السقوط إلى التاريخ

حجم الخط
2

■ لقد برزت الخلافة كتحد جديد وقدر صارم في خريطة العالم، الذي وقف عاجزاً أمام تفسير العودة إلى تلك النماذج الراقدة في بطون المؤلفات الصفراء، كحقب منسية محال أن تعود إلى الحياة تماماً استحالة عودة الأموات إليها.
وسأقتبس تعريف ابن خلدون للدول على أنها كائن حي له طبيعته الخاصة، لأفرض على هذا الكائن تصوراً نفسياً معتمداً على التحليل والقياس، محاولاً في ذلك تفسير هذا النكوص المجتمعي لتلك النماذج. والنكوص في علم النفس عودة إلى المراحل السابقة من العمر، من خلال التصرفات والسلوكيات التي تميز بها، لتحقيق النتائج ذاتها.
إن غالب التحليلات المنشورة حول انبعاث التنظيمات الجهادية الموصوفة بالإرهاب، تدرسها كحادثة منقطعة عن سياقها الزمني، لتنظر إلى هذه الممارسات على أنها غاية بحدِّ ذاتها، وإن كان لها ارتباطٌ ميتافيزيقي يدعمها، إلا أنَّ هذه الميتافيزيقيا وإن كان لها أثر في الحراك، إلا أنها لا تصلح أن تكون محركاً مستقلاً في سياق العملية الاجتماعية، التي أفرزت مجتمعاً إرهابياً – بحسب توصيف البعض – فإن سائر النماذج الاجتماعية التي يشار إليها اليوم بالإرهاب ترزح تحت وطأة الفقر والاستبداد والإجرام وإرهاب الدولة، الذي كان له الأثر الأكبر في صناعة منتج الارهاب بصورته الاعلامية الحديثة، كما أنها في مجملها ما زالت تحاول أن تحاكي أمجاد الماضي الدفين، الذي حلَّ بها زمناً، قبل أن يذرها قاعاً صفصفا.
إن البلاد الاسلامية أو ذات الأغلبية الديمغرافية الاسلامية بتوصيف أدق، وأخص منها ما كان مصدِّراً للجهاديين أو مستجلباً لهم، الذين يشكلون المادة الأولية للإرهاب المسوَّق، رزحت تحت نماذج الحكم الفاشية، وامتُهن فيها الانسان بشكل يلطِّخ وجه الحضارة بأكملها، الشيشان وأفغانستان وسوريا والعراق، كلها أسماء لتوابيت كان يسجى فيها الانسان منتظراً الموت، زاهداً في كلِّ أمل بالحياة، إلى أن حاولت بعض هذه المجتمعات الاعتماد على النكوص كآلية للدفاع عن النفس، كما شرحها علماء النفس، وإذا كان نكوص الطفل يتمثل في عودته للزحف بعد المشي، على أنه التجربة التي كان يشعر فيها بالأمان، فإن للمجتمعات نكوصاً مختلفاً، حيث أن نكوص الشخص العادي يعتمد على تجربته الذاتية، بينما يعتمد النكوص الاجتماعي على ما بقي من أخبار عن أسلاف هذا المجتمع، وهو ما يمكن التشبيه له بالحلم الاجتماعي حول إقامة الدولة الاسلامية، التي أفرز لنا الموروث الثقافي أبرز ميزاتها وحكاياتها التي اختار المجتمع الاحتفاظ بها في وعيه، فأصبحت مقدسةً تقارب قدسيتها قدسية النصوص الدينية.
زمن يعيش فيه المسلم محافظاً على كرامته، حافظا لحقوقه كإنسان، محترماً على مستوى العالم يُنظر له كنموذجٍ للإنسان المتحضر، هذا هو بالضبط ما حاولت هذه المجتمعات النكوص إليه، بعد أن فشلت الآليات الحديثة في صناعة هذا الحلم على أرض الواقع، فقد فشلت حركات التحرر، كما أُريد لها، فأنتجت أنظمة شمولية كانت أكثر استبداداً وجبروتاً من أجهزة الاحتلال ذاته، ومن ثم فشلت ثورات الحرية التي نادى بها المجتمع العربي ربيعاً لشتاء قبع فيه، وأمام هذا الفشل المتكرر وجد المجتمع ذاته مضطراً للنكوص إلى نماذج اجتماعية، كان قد اعتقد أنها بادت، ولكن المشكلة الكبرى أنه حاول محاكاة الماضي بصوره وهيئاته في السلوك واللباس وأنظمة الحكـــم الناظمة، التي كانت تتمــــيز بتصور مختلفٍ عن الدولة، يجعل منها مداراً للكون ومديرة للوجود مهما تعددت مسمياتها بين خلافة ومملكة وسلطنة وامبراطورية، ومع ذلك فإن قراءة المشهد، من خلال صوره لا من خلال النتائج المبتغاة تبقى قراءة قاصرة عن انتاج الحلول.
وإن هذا النكوص ليس ممارسة قاصرة على المجتمعات المضطهدة، بل أثبتت الوقائع أن رياح التغيير دفعت الجميع إلى اعتماد هذه الآلية، الأمر الذي يفسر محاولة بريطانيا الحفاظ على أمجاد الحاضر من خلال إعلان وزير الخارجية البريطاني فيليب هموند، أن بلاده قد تستخدم أحد قوانين العصور الوسطى التي ترجع إلى عام 1351، لتوجيه اتهامات إلى بريطانيين ذهبوا إلى سوريا والعراق للقتال مع تنظيم «الدولة الإسلامية» التي عادت بدورها إلى التاريخ لتصنع خلافتها، وفي السياق ذاته صرح ديفيد كاميرون «بأنّ هذه الهجمات الإرهابية هي هجمة على أسلوب حياتنا، ولذلك فإن الطريقة الوحيدة للرد عليها هي تغيير أسلوب حياتنا».
ولم يكن هذا النكوص عبارة عن نكوص دولة فحسب، بل نكوص مجتمع أيضاً، ويمكنك أن تقرأ هذا في تظاهرات فرنسا دعماً لحرية الرأي المتمثلة في رسومات «تشارلي إيبدو» عن الرسول الكريم، هذه التظاهرات التي شهدت صوراً لأشخاص بزي الحملات الصليبية، ويدعم ذلك التظاهرات التي شهدتها ألمانيا ضدَّ تنامي الجالية الاسلامية فيها، في تصادم ثقافي فاضح.
ولم يكن هذا النكوص منسلخاً عن منظريه، فقد تصدَّر دعاة نظرية ما بعد الحداثة إلى التأصيل لنظريتهم، التي تقول بعودة أفكار اليمين بكل درجاته واليسار بكل درجاته، ومثَّلوا لذلك بانتصار أفكار اليمين في عشرات الدول العربية بنجاح «الاخوان المسلمين» فيها، وكذلك بصعود اليمين المتطرف في الاتحاد الأوروبي ووصول دعاة البنائية المسيحية متمثلةً بالنائب مايكل بيــروتا عن ولاية ميريلاند في الولايات المتحــــدة الأمريكية، وهو الذي يدعو صراحة إلى إقامة دولة ثيوقراطية بالاعتــــماد على الانجيل، ويشاركه غوردون كلينغينشميت الذي انتخبته ولاية كولورادو نائبا عنها، وهو الذي يرى أن ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق والشام إشارة إلى قرب ظهور عيسى عليه السلام.

سقط الجميع إلى التاريخ…

منهم من سقط إلى التاريخ محاولاً ابتعاث الماضي، ومنهم من سقط إلى التاريخ محاولاً الحفاظ على أمجاد الحاضر، ومنهم من بقي في التاريخ ولم يخرج منه حين حافظ على نفسه كنظام شمولي خلفته صفحات التاريخ الأسود ليكون عصىً في عجلة التاريخ نحو المستقبل. وبين من سقطوا إلى التاريخ ومن هربوا إلى المستقبل يبقى مصير الانسان الحاضر مجهولاً وهو الذي اختار مكانه في الجملة مفعولاً به، فكان.

٭ كاتب من سوريا

عمار تباب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية