أحمد عمر إذا كانت الجزيرة تسخّن إعلاميا ضد سوريا، كما كانت تسخن في غزة ضد إسرائيل إبان القصف الفسفوري الأبيض، والجنوب اللبناني ضد إسرائيل، والعراق ضد أمريكا، وأفغانستان ضد أمريكا.. فإنّ العربية تحمّي إحماء وتسعّر تسعيرا بذكرها سطورا من الحقيقة فالرسائل الإخبارية مع أصوات الثورة في حمص أصبحت حوارات ومقابلات، كما أنها كررت في اليوم التالي لعيد المولد النبوي ومجزرة بابا عمرو استضافة عمار القربي ذو المزاج الثوري، وأوشكت نجوى قاسم على البكاء وبلعت غصتها التي ورّمت حلقها (لا يشك في عواطفها لكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى قدرة مذيعي العربية ضبط الغصات الأخرى) كما استضافت العربية سيدة من ‘الحرائر’ و- يعتقد العامة أن المحجبة حرة أكثر من السافرة – اسمها عروبة بركات لتعيد صرخة الحرة التي استصرخت المعتصم: واااااعبد الله، ومنحت العربية أبو جعفر الحمصي صفة مراسل العربية في حمص.. وإذا قارنا الأداء الإعلامي بين اكبر محطتين عربيتين سنجد انه من الصعب على العربية أن تقرّ تقريرا عن الرهائن الإيرانيين الأحد عشر في سوريا كما فعلت الجزيرة مدفوعة بالواجب المهني، فالغاية لا تبرر الوسيلة مهما كانت نبيلة. رغم ذلك فإنّ الفضائيات السورية تتجنب قطع الخيوط مع أرباب العربية، لا كما تفعل مع أمير قطر الذي حلّ محل إسرائيل، فالملك السعودي هو خادم الحرمين، وليس سيد الوطن (على الأقل على صعيد الألفاظ والأوصاف) والسعودية لها ثقل رمزي ديني، وسياسي بتحالفها الأصيل مع الليبرالية العظمى. أما أداء المندوب السوري في الأمم المتحدة وخطبته الطويلة المتضمنة الكثير من الحقائق الدامغة، أهمها تلك المعزوفة الصادقة و’المملة والملل يتلف الصدق ويقلبه’ عن إسرائيل (احد أهم أسباب الثورات الكامنة هو القرف من الخطابات الثورية ضد إسرائيل، مع العلم أن إسرائيل نظام استعماري يقتل شعبا آخر هو الشعب الفلسطيني، وهذا فرق مهم). ظنّ الرجل أنّ خطبته العصماء ستعيد الصواب إلى عقول الأمم العظمى التي لا تفهم شعر قباني ولا جملة يوهان فولفانج غوته (لا نعرف سبب ذكر الرجل الاسم الرباعي للكاتب للشاعر الألماني؟).. فالدنيا تؤخذ غلابا، لا خطابا. طبعا كان من المفاجآت تحول ميدان مجلس الأمن إلى برنامج اتجاه معاكس بين رئيس وزراء قطر ومندوب سوريا في الأمم المتحدة حول ‘الخرجية’، ثم ما لبث السيد المندوب أن استشهد بكلمة لفيصل القاسم الذي يستقي معلوماته من مصادر عليا (ويخرب بيتك يا عليا، ويخرب بيت عيونك)، فردت عليه الجزيرة على الفور، مبينة أنّ المصادر العليا ليست في الدوحة وإنما عَ هدير البوسطة، ولا بد أن فيصل القاسم فوجئ بأنّ الأمم المتحدة تتابع برنامجه وتستعمله في حق الفيتو والبوكر والجوكر. استعار احد الأصدقاء حكما على التلفزيون يقول بأنه ‘علم لا ينفع وجهل لا يضر’ وهو حديث شريف قيل في علم الأنساب والشعر، والحق أنّ في التلفزيون الكثير من العلم النافع والجهل الضار، خاصة برامج التوك شو واللغو الدرامي الذي شعاره: أيها المشاهد، مش ح تقدر تغمض عينيك.. ح نوديك في ستين داهية: بالفاتنات، بالأفلام، بالجمال الرهيب.. سنحولك إلى كائن يرى ولا يرى؛ يرى كل شيء ولا يرى شيئا.
خطبة المندوب السوري التي وصفتها المعارضة بخطبة الخرجية، والتي دفعت معارضا من جزر القمر إلى تغيير شعاره إلى ‘الله، سومطرة، خرجية وبس’ يمكن وصفها بالأداء المسرحي المؤثر (بصرف النظر عن الأخطاء النحوية وخطأ تقدير المكان والزمان) وهي تشير إلى أنّ الحرية الإعلامية في ملة واعتقاد نظامه خطيئة أصلية والنظام السوري يعتقد اعتقادا راسخا أنّ آدم ما كان ليطرد من الجنة لولا فضائيات ‘الفامباير’ المغرضة! ويمكن هنا أن تذكر عشرات الأدلة على ذلك ما حصل لهيثم لمالح ومحمد العبد الله، وللشيخ كوكي في برنامج الاتجاه المعاكس فالاتصال بأي فضائية من دون جواز سفر يؤدي إلى السجن، وكان يمكن للشيخ كوكي أن يظل محبوسا لولا إصرار الجزيرة – التي وصفت قبل الثورة بالمنار رقم 2 – على إنقاذ ضيفها، بذكر مظلمته المرة تلو المرة، حتى حصل على عفو رئاسي. طبعا لم يفهم احد ما هو خطأ السيد كوكي، ويمكن الاستنتاج انه حبس بسبب عدم ضربه ضيفه عبد الرحيم علي في الأستوديو كما فعل السيد أبو فاضل؟!
لا يظنن احد أني احمل على أبي فاضل، لكن – في وصايانا العشرة حول قيادة الحوار في الاتجاه المعاكس مروريا – ينصح بعدم الضرب تحت الزنار كما فعل اللادقاني، اذ انه جعل هدفه تحطيم شخص الخصم وليس خطابه، مع أن أبي فاضل الذي فقد أعصابه، تحمل خصمه السابق محمد العبد الله من غير أن يضطر لضربه، ذلك أن محمد كان يتبع: نصيحة (خدّ وعين، نحلة وفراشة، هات وخذّ) .. قلنا: الحرية خطيئة أصلية في عرف النظام السوري، أما الظهور في فضائياتها فهو منّة وجائزة.
الخطيئة الأصلية هي سبب صيحة الفتى الدمشقي فراس سيروان في الحريقة ‘الشعب السوري ما بينذّل’. الأصل هو الاستعباد. ودليلنا الأهم: هو أنّ الإعلاميين السوريين يكزون على أسنانهم وهم يمنّون قائلين: سمحنا بدخول 150 وسيلة إعلامية، والعرف والعهد أن الأصل في الأشياء الإباحة لا التحريم.
تظنّ أنظمة التيتانك العربية أنها مثل سفينة تيتانك، لا يستطيع الله قهرها، و أنّ الثورات العربية مؤامرة لتنصيب برنامج الفوضى الخلاقّة، بل تذهب ابعد إلى أنّ أمريكا تدعم الإسلام الاصولي ضد الأنظمة التقدمية الديمقراطية العربية.. الفاضلة!
أسماء الجمع:
لعل احد أسباب فشل ثورة وول ستريت في نيويورك، أنها نكرة، ومن غير أسماء جمعة، فالأحد لا يغّني، وليس كالجمعة، والواحد ليس كالسبعة، لكن هذا لا يمنع أن أسماء جمع الثورة السورية راوحت مكانها حينا، وعانت احيانا من الركاكة وضيق النظر ومن ازدواجية العناوين. وربما هذا هو احد الأسباب التي دفعت كاتبا مرموقا مثل ياسين الحاج صالح إلى طلب تشكيل هيئة ثقافية للثورة السورية أو ما شابه، لكن ثمت أسماء جمع جامعة بين أطياف الشعب السوري وبين أزمنة سوريا، مثل: الجمعة العظيمة، ازادي الحرية، عذرا حماة سامحينا.. سأخون وطنيمحمود مراد متصلا مع علاء الدين يوسف من ادلب باستنكار: تستجدي تدخل الأجنبي في بلدك!! علاء الدين: أفضل الموت بالرصاص الأجنبي على الرصاص الوطني المدفوع من جيبي!
تلطيف إعلامي لضرورات مسك الختام:
قصفها بعواطف مضادة للدروع العاطفية: احبك قدّ الدنيا.. قالت له: عواطف مفبركة.. البارحة قلت لصديقتي ‘عليا’ انك تحبها قدّ الجزيرة مباشر!
يخرب بيت عليا.. يخرب بيت عيونا.. كاتب من كوكب الأرض