على مدى عشرة أعوام كان أول من يطل علينا مبتسماً من خلال شاشة التلفزيون خارجاً من باب الأكاديمية السويدية الأبيض، المطرز بحواشٍ ذهبية الألوان ليعلن على الملأ، اسم الفائز بجائزة نوبل للآداب، وسط حضور إعلامي كثيف، بحكم موقعه سكرتيرا دائما للأكاديمية السويدية في الفترة الواقعة ما بين 1999-2009. وبطبيعة الحال فهو لا يزال عضواً في الأكاديمية شاغلاً المقعد رقم 17 منذ أن انتخب عام 1997، وجدير بالذكر أن العضوية في الأكاديمية هي لمدى الحياة.
إنه هوراس إنغدال من مواليد 1948 مدينة كارلس كورونا، كاتب، ناقد ومؤرخ أدبي، وهو اسم مركزي لا يمكن تجاهله في الساحة الأدبية السويدية منذ صدور باكورة أعماله: «النص الرومانسي» 1986 وحتى يومنا هذا.
مواقفه المحافظة من جدلية العلاقة بين الرجل والمرأة، وعدم تأييده لمنظمة (مي تو) وإدانة صديقه: جان كلود أرنولت عام 2018 بتهمة الاعتداء الجنسي ومصارحته، بأن الرجل والمرأة مختلفان، فكيف يمكن التساوي بينهما؟ وقوله خلال الأزمة التي شلّت حركة الأكاديمية، إنه ربما كان من الأفضل لو أن السكرتير الدائم رجل، في إشارة إلى ضعف سارة دانيوس السكرتيرة الدائمة في حينها، التي وافتها المنية ورحلت عن عالمنا في أكتوبر/تشرين الأول 2019. كل ذلك جعله عرضة لحملة انتقادات واسعة ولاذعة، حتى ذهب البعض بعيداً لدرجة وصفه بأنه (خنزير في ثوب مثقف أكاديمي).
أنغدال مميزٌ في السرد، من خلال لغة جميلة قريبة إلى الشعر منها إلى النثر، معلم في صياغة المعاني، دون تكلّف، ما يؤهله للتمكن من أخذ القارئ من تلابيبه وكأنه يريد أن يسير به وهو في المنام آملاً في الوصول إلى الجرعة الأخيرة من حكمه وأقواله، التي يعتبرها شظايا نثرية. وربما يكون محقاً في ذلك فهي ليست نصوصاً أدبية، بمعنى النص المتكامل ولا قصائد شعرية ولا رواية، بل إنها تعابير قريبة من النصوص فيسبوكية أو التويترية، لكن على شاكلة أقوال حكيمة بعضها مترابطة وأخرى مستقلة، شبيهة بتلك الأقوال المأثورة التقليدية، التي اعتادت أمم الأرض على تداولها وتوارثها جيلا بعد الآخر، مع فارق أن هذه الأقوال والحكم هي من صُلب تجارب ومعارك وقراءات أكاديمي خبير، متمكن من أدواته المعرفية واللغوية، ولا مبالغة في تسمية هذا اللون من الإبداع بجنس أدبي جديد خاص به، منذ كتابه «النيازك» 1999 – «السيجارة بعد ذلك» 2011 – «الخنزير الأخير» 2016 – «اللامبالون» 2019 – «أوب. 101» عام 2021 على غرار سيمفونية بيتهوفين بالاسم نفسه.
