدبلوماسية مع أرمينيا وأغلقت بواباتها الحدودية عام 1992، فإن المسألة الرئيسية كانت تكمن في احتلال أرمينيا إقليم قره باغ، ولكن مع الانتصار (الأذربيجاني) الذي تحقق بعد حرب استمرت 44 يومًا خلال العام الماضي، تم حل المشكلة وعاد الإقليم إلى الأراضي الأذربيجانية وأُزيلت المسألة التي دفعتنا إلى قطع علاقاتنا مع أرمينيا.. لذلك لا يوجد سبب لعدم التطبيع بعد الآن”.
وأضاف قالن: “أعتقد أن العملية ستتقدم بسرعة وبشكل بناء بعد الآن، هناك إرادة في هذا الاتجاه من الجانب الأرميني، وإرادتنا واضحة وصريحة في هذا الشأن. باعتبارها (أرمينيا) جارتنا نرغب في فتح الحدود وبدء العلاقات الدبلوماسية معها، لهذا يجب استيفاء شروط معينة ويجب التفاوض على قضايا معينة، وهذا ما تهدف إليه العملية التي يتعين على الممثلين الخاصين تنفيذها”.
وعقب استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991 اعترفت تركيا بأرمينيا كجمهورية مستقلة، لكن ما لبثت أن تفجرت الخلافات بين البلدين عقب احتلال أرمينيا لإقليم قره باغ الأذربيجاني عام 1992، وإلى جانب الإرث التاريخي الصعب المتعلق بأحداث الأرمن إبان الدولة العثمانية بقي ملف قره باغ من أهم ملفات الخلاف بين البلدين، ويعتقد أن نتائج الحرب الأخيرة وقبول أذربيجان وأرمينيا باتفاق الهدنة الأخير ساهم في تحريك العلاقات التركية الأرمينية حيث كانت أذربيجان تعترض سابقاً على أي تحسن في علاقات تركيا مع أرمينيا وهو ما دفع الوزير التركي للتأكيد على أن الخطوات التركية الجديدة مع أرمينيا ستكون بالتنسيق مع أذربيجان.
ومنذ أسابيع تبادل البلدان تصريحات ورسائل إيجابية مختلفة، لكنها المرة الأولى التي يجري الحديث فيها عن البدء بإجراءات عملية على الأرض في إطار خطوات تطبيع العلاقات بين البلدين وهو ما يشير إلى أن المسار تجاوز مرحلة الرغبة وتبادل الرسائل وانتقل إلى مرحلة البدء بالخطوات العملية التي يمكن أن تنجح في تحقيق اختراق ولو طفيف في العلاقات بين البلدين، خاصة وأن أرمينيا التي اشترطت مراراً “الاعتراف بالإبادة الأرمينية” وافقت على وضع المسألة جانباً لإفساح المجال أمام تطبيع العلاقات.
وعلى الرغم من وجود متغيرات مهمة تدفع الطرفين نحو تقديم تنازلات لتجاوز الخلافات إلا أن عدد من المؤرخين والسياسين يرون أن الإرث التاريخي الثقيل والتباعد الكبير في المواقف يجعل من الصعب التفاؤل والتكهن بإمكانية حصول اختراق حقيقي كبير مع التأكيد على أهمية التصريحات والخطوات الأخيرة في بناء أرضية قد تفتح الباب أمام حوار حقيقي بين الجانبين وخطوات إيجابية تدريجية قد تؤسس بالفعل لصفحة جديدة وإن كان ذلك عبر خطوات صغيرة وتدريجية وبطيئة.
ويعتبر ملف “مذابح الأرمن” من أبرز الخلافات التاريخية العميقة بين البلدين، حيث تطالب أرمينيا باعتبار ما جرى في الدولة العثمانية بالحرب العالمية الأولى “إبادة جماعية” واعتراف تركيا بها ودفع تعويضات عن مقتل قرابة 1.5 مليون أرمني، لكن تركيا تعتبر ما جرى في تلك الحقبة “مأساة جماعية للطرفين” وتشير إلى وقوع مذابح من الطرفين وسقوط ضحايا بمئات الآلاف من الجانبين، وتطالب بـ”إبعاد الملف عن التجاذبات السياسية والعمل عليه في إطار المؤرخين مؤكدة استعدادها لفتح الأرشيف العثماني بشكل كامل للمؤرخين”، كما تدعو إلى طي صفحة الماضي والعمل على فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين.
كما يدعم التحركات الأخيرة التوجه التركي العام بمحاولة طي الكثير من ملفات الخلاف مع دول المنطقة والعالم، حيث يقود الرئيس التركي حملة دبلوماسية تهدف لإصلاح العلاقات مع الكثير من الدول كما يجري حالياً مع مصر والإمارات والسعودية والاتحاد الأوروبي، وفي هذا الإطار يظهر مدى استعداد أنقرة حتى لتقديم تنازلات في سبيل فتح ثغرة في جدار العلاقات المقطوعة والحدود المغلقة بين البلدين، حيث من شأن أي حوار تركي أرميني أن يرسل رسائل إيجابية إلى الاتحاد الأوروبي والعالم حتى وإن لم يصل الجانبين إلى نتائج كبيرة.
وعلى الرغم من الملفات التاريخية الثقيلة والخلافات المتشعبة، إلا أنه من المتوقع أن تلعب الدوافع الاقتصادية دوراً مهماً في أي مساعي لتطبيع العلاقات حيث شكل الاقتصاد المتداعي عالمياً عقب جائحة كورونا دافعاً للكثير من الدول لتحييد خلافاتها بدوافع اقتصادية، يضاف إلى ذلك رغبة أرمينيا من الخروج من سياسة الانغلاق والاعتماد على الحلفاء -الذين ترى انهم خذلوها في حرب قره باغ- ورغبة أنقرة الجامحة في تقليل خلافاتها وبشكل خاص مع دول الجوار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية