بين معركة مأرب وضربات صنعاء: رهان على فتح كوة في جدار المبادرة السعودية للحل

رلى موفّق
حجم الخط
0

لا يزال من المبكر الجزم بأن التصعيد العسكري في اليمن وتبدُّل الكثير من الوقائع الميدانية يمكن أن يُشكّل الفصل الأخير من الحرب، بحيث يُعيد فتح الطريق أمام جلوس الأطراف اليمنية إلى طاولة المفاوضات لبدء مسار الحل السياسي. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحاصل راهناً هو عملية عزل الملف اليمني كملف سياسي ووضع ميداني عن أن يكون ورقةً إيرانية على طاولة فيينا أو أنه يُستخدم كأداة ضغط في المفاوضات الجارية حول الملف النووي.
ما يؤكده لصيقون بـ«محور إيران» أن طهران كانت تضغط بقوة لسقوط مأرب بيد الحوثيين قبل أن تبدأ تفاوضها الجدّي مع السعودية، وكانت تعتقد أنها باتت على مشارف تحقيق ذلك، حتى أن أذرعها العسكرية الممتدة من صنعاء إلى بيروت كانت تستعد لـ«اليوم العظيم والمبارك» الذي سيطل فيه الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله المرشد الروحي لزعيم «أنصار الله» لعبد الملك الحوثي ليزفَّ «النصر الإلهي» من جديد.
هذا اليوم بات بعيداً، لا بل أن الحلم من أساسه كان مستحيلاً ومبنياً على حسابات سياسية خاطئة عززها مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة التي بدأت أولى خطواتها من اليمن حين سحبت دعمها لـ«التحالف العربي» ورفعت جماعة «أنصار الله» عن لائحة المنظمات الإرهابية التي كان أدرجها عليها دونالد ترامب. فسقوط مأرب كان يعني سياسياً، بالنسبة لليمنيين، سقوط الدولة اليمنية التاريخية، وكان يعني هزيمة لـ«التحالف» الذي تقوده السعودية دفاعاً عن أمنها القومي والعربي، وكان يعني سيطرة إيران على الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية، وهو أمر غير مسموح. كما أن حلم إسقاط مأرب كان مبنياً على حسابات خاطئة، وفق قراءة عسكرية، تنطلق من إن مأرب هي منطقة مفتوحة يستطيع «التحالف العربي» عبر قوته الجوية التحرّك فيها بسهولة، ويستطيع الجيش اليمني كجيش نظامي أن يُبرز قدراته العسكرية بشكل أكثر، وهو ما جعل المعركة بمنزلة «محرقة» للحوثي حتى قبل اتخاذ القرار عسكرياً بمعادلات جديدة على الأرض. فالأرقام التي اعترف الحوثيون بسقوطها في مأرب خلال الأشهر الثلاثة الماضية تخطت الـ15 ألف قتيل، وهو رقم سبق العمليات الأخيرة التي حصدت بدورها الآلاف، خصوصاً أن تلك الجماعة تزجُّ بمقاتليها أنساقاً متتالية مُعوِّلة على تحقيق الاختراق، لكنها معادلة خاسرة في منطقة مفتوحة مع سلاح الطيران وجهوزية قتالية مقابلة في الميدان.
ما يلفتُ إليه المراقبون هو عدم اقتصار المعركة على الأطراف والتي خسر فيها الحوثيون أيضاً محافظة شبوة، بل تزامُن معركة الأطراف مع معركة المركز التي تأخذ شكل ضربات جوية منتقاة لأهداف ذات طابع عسكري في صنعاء لم تستثنِ المطار، وطاولت الحُديدة التي اعتبرها التحالف نقطة استهداف بعد قرصنة الباخرة الإماراتية. هذا تحوُّل يفهم معناه جيداً «الحوثي»، والذي راهن على الانقسامات القبلية والمناطقية والحزبية وإطالة أمدها لإمساكه بالجغرافيا اليمنية، ويُقلقه تالياً بروز قوات عسكرية ارتضت بها الأطراف السياسية والحزبية على مقلب الشرعية قادرة على التقدّم في الميدان، بما يحمله ذلك من توفُّر الظروف لصوغ تفاهمات حزبية وقبلية تطوّق العاصمة وربما تُحرّك الشارع في صنعاء.
فاهتزاز ركائز الحوثي في الحُديدة، والتي أمّنها له التواطؤ الدولي بموجب «اتفاق ستوكهولم» بعدما أوشك على خسارتها عسكرياً، وفي صنعاء إذا ما تواصلت، ستكون عوامل حاكمة في المشهد اليمني، ويمكن في هذا الإطار إدراج استهداف الحوثي أبوظبي راعية «ألوية