أحمد زكي ويسرا في «امرأة واحدة لا تكفي»
باعتبار الصحافة وسيطا شعبيا وجماهيريا، وتتميز باللغة السهلة المُمتنعة، وبالقطع لها تأثير كبير في الرأي العام، فقد وردت تفاصيلها في الكثير من الأفلام السينمائية المصرية، والأعمال الدرامية التلفزيونية، ورغم كثرة التناول وتمرّس بعض كُتاب السيناريو على الكتابة الصحافية، كونها ذات صلة بموهبتهم الإبداعية، إلا أن معظم التجارب المصورة على الشاشتين الكبيرة والصغيرة، جاءت ساذجة وبعيدة عن الأجواء الصحافية الحقيقية وكواليس المهنة الشاقة.
وربما تكون هناك تجربة أو تجربتان أو ثلاث تجارب، على الأكثر هي التي نجحت بالفعل في تجسيد الواقع الصحافي أو على الأقل اقتربت منه بدرجة كبيرة، ولعل السبب في هذا الاقتراب يرجع إلى مهارة أصحاب الروايات المأخوذة عنها الأعمال الفنية، واضطلاعهم بنقل تجاربهم بشكل صادق ودقيق.
ولو بدأنا بأهم ما نقلته الدراما التلفزيونية عن الصحافة، ستأتي تجربة الكاتب فتحي غانم الروائية «زينب والعرش» في المقام الأول بلا منافس، فقد اعتنى الكاتب بتناول أهم المُشكلات والصراعات الدائرة في كواليس الجريدة، حول السُلطة والنفوذ ومكانة الكرسي الذي يجلس علية رئيس التحرير «عبد الهادي النجار» محمود مرسي وعلاقته بدوائر الحكم وأثر العلاقة العاطفية المفاجئة في حياته وتعلقه بـ«زينب» سهير رمزي، وخبرته في التعامل مع الصراعات الكبيرة والصغيرة داخل الجريدة وهلم جرا.
يُضاف إلى ذلك المساحة الدرامية الطويلة، التي تضمنها العمل الروائي المهم، فسمحت بتمدد الأحداث وتنوعها على الشاشة وشمولها للعديد من الشخصيات والأطماع والأفكار والطموحات المشروعة، وغير المشروعة لدى الصحافي الانتهازي «حسن زيدان» صلاح قابيل، أو غيرة من الصحافيين الجادين المقهورين بالضرورة، التي تُحاك ضدهم المؤامرات في أغلب الأحيان، لأنهم لا يمتلكون القُدرة على المناورة، ويفتقدون للحيطة والحذر اللازمين لأي شخص يعمل في مهنة ذات طبيعة خاصة.
العمل الثاني الذي وثق به الكاتب مصطفى أمين لعالم الصحافة والصحافيين هو رواية «لا» التي تم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني صادف في حينه نجاحاً كبيراً، حيث أورد مصطفى أمين في روايته تفاصيل مهمة عن محنة الموظف عبد المُتعال محجوب في فترة الأربعينيات، مُسقطاً واقع الموظف البائس على مصر، في فترات الاحتلال البريطاني، إبان تبعية الملك وحاشيته ونظام حكمة للمندوب السامي، الحاكم الفعلي للبلاد آنذاك.
ورغم أن السياق كان سياسياً بحتاً ويُمثل نقداً حاداً للفترة الملكية، إلا أن الكاتب لم يُعفِ الصحافة من مسؤولية ما جرى لعبد المُتعال محجوب، فقد أشار بوضوح إلى تواطؤ الصحافة في تلك الفترة، وابتعادها عن هموم ومشكلات المواطنين، واهتمامها بأخبار السرايا والقصر، ولهاثها وراء أخبار نجمات السينما والمسرح، وهي شهادة مُعتبرة من مصطفى أمين للزمن والتاريخ.
أما ما كتبه الكاتب الصحافي موسى صبري عن الصحافة المصرية في الفترة السابقة على قيام ثورة يوليو/تموز وما بعدها، فكان صادماً للغاية وربما يكون مُبالغا فيه أيضاً، فقد جاءت روايته التي تم تحويلها إلى فيلم بعنوان «بلاط صاحبة الجلالة» مُركزة بشكل مُكثف على رحلة محفوظ عجب، ذلك الصحافي الانتهازي المُتسلق، الذي أدى دورة في السينما سمير صبري، حيث كشفت الشخصية عن بواطن وأسرار الصحافة في مرحلة سياسية وصحافية لم تكن فوق الشُبهات، إذ سلط صبري الضوء على عورات البطل الأخلاقية، وكشف سوءات مسيرته الصحافية العارية من أي نزاهة، فهذا الصحافي كما صوره الكاتب، عمل لصالح أصحاب النفوذ والسُلطة ولم يُعر للقيمة الأدبية أو المهنية أي اعتبار، فجاء عنواناً للبيع والرشوة والفساد والسقوط الأخلاقي، وهي جرأة التصوير والتعبير لدى الكاتب، الذي لم يتحرج من فضح الشخصية ونقدها بكل قسوة، مُسلماً ما كتبة للسينما، كي تقوم بالدور ذاته، فتزيد من انتشار القصة وذيوعها جماهيرياً وشعبياً، فتصير نموذجاً سلبياً مرفوضاً ومُقززاً.
وفي فيلم «امرأة واحدة لا تكفي» يجسد أحمد زكي شخصية صحافي يجابه فساد رئيس التحرير سعيد عبد الغني، لكن يعتري المضمون الصحافي في هذا الفيلم الكثير من النقصان وعدم التدقيق في طبيعة العمل الصحافي، فتأتي الرؤية باهتة وضعيفة، رغم الأداء المتميز لأحمد زكي، وفي فيلم «الهروب» نجد الصحافة أكثر جدية في تعاملها مع قضايا الرأي العام، وتتبع أخبار الجريمة، ويرجع ذلك لذكاء المخرج عاطف الطيب وإيمانه بالدور الإيجابي الذي تلعبه الصحافة إزاء القضايا الكبرى.
وفي هذا الصدد تباينت المستويات في تناول عالم الصحافة وشخصية الصحافي، فهناك أفلام تعاملت بخفة في تقييمها، أو تعرضها لخصوصية الصحافة والصحافيين، كما ورد في فيلم «يوم من عمري» للمخرج عاطف سالم وبطولة عبد الحليم حافظ ومحمود المليجي وعبد السلام النابلسي، الثلاثي الذي قدم المخرج من خلالهم شخصية الصحافي بتنويعاتها وثقافاتها المختلفة، فظهر عبد الحليم نموذجاً للصحافي المبدئي الأخلاقي، الذي يرفض المزايدة والمُتاجرة والابتزاز ويربو بحبه لابنة المليونير زبيدة ثروت فوق الشبهات، على عكس عبد السلام النابلسي المصور الانتهازي الذي يصحو ضميره في اللحظات الأخيرة، فيمتنع عن الاستغلال وانتهاز الفرصة الذهبية لابتزاز المليونير زكي طُليمات.
أما محمود المليجي فكان أقرب للصورة النمطية لشخصية رئيس التحرير، الذي يبحث عن السبق الصحافي وينهر الصحافيين ويكدرهم، إذا ما فشلوا في تحقيق مهامهم وفق تصوره ورؤيته، وإن بدا نزيهاً وموهوباً ومُهاباً.
هكذا جاءت مُعظم الصور الصحافية في السينما المصرية والدراما، بعضها موضوعي وبعضها ساذج وكوميدي.
كاتب مصري