منطلقات الرواية العربية

حجم الخط
0

لطالما ألح عليّ السؤال التالي: هل الأرضية التي ينطلق منها الروائي العربي، في كتابة روايته، إبداعية أم تسجيلية؟ وكمتابع للإنتاج الروائي العربي، فلطالما وجدت أن الرواية العربية تعمد لتسجيل الوقائع السياسية، إذا ما أرادت أن تتجنب تهمة الماضوية، أو تعمد لاجترار حوادث التأريخ، الكبيرة الأثر، إذا ما أرادت تجنب تهمة الخيال ومجافاة الواقع، ومن هنا تخلص الرواية العربية إلى كونها تسجيلية أكثر مما هي إبداعية.
وحقيقة كون الروائي العربي تسجيليا أكثر منه إبداعيا، لا تنحصر أسبابها في عامل الخوف الرقابي، سلطويا واجتماعيا فقط، بل هي تتعداه لحقيقة قلة خبرة التعامل مع هذا الفن المستورد وطرق هضمه واستيعاب مراميه، في كونه فن خلق العوالم والحيوات والمصائر البديلة للواقع المعيش.
وبعيدا عن كوابح وروادع التابوهات الاجتماعية والسلطوية، الأمر هنا يتعلق بجانب وعي المنشئ (الروائي) ومدى إيمانه بأهداف عمله وثقته بوعيه وبهدفية هذا الوعي وما يجب أن يستثمر فيه.
محدداتنا وروادعنا الثقافية العربية أكثر من أن تعد، وعليه يجب على من يتصدى لكتابة الرواية أن يكون بمستوى تحديها في كونها وسيلة ـ تعبيرية ـ إشعال مجموعة من (الفتن) و(المؤامرات) الانقلابية المتحدية التي تأبى الردع، والتي مجازا، تنطلق من مقولة الروائي الفرنسي، مارسيل بروست «لقد تركت في الماخور جزءا من كياني الخلقي»، التي نستشهد بها هنا كرمز لتحطيم القيود المشتطة، التي تقف حائلا بين الروائي وبين إبداعه، وليس لدلالتها الجنسية المباشرة، لأن العملية الإبداعية تنطلق من فكرة تحطيم القيود والمحددات التي تلجم الفكر وتمنعه من الانطلاق وممارسة فعل التغيير المرجو منه… الذي هو بالتأكيد ما ينقذها من التحول إلى فعل تسجيل لصور من الواقع محمولها الوعظ والنصح والإرشاد، وهي أهم أعداء الإبداع في الرواية، على وجه الخصوص.
وكما يقول مارسيل بروست في مكان آخر «على الكتابة أن تكون مفتوحة على كل الجهات، أن تكون سفرا من دون بداية ونهاية، وعلى الكاتب أن يحلم بمثل هذا السفر دائما»، وأن لا تقف أمام سفره هذا محددات وكوابح تحيل عمله إلى صور تسجل وقائع حياتية تعطي العبر والمواعظ، ليرضى عنها المجموع الاجتماعي الذي يعيش في حيزه ويقول عن حكايتها أو يصنفها تحت يافطة «الأدب الواقعي» أو «الأدب الملتزم»… ملتزم بماذا؟ بقوالب ومحددات ترضي ركود المحافظين ومن لا هم لهم سوى المحافظة على ما في أيديهم من أسباب رفاههم وغناهم ودعة العيش التي يتمتعون بها ويعتقدون أنها هي الحياة؟
مازلنا نعاني فقرا ثقافيا، وبالتالي ضيق أفق في فهم وتحديد أهداف الرواية وأبعاد اشتغالاتها وما هو معلق عليها من آمال في صناعة الحراك الثقافي، وعليه فإن أغلب روائيينا يعمدون لاجترار أعشاب الأمس ويعمدون لخطاب التوجع والتباكي، أما على مجد تأريخي قديم أو على واقع اجتماعي مزر، من دون اقتراح التصور أو (العالم) البديل الذي يحفز لصيغة الفعل والخلق، على مستوى الأفكار، تمهيدا لعملية التغيير.
الرواية ليست صورة الواقع مغموسة بالخيال أو مطعمة به، كما يتفق أغلب المنظرين الأكاديميين، بل هي مقترح المخيال لما يجب أن يكون عليه الواقع أو ما يجب أن يتحرك باتجاهه، وعليه فهي يجب أن تكون زلزالا غير متوقع وغير محسوب النتائج.. زلزالا يهدم حتى الأسس ليعاد البناء من جديد وفق أنضج صور الحداثة الفكرية والثقافية و(المعمارية) الحضارية، بمقصدها الثقافي طبعا.
وبناء على هذا الفهم، تكون الرواية قد تحررت من صيغة الطرح التسجيلي ـ الواقعي وتعدته إلى أن تكون صيغة اختراق وتحطيم المرايا الأحادية الوجه (التي لا تعكس إلا وجها واحدا)، لتؤسس لفهم بديل، جديد وجريء وعصي على المساومة والتنازل… وهذا ما فعلته الرواية الحديثة «بعد أن وقفت على قدميها وعلى أرضيتها الصلبة التي أسست لنفسها» منذ دستويفسكي ومن سار على هدي رؤيته من الروائيين.
الرواية ليست تأريخا ولا يكتبها المؤرخون لتكون تسجيلا لوقائع؛ الرواية تشوّف مستبطن خلاق، يبني التصورات والتطلعات المستقبلية لما يجب أن تكون به الحياة أكثر جمالا وأكثر اقترابا من ولع الإنسان بذاته وحبه لها وللحياة، ولذا يجب أن يكتبها روائيون (غاوون) من أتباع الشعراء ليفجروا فعل الخلق الجمالي فيها، ويرتكبوا عبرها فعل توريط الإنسان الراكد في (اقتراف خطيئة) التحرر من المحددات والقوالب والأنماط التي فرضها (الاتفاق البورجوازي) عليه وحولها إلى واقع مفروض عليه ويجب عليه مسايرته والتعايش معها كثوابت مقدسة.
ماذا يجب أن تسجل الرواية، أو ما المفروض عليها تسجيله؟ كل ما يتطلع إليه الإنسان كذات حرة التفكير والإرادة والاختيار في تطلعها وتشوّفها وتشوقها لأن تكون أكثر حرية وجمالا وانسجاما مع القوانين التي خلقت عليها (قوانين الطبيعة الحرة التي سبقت تدخل الاتفاق البورجوازي في تشويه إيقاعها وفرضه للمحددات عليه)، لا أن تكون تصويرا أو فيلما تسجيليا لواقع مكرور يعيشه الإنسان يوميا في حياته اليومية… فما فائدة أن نعيده عليه في كتاب يقرأه من أجل أن يمتع نفسه بساعة هروب من مرارة واقعه المؤلم؟

روائي وناقد عراقي

سامي البدري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية