ضبابية الحقيقة ووضوح المجاز

لا أدري إن أنا تكلمت في حديثي اليومي هل أنا أصف بدقة حقيقة ما يحدث؟ أم أنا أباعد وأقع بعيدا عن المعاني التي عليّ أن أقولها. لا أحد يفكر مثل لساني في هذه الأشياء، ومن حسن الحظ أن الناس منشغلون عن اللغة حين يصرفونها للتعبير عن قضايا الكون وبعيدا عن التعبير عن قضاياها.
لا أحد يُفكر حين أقول له: (السلام عليكم) في السلام ولا في الحرب، رغم أني ذكرت له ذلك؛ وفي رده على تحيتي بقوله (وعليكم السلام) سيكون أيضا منشغلا عن معنى السلام، رغم كونه قد ذكر العبارة نفسها. وربما انشغل ذهن من أسلّم عليه بعلة اختياري هذا الضرب من التحية، وربما وضعني في خانة الملتزمين بتحيات الإسلام، وقد ينصرف ذهنه إلى أشياء أخرى فقد يقول بينه وبين نفسه مثلا: سبحان مغير الأحوال أيحييني بتحية الإسلام وهو العلماني؟ لكنه وهو يخوض في أسئلة مقامية عن التحية، لا يذهب ذهنه لا إلى الحرب ولا إلى السلام اللذين لا أحد يستحضرهما اليوم وهو يلقي هذه التحية.
من الممكن أن يكون للسلام معناه النقيض للحرب، حين استُعمل أول مرة؛ ومن الممكن أن هذه التحية كانت مخصوصة بين متحاربين تضطرهما الحرب إلى الكلام وإلى إفشاء السلام قبله، ويحتاج الشق الذي يسلم أولا أن يطمئِن الثاني بأنه لا خوف على حياته، وأن سلامه مكفول عند المحادثة، إذ ليس من أخلاق الحرب قتل الرسل. هذا سلام حَربي إذن فلماذا صار هو السلام الأبدي في غير أوقات الحرب؟ ومن الممكن أن يكون السلام اسما من أسماء الله الحسنى، فكأنه يعني عندئذ أن الله يرعاكم لأنه يراكم من عليائه ويحرسكم. فيكون رد التحية بذلك نوعا من تبادل الدعاء لله كي يرعانا. مرة أخرى لا أحد يتذكر ذلك حين يفشي السلام، أو يرده مثلما يذكره من يدعو الله بقوله (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام).
الأقرب أن معنى الكلمات في مثل أغلب التحيات تغيب دلالتها الأصلية، أو تنسى بمضي الوقت، ويبقى مفعولها البراغماتي بما هي عمل لغوي بابه الأكبر المجاملات. الكلام في التحية لا يقصد كلامه في ذاته، إن كان حقيقة أم مجازا، وإنما يقصد ما يفعله فينا ذلك الكلام وبنا، حين نلتقي ونتبادل المجاملات.
البحث في تأصيل كلام التحية شأن لا يعني المتكلمين، بل يعني الباحثين من أمثال اللسانيين في تاريخ المعاني وتاريخ الكلمات. لا يعني تاريخ الكلمات في هذا السياق أول عهد في تداولها. هذه رؤية واحدة من رؤى متعددة في التأريخ للكلمات هي السائدة، نجدها في المعاجم التاريخية في اللغات التي تحيّن استعمالات كلماتها سنويا في المعاجم، أو بأن تذكر تاريخ استعمالها الأول الحقيقي أو التقديري. لكن استعمال المركبات من نوع التحيات أكثر إشكالا حتى في التحيات التي اكتسب ضربا من التكلس مثل (السلام عليكم وصباح الخير وأهلا وسهلا). هذا التاريخ لا يمكن أن يظفر به بسهولة في المؤلفات، مثلما يكون الأمر مع المفردات. قد يكون وراء تاريخ هذا الضرب من التعابير قصص تروي استعمالها أول مرة، وكثيرا ما تتحفنا النصوص بذلك، بأن تردّ الأمثال خصوصا إلى قصص واقعية أو شبه واقعية، هي التي كانت بداية من بدايات تداولها. لكن في تاريخ الحضارة العربية يصعب ضبط تاريخ دقيق لكلمات التحيات، فما ذكرناه سابقا من افتراض تخييلي لاستعمال كلمة السلام عليكم، حكمنا فيه على أنها إسلامية الروح، ولذلك ظللنا في هذه الفترة التاريخية، لكن قد ينقض رأينا من يقول إن السلام هي كلمة لم يحدثها المسلمون، بل من الممكن أن يكونوا أخذوها من الديانات القديمة، وعندئذ سيصبح الأمر عصيا عن التأريخ، لأننا لن نبحث عندئذ عن الاستعمال الأول للتحية، بل سنبحث عن إعادة تبييئها في الثقافة الإسلامية، وهذا ضرب من الاقتراض الذي يحدث فيه ضرب من العدول من ناحية والتكييف الثقافي من ناحية أخرى.

البحث في تأصيل كلام التحية شأن لا يعني المتكلمين، بل يعني الباحثين من أمثال اللسانيين في تاريخ المعاني وتاريخ الكلمات. لا يعني تاريخ الكلمات في هذا السياق أول عهد في تداولها.

هناك طريق يمكن أن يُطمأن إليه في رصد تاريخية العبارات، هو طريق الحقيقة والمجاز، إذ يعتقد أن الكلمات تكون لها موضعات أصلية ما تفتأ أن تتحول عنها لقرينة فتمر إلى المجاز. لكن هذا الكلام بات في تصور بعض العرفانيين قابلا للمراجعة، طالما أنه لا توجد مواضعات أصلية هي المواضعات على الحقيقة وأخرى معدول عنها هي المجاز، فلا يوجد فصل بين المواضعتين بل تحتكم المواضعتان إلى استرسال، بل الأطرف من كل هذا أن من العرفانيين من قال إن لغتنا بطبعها لغة غير دقيقة، نصيب المجازي فيها أكبر من نصيب الحقيقة، وإن الحقيقة ليست بذلك الصفاء الذي به نرى الكلمات محيلة إلى مرجعياتها الأصلية، بل إن الأصل في التعبير أن المتكلم لا يقصد المعنى المراد بدقة، بل يقصد إلى مجاوره مثلما يفعل المتكلم مع المجاز حين يشير إلى السفينة فيقول (هذا الشراع الذي يقل حبيبي) فلا يسميها، بل يسمي جزءا منها ويقصد الكل.
حين تقول (صباح الخير) فأنت لا تقصد الصباح، بل تقصد وقتا أطول منه، أنت استعملت جزءا وعنيت أكثر منه، ويمكن أن تعني اليوم بأكمله وحين استعملت الخير لم تعين خيرا واحدا دقيقا، بل عممته على كل ما يقصد به الخير. ليس الخير معنى واضحا في حقيقته، لأنه غير محدد ولا يتحدد، إلا إذا فهمت منه شيئا في نفسك كأن يأتيك من يغيب عنك، أو تلقى من تحب، إن كنت عاطفيا أو تنزل الدولة راتبك في وقته، إن كنت خبزيا ككل الخبزيين في الأرض.
ليس في الحقيقة ذلك الضبط الذي يبشر به المعجميون ولا البلاغيون، من أنه ما استعمل للإحالة على الكلمة التي تستعمل في أصل وضعها . يكفي أن تستعمل العبارة الحقيقية في مركب أو في جملة حتى تفقد حقيقتها وتميل إلى المجازية لأن النحو مجازي في طبعه، كما يراه النحاة العرفانيون. عبارة قلم يمكن أن تستعمل استعمالا حقيقيا أو مجازيا حسب الحاجة، فالقلم الذي نكتب به هو معنى حقيقي لكن القلم في الحديث النبوي «رفع القلم عن ثلاثة» (النائم والصبي والممسوس ) استعمل استعمالا مجازيا. بيد أن القسمة ليست بهذا الوضوح المطمئن، فيكفي أن تدخل القلم في علاقة إضافة حتى يصبح المعنى مجازيا، مهما كانت الإضافة، ففي قولنا مثلا (قلم رصاص) فإن المجازية في هذا التركيب نابعة من أن القلم ليس مصنوعا من الرصاص، إلا في جزء منه وكذا الشأن في (قلم حبر) فإن المجازي يعني أن جزءا من القلم وليس القلم بأكمله هو الحبري. لهذا السبب فإن التركيب أو الإعراب هو علاقة مبنية أساسا على المجاز، ولا يمكن بذلك أن نقول إن هناك معنى حقيقيا في جملة معينة في مقابل معنى مجازي في جملة أخرى. ففي قولنا مثلا (ضربت هند دعدا) فإن ضرب هند لدعد لا يكون إلا في جزء من جسدها، وجسدها ليس شيئا منصوصا عليه في الجملة، ولا يطلب من مثل هذه الجمل أن تكون دقيقة إلا في حالات التحقيق البوليسي الذي يريد أن يتأكد من الضرر وعندئذ تعود الجملة بالتدريج إلى تفصيل الحقيقة.
خلاصة الأمر من هذا أن التركيب هو مجازي في طبيعته، وأن ما يسمى لغة مجازية أجدر به أن يشمل كل أحوال الإعراب وليس ضربا معينا من العلاقات الإعرابية التي تبوب كما هو مألوف في بوابة المجازات، بما هي علاقات إعرابية محورة عن أصولها الإسنادية الحقيقية.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية