صحيح أن معركة شبوة الأخيرة، مثلت ضربة كبيرة لجماعة الحوثي، لكنها لم تحسم الحرب مع الجماعة نهائيا في محافظة شبوة. إذا لا تزال أجزاء كبيرة من مديرية عين تحت سيطرة جماعة الحوثي، ولا تزال أيضا مديرية حريب في مأرب التي تعتبر امتدادا لمدينة بيحان شبوة تحت سيطرة الحوثيين حتى الآن أيضا، ولا يمكن الحديث عن تحرير مدينة من دون أخرى لارتباطهما التاريخي والاجتماعي والجغرافي أيضا.
لكن ما يمكن قوله هنا، في ضوء هزيمة جماعة الحوثي في شبوة، أنها ممكنه جدا، في حال تم توحيد الجهود وتركيزها في معركة حاسمة مع هذه الجماعة كما حدث لها في مديريتي بيحان وعسيلان غرب شبوة، وكذلك جنوب مأرب، أي معركة جبل البلق الشرقي الذي تم تحريره والوصول إلى معسكر أم ريش على مشارف مدينة الجوبة.
ففي هذه المعارك، التي بدأت قبل أسبوعين من الآن، وحجم الخسائر الحوثية، التي لم تقتصر على خسارة كبيرة للأرض وإنما أيضا خسارة كبيرة للأفراد والعتاد، الذي تم قصفه عدا عن انهيار معنوياتي كبير لأفراد جماعة الحوثي، الذين مع كل خسارة لمعركة يكون تأثيرها المعنوي عليهم كبيرا جدا، نظرا للطريقة التي يتم فيها تفهيمهم للحرب من وجهة نظر هذه الجماعة التي تقدم نفسها جماعة مؤيدة من السماء وأنها تحارب بالملائكة، وهذا ما يجعل أي خسارة تخسرها وبالا على أفرادها وخاصة وأن معظمهم من الناس محدودي الوعي، والذين يتأثرون سريعا في أي معركة يخسرونها.
تصفية حسابات سياسية
لقد أثبت المعاركة الأخيرة، في شبوة وجنوب مأرب بما لا يدع مجالا للشك، أن الحوثي أضعف بكثير من الصورة التي يٌقدم بها نفسه، ويقدمه بها الإعلام المتعاطف معه، أو الذي يحاول أصحابه استخدامهم في تصفية حساباتهم السياسية، وذلك بتصوير الحوثي جماعة لا تهزم، وهي صورة مغلوطة ومخاتلة رُسمت لها، بفعل تضارب أجندات التحالف نفسه، ودول الخليج عموما، تلك الأجندات التي حاولت طوال السبع السنوات الماضية، أن تلعب بورقة جماعة الحوثي لتصفية حسابات أخرى، لا هدف لها سوى إطالة أمد الحرب وتصفية أطراف فاعلة بالحرب وتصعيد أخرى بديلا عنها. فقد لعبت سياسة التحالف، خلال السبع سنوات الماضية، في تقوية جماعة الحوثي، من جوانب عدة، أولها أن عدم الحسم معها منحها الوقت الكافي لترتيب أوراقها والاستفادة من الثغرات التي أمامها، وتقوية نفسها، في ظل تضارب أجندات التحالف، التي خدمت الحوثي كثيرا، وكسبته المنعة والقوة على الصمود، والمبادرة في فتح جبهات في الوقت والزمان الذي يريد.
الجديد اليوم، ربما بعد معركة شبوة، بتلك الطريقة السريعة، هو خلط الكثير من الأوراق، وخاصة بعد الضربة الجوية لأبو ظبي التي تبنتها جماعة الحوثي، كما تبنت ضربة مصافي بقيق السعودية من قبل، بمعنى أنه ربما كان هناك شبه تواصل بين الإماراتيين والإيرانيين، الذين رسموا حالة من التوافق غير المعلن بين الحوثيين والإماراتيين، وما مثله الانسحاب من الساحل الغربي نهاية العام الماضي، بتلك الطريقة التي فتحت الباب واسعا للحديث عن تفاهمات تمت بين الطرفين، الإمارات وإيران.
بالعودة إلى موضوع شبوة، وخسارة الحوثي، فمن المعتقد أنه حتى اللحظة رغم خسارة الحوثي للأرض هناك، فلا يزال الأمر مفتوحا على كل الاحتمالات وخاصة بعد ضربة أبو ظبي من قبل الحوثيين مؤخرا في 17 كانون الأول/يناير، والتي لعبت دورا كبيرا في مواجهات شبوة الأخيرة، أي الإمارات، وهو ربما ما دفع بالحوثيين للضغط عليها لتحييدها، وهي أول مرة يتم اعتراف أبو ظبي بأن الحوثيين وراء هذه العملية، وهو ما قد يجعلنا أمام سيناريوهات متعددة بخصوص موقف الإمارات من الاستمرار في حرب اليمن من عدمها.
فالسيناريو المحتمل حتى الآن، هو أن ضرب أبو ظبي بعد هزيمة الحوثي بشبوة، كان بمثابة رسالة قوية من الحوثيين ومن خلفهم إيران للإمارات بعدم التصعيد مجددا في اليمن وخاصة وهي من كانت قد أعلنت انسحابها أكثر من مرة، كان آخرها نهاية 2018 عدا عن الانسحابات الأخيرة للقوات الممولة أماراتيا من الساحل الغربي، والتي قيل عنها بأنها إعادة تموضع، والتي على ضوئها ذهب البعض للقول أن ثمة اتفاقا بأن يكون الساحل الغربي مقابل شبوة، أي أن الحوثيين أيضا انسحبوا من شبوة باتفاق غير معلن، بعدم تقدم القوات من شبوة للمساعدة في تحرير مناطق جنوب مأرب في حريب والجوبة وكذلك مناطق البيضاء وهو ما لم يتم، مما دفع الحوثيين لإرسال هذه الرسالة للإمارات ربما.
سيناريوهات
لكن مع ذلك يبقى عدم تحرير مديرية عين في شبوة، محل تساؤل، وتوقف القوات في منطقة حريب وعدم دخولها حتى اللحظة، هذا التوقف الذي ربما سيتعزز أكثر فأكثر في ضوء الضربة التي تلقتها أبو ظبي من قبل الحوثيين، وهو ما قد يرسم سيناريو آخر لوضع الإمارات في اليمن ككل، وهو ما قد يقود لانسحاب الإمارات تماما من المشهد اليمني، وترك السعودية وحيدة فيه، وخاصة وأن هناك أحاديث عن وجود إتفاق غير مٌعلن، بين الطرفين إيران والإمارات، يقضي ببقاء النفوذ الإماراتي في المناطق الجنوبية، وعدم دعمها لأي عملية عسكرية باتجاه تحرير مناطق الشمال كمأرب والبيضاء.
والسيناريوهان، مطروحان، في ضوء الارتباك الخليجي والسعودي تحديدا في اليمن وعدم تحديد ما تريد تحقيقه، وخاصة في ظل الاستمرار في إضعاف الشرعية اليمنية، وتقوية خصومها من المجلس الانتقالي وجماعة طارق صالح في الساحل الغربي، وفي ظل التضييق الكبير على ما يفترض أنه حليف استراتيجي للسعودية والحرب على الحوثي ككل، ممثلا بالتجمع اليمني للإصلاح، الذي تشير كل المؤشرات إلى أنه يتعرض لضغط كبير جدا لتحجيمه، هذا التحجيم الذي لا يخدم سوى تقوية الحوثي الذي يرى أن كل الأطراف اليمنية الأخرى لا تشكل له تهديدا وجوديا وحقيقا كالإصلاح.
أما بالنسبة للحرب فيما بعد شبوة، فهي تتوقف حقيقة على مدى جدية السعودية للخروج من دوامة الحرب اليمنية، التي كلما طال أمدها، كلما آلت لغير صالح الأمن القومي الخليجي والعربي عموما، باعتبار أن هذه الحرب إذا ما استمرت فهي حتما تصب في صالح تقوية النفوذ الإيراني في اليمن والخليج بشكل عام، ما يعني أن الشرعية اليمنية والتحالف العربي بدرجة رئيسية ليس في وفرة خيارات أمامه، وأن الوقت لم يعد لصالحه في حربه هذه، خاصة بعد طول أمدها، جراء سياسات لا تسعى لحسم الحرب بقدر ما تسعى لاستدامتها دون اكتراث بتداعياتها التي لن يكون بمقدور أي أحد التحكم بها، غير الطرف الذي ابتدأها وهي إيران وميليشياتها التي تتمدد من بغداد حتى دمشق وبيروت وصولا حتى صنعاء، والتي تتحين الفرص لاستكمال مسيرتها نحو عواصم الخليج الأكثر ثراء وضعفا أمنيا.