لا سطحية في كتابات أنغدال، بل هو تصوير عميق، قصير ومكثف لإشكاليات الحياة الكبيرة والمهمة، وكما أسلفنا فإن الكثير منها يدور حول طبيعة العلاقة بين المرأة والرجل، كل ذلك بصورة استفزازية بعيدة عن العفوية. لا شك في أن الجرأة يجب أن تكون استثنائية في طرح مثل هذه المواضيع، في زمن يغلب عليه طابع الرياء المنمق، خاصة في ما يتعلق بمناصرة الشعارات النسوية ومشكلة المساواة بين الجنسين، حيث أن هذا الأمر على وجه الخصوص في دولة مثل السويد، يحتل المرتبة الأولى من مسرحها السياسي والثقافي، ويكاد الأمر أن يكون قريباً إلى التطرف في تبني هذه الإشكالية، كما تأتي في المرتبة الثانية شعارات صداقة البيئة، وبالتالي فإن هذين الأمرين أصبحا مثل ركيزتين أساسيتين لديانة سماوية جديدة، ومن لا يعلن إيمانه يعدُّ كافراً، فما بالك بمن ينتقدهما؟ حتى المطالبة بالاعتدال يعتبر أمراً فيه الكثير من المجازفة، ويتطلب كماً كبيراً من الشجاعة والثقة بالنفس. التحدي كبير ليس فقط لأنهما من الأمور المثيرة للجدل وحسب، بل لأن التيار أيضاً يسير في اتجاه واحد فقط، ليأتي على كل ما يعتبر رجعياً، وكل ما هو مخالف للمعايير والموضة والتطلعات الغربية الحديثة والمستحدثة معاً، لدرجة يُعرّض صاحب الرأي المخالف إلى حملة سلبية شعواء وكأنها فتاوى غير رسمية، تهدد كل من يكون مناهضاً لمبادئ الديانة الجديدة بوضعه في ثلاجة عصرية، ليستقيم فيها حتى لو كان هذا الشخص سويدياً أكاديمياً عريقاً مثل إنغدال.
في ما يلي اخترت بعضاً من أقوال هوراس إنغدال التي ترجمتها من كتابه «الخنزير الأخير»:
من السهل تحويل إنسان إلى وحش، أوكل المهمة لصحافي وحسب!
لاختراق الكامل هو هزيمة أبدية للمرأة ونصر أبدي للرجل
الفلسفة صالة انتظار، البعض يبقى فيها بينما آخرون يختفون، يصعدون قطار الحياة كل إلى شأنه.
العاشق هو من يقرر كيف يريد أن تكون حبيبته، هكذا في الشعر. لذلك هناك شعر.
مقولة بير لاغركفيست الجميلة «كل شيء ممنوح للإنسان إعارة» تتحول حرفياً إلى حقيقة.
أن تكتب للنخبة المثقفة كأنك محبوس في مصعد مقطوع عنه الكهرباء.
الناس الأشرار أشرار لأنهم مقتنعون تماماً بأن الغاية من أفعالهم هي فعل الخير.
الحقيقة مرمية في الشارع، لكن لا أحد يلتقطها، هكذا يقول الشعر.
الأحكام المسبقة هي تلك الملاحظات المزعجة فقط التي ننتقيها من الوقائع.
النقد الذاتي يأتي نتيجة الخوف من الافتضاح، أكثر من تبعيته لتأنيب الضمير، فأنا ضميري يقبل الكتابة كيفما اتفق، لكن النقد الذاتي يوقفني! لأنني أخشى أن شخصاً ما أكنُّ له الاحترام قد لا يروق له ما كتبته.
هناك طريقتان فقط للتوصل إلى حل أي مشكلة: إما أن تحتقر الجميع، أو أن تستجوب نفسك دائماً لتتعرف على ما ينال إعجاب الآخرين!
الذكاء حيادي، الشخص الذكي يدرك مباشرة أن نظيره على حق.
الإنسان حيوان لا يحتمل طبيعته.
الموت كتاب قديم نحن مشاركون فيه.
لكي تكون إنساناً صالحاً عليك أولاً أن تحتمل رائحتك.
الله على الأغلب يسامح أصحاب الرسوم المسيئة التي جنت جنون الملالي.
حسب شوبنهاور، الخمسون سنة الأولى من حياة الرجل تعتبر النص، أما المتبقي فما هو إلا حيز للتعليقات وحسب. على هذا الأساس إذا ارتبط رجل مع امرأة في سن متأخرة، عليه أن يقول لها إنها لن تصبح جزءا من الحكاية، لكنها سوف تكون حاشية جميلة في أسفلها، لكن شوبنهاور يبقى شوبنهاور.
لسنا خائفين من الناس لكننا خائفون من حقوقهم.
عيب المترجم مقارنة مع المؤلف أن عليه فهم النص.
كاتب ومترجم سوري