الخرطوم ـ «القدس العربي»: قتل سبعة سودانيين وأصيب العشرات برصاص الأمن، خلال التظاهرات المليونية التي دعت لها لجان المقاومة وتجمع المهنيين، الإثنين، في العاصمة الخرطوم وعدد من المدن الأخرى، لإسقاط الانقلاب العسكري، وتسليم السلطة للمدنيين، في حين قرر مجلس الأمن والدفاع، برئاسة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، تأسيس قوة خاصة لمكافحة الإرهاب «لمجابهة التهديدات المحتملة».
وللمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، استخدمت الأجهزة الأمنية الأسلحة الثقيلة في مواجهة المتظاهرين، فضلا عن الرصاص والقنابل الصوتية والمسيلة للدموع.
وبدأت التظاهرات، التي توجهت أمس إلى القصر الرئاسي، من منطقة باشدار وسط الخرطوم، حيث تجمع الآلاف من المتظاهرين القادمين من مدن الخرطوم الثلاث، الخرطوم، الخرطوم بحري وأمدرمان.
هجوم وحصار
وبعد أقل من ساعة من انطلاق التظاهرات، وبالتحديد بالقرب من محطة «شروني» للمواصلات، وسط الخرطوم، هاجمت عشرات السيارات التابعة لقوات شرطة الاحتياطي المركزي، المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، لتبدأ بعدها بدقائق محاصرتهم من الشوارع الفرعية واطلاق الرصاص الحي والدوشكا (سلاح ثقيل تستهدف به المركبات والطائرات عادة).
ورغم وضع المتظاهرين للمتاريس (حواجز) في عدد من الشوارع الفرعية، إلا أنها لم تكن بالحجم المطلوب لعرقلة العدد الكبير من السيارات العسكرية والقوات الأمنية التي كانت تلاحقهم، خاصة بعد قيام مجموعات عسكرية عشية التظاهرات بنقل كم هائل من الاحجار و(البلوكات) الإسمنتية التي يستخدمها المتظاهرون لبناء الحواجز عادة، من محيط شارع القصر والمناطق المجاورة له.
وما بين كر وفر، لاحقت الأجهزة الأمنية المتظاهرين داخل الأحياء المجاورة لشارع القصر وصولا لمنطقتي الخرطوم2 والخرطوم3 ومستشفى الجودة، حيث نقل معظم المصابين.
نداء عاجل
وأطلقت لجنة الأطباء السودانيين المركزية نداء عاجلا للكوادر الطبية بالتوجه للمستشفيات، مؤكدة سقوط سبعة قتلى وعشرات الجرحى.
وزادت، في بيان أمس، أن اللجنة الأمنية للنظام ترتكب مجزرة أخرى وجريمة كبيرة ضد إنسان السودان ومواكبه السلمية، وأعلنت سقوط سبعة قتلى وعشرات الإصابات الحرجة بالرصاص الحي وسواه من أدوات القمع يتم علاجها وحصرها.
وطالبت اللجنة المجتمع الدولي للانتباه لما وصفتها بـ«الجرائم مكتملة الأركان» التي يرتكبها قادة الانقلاب.
وأكدت استخدام القوات الأمنية للرصاص الحي والدوشكا والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع لفض مليونية 17 يناير/ كانون الثاني في الخرطوم.
وحذرت اللجنة السلطة الانقلابية من التعدي على المستشفيات والمرافق الصحية.
وفي الأثناء، قامت سيارات كبيرة خاصة بقوات الاحتياطي المركزي مزودة بأقفاص خلفية بملاحقة المتظاهرين في مدينة الخرطوم، فضلا عن عربات من نوع (بوكس) تحمل عددا كبيرا من العسكريين الذين حاصروهم خاصة في محيط نادي الأسرة وسط الخرطوم، حيث اعتقل العشرات من المتظاهرين.
وحسب شهود عيان، ترصدت مجموعات عسكرية المواطنين في محطات المواصلات، واعتدت عليهم بالضرب والشتم. وظلت أصوات الرصاص والقنابل الصوتية تسمع في أنحاء العاصمة السودانية، حتى مساء أمس، بينما ملأت سيارات الأجهزة الأمنية المجهزة بأقفاص كبيرة، وأعداد مهولة من العسكريين، الشوارع الرئيسية وعددا كبيرا من الشوارع الفرعية وحولتها لحواجز أمنية.
تنسيقيات لجان مقاومة مدينة الخرطوم أعلنت التصعيد وإغلاق جميع شوارع المدينة بالمتاريس.
وفي مدينة بحري، واجه آلاف المتظاهرين الذين لم يصلوا لمدينة الخرطوم، الرصاص والغاز المسيل للدموع، فضلا عن ملاحقة القوات الأمنية لهم داخل الأحياء، لينتهي الأمر بإعلان لجان مقاومة بحري التصعيد بإغلاق المدينة بالمتاريس بشكل كامل.
وقالت تنسيقيات لجان مقاومة أمدرمان الكبرى، في بيان أمس، إن قوات الانقلاب العسكري ترتكب مجزرة في أبناء الشعب السوداني، مؤكدة أن المعركة ستحسم لصالح الشعب بالصبر والصدق، وستشيع اللجنة الأمنية للسجون بحق سفكها لدماء السودانيين، حسب البيان.
وأعلنت أمدرمان منطقة مغلقةً «حدادا على الشهداء وغضبا من عسف السلطة» حيث قام المحتجون ببناء المتاريس في شوارع المدينة.
وعلى صعيد متصل، خرج الآلاف أمس في مدينة مدني عاصمة ولاية الجزيرة وسط السودان، وأعلنت لجان المقاومة خلال مخاطبة جماهيرية مسودة الإعلان السياسي الذي اقترحته للتشاور.
وقالت إنه مطروح للتشاور الشعبي حوله وبدء صناعة التوافق حوله مع لجان المقاومة في جميع أنحاء السودان، من أجل الوصول إلى الصيغة النهائية الموحَدة.
وبينت أن الإعلان السِّياسي المقترح، جاء في سياق بلورة رؤية سياسية وطنية موحدة حول طبيعة الدولة والحكم والاقتصاد وتداول السلطة في سودان ما بعد الانقلاب العسكري وسيطرة النخب المركزية.
الأجهزة الأمنية استخدمت الأسلحة الثقيلة في مواجهة المحتجين
وأضافت: بعد مرور ثلاث سنوات من الثورة وتمددها في جميع أنحاء السودان، وانخراط مختلف المكونات الاجتماعية فيها، أصبح من الضروري ترجمة الفعل الثوري إلى خطوات سياسية تضمن تحقيق أهداف الثورة وحل الضائقة الاقتصادية وإرساء السلام والعدالة الاجتماعية وضمان كرامة وأمن ورفاهية السودانيين بكفل حقوقهم الأساسية في الصحة والتعليم وفرص العمل والازدهار والنماء الاقتصادي والاجتماعي في جميع أنحاء السودان.
مشاكل كثيرة
وأكدت على ضرورة إعطاء الأهمية المناسبة للأجندة المحلية في كل ولاية، مشيرة إلى أن ولاية الجزيرة تعاني من مشكلات كبيرة جدًا يمتد تأثيرها إلى خارج الولاية بحكم موقعها تاريخيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وعلاقتها ببقية المناطق في السودان بحكم وجود مشروع الجزيرة الزراعي.
ولفتت إلى أن مشروع الجزيرة يشهد تهديدًا وانهيارا غير مسبوق ليس للأمن الغذائي والأمن الاقتصادي للمنتجين فقط من المزارعين بل امتد لقطاعات كبيرة من العاملين في المجالات الصناعية والتجارية المرتكزة على المشروع.
وأشارت إلى تدهور البيئة العامة في الولاية وانتشار الأمراض مع انهيار النظام الصحي، مؤكدة أن المشكلات التي تعاني منها الولاية، مصنوعة بسياسات الإفقار التي تحاول السيطرة على الشعب السوداني عبر التجويع وضرب النسيج الاجتماعي وتقويض الأمن.
وقالت لجان مقاومة مدني في إعلانها السياسي المقترح إن مشكلة السودان سياسية ولن تحلّ إلا بتحركات سياسية، مشيرة إلى أن هذا الإعلان هو أول خطوة في الطريق.
وأوضحت أن الاعلان السياسي هو وثيقة سياسية مقترحة لبدء عملية سياسية جذرية واسعة، هدفها النهائي بلورة رؤية سياسية وطنية موحدة حول طبيعة الدولة والحكم والاقتصاد وتداول السلطة، مشيرة إلى أن هذه الرؤية السياسية تشكلها قواعد الجماهير عن طريق عمليات المناقشات العامة والمفتوحة التي تنظمها لجان المقاومة والنقابات والنقابات المنتخبة والقوى الثورية الأخرى المؤمنة بالتغيير الجذري.
حجر الزاوية
وقالت أن الإعلان السياسي يمثل حجر الزاوية في ترجمة الفعل الثوري إلى رؤية سياسية واضحة ومتماسكة وبداية عملية تحويل السلطة إلى قواعد الجماهير وانتزاعها من النادي السياسي النخبوي التقليدي والحديث الذي يخدم أهداف التحول الرأسمالي المحلي والأجنبي ضد مصالح الغالبية العظمى من جماهير الشعب السوداني.
وأكدت أنه الخطوة الأولى للخروج من الأزمة السياسية المزمنة والتي وصلت مآلاتها إلى تحول السودان إلى دولة نزاعات أهلية ومجاعات وجيوش ارتزاق وفقدان كامل للسيادة الوطنية.
وعرّف الإعلان السياسي المقترح من لجان مقاومة مدني السيادة بوصفها «سلطة ديمقراطية يمارسها الشعب في هياكلها المختلفة المتمثلة في المجالس المحلية والمجلس التشريعي الولائي والمجلس التشريعي القومي والمجلس الوزاري والسلطة القضائية عبر المشروعية الدستورية المتمثلة في الدستور الانتقالي الذي يحكم الفترة الانتقالية ويحدد ملامحها».
وأكدت اللجان أن «استعادة السيادة وسلطة الشعب هي معركة الشارع الأساسية ضد الدكتاتورية، وأن الثورة مشروع وطني جذري مبني على أساس دولة المواطنة والحقوق المتساوية الذي يعيد للمواطنين قرارهم واستقلالهم السياسي والاقتصادي في دولة مدنية ديمقراطية».
«حسم التفلتات»
في الموازاة، قرر مجلس الأمن والدفاع برئاسة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بعد اجتماع طارئ، أمس الإثنين، تأسيس قوة خاصة لمكافحة الإرهاب، قال إنها لـ«مجابهة» ما وصفها بـ«التهديدات المحتملة» بالإضافة إلى «استكمال إجراءات التحري والتحقيق ومحاسبة المتورطين في الأحداث وحسم التفلتات التي تصاحب المواكب وفقا لقانون الطوارئ والقانون الجنائي بالإضافة إلى الإفراج عن من لم تثبت إدانتهم بالتورط في أعمال إرهابية» على حد تعبيره.
وقرر أيضا، حسب بيان صحافي «الالتزام بوقف إطلاق النار وتجديد الدعوة للحركات غير الموقعة على اتفاق السلام بالانضمام إلى السلام، بالإضافة إلى توجيه قوات الحركات المسلحة بالتجمع خارج الخرطوم والمدن الرئيسية في مناطق التجميع بغرض الحصر وإنفاذ الترتيبات الأمنية واستمرار فتح المعابر الحدودية مع دولة جنوب السودان في المواقع المتفق عليها في إجراءات لجنة المعابر المشتركة».
وقال البيان إن قائد الجيش اطلع خلال الاجتماع الطارئ على الوضع الأمني في البلاد.
وقدم المجلس، حسب بيان صحافي، التعازي لأسرة ضابط الشرطة العميد علي إبراهيم حماد بريمة الذي قتل الخميس الماضي، وقال إنه «راح ضحية العنف والأفكار الشاذة».
واستمع المجلس إلى «تقارير الأجهزة الأمنية حول الوضع الأمني وتطورات الأحداث، وتأسف على ما وصفها بالفوضى التي نتجت جراء الخروج عن شرعية التظاهر السلمي واتباع منهج العنف وبروز تيارات مقيدة لحرية ممارسة الحياة وتتعدى على الممتلكات العامة كظاهرة خطيرة تهدد الأمن والسلم الوطني والمجتمعي وتتجاوز الخطوط الحمراء لسيادة الدولة».
وأشاد المجلس بـ«الحنكة التي تعاملت بها الأجهزة الأمنية والتزامها بالقواعد والأساليب والأدوات المشروعة، وكذلك التحلي بضبط النفس والتصرف بحكمة حيال المواقف ضمانا لحماية المدنيين» حسب البيان.
كما ثمّن «المجهودات التي بذلتها عناصر المخابرات العامة في تفكيك الخلايا الإرهابية بعمليات استباقية ضد المخططات التي تستهدف أمن واستقرار الوطن».
وحثّ «جموع الشعب السوداني على التحلي بالمسؤولية الجماعية تجاه أمن وسلامة البلاد وعدم الالتفات للشائعات المغرضة تجاه أجهزة الدولة النظامية والأمنية وعزل الاستهداف الممنهج الذي تقوده فئة غير وطنية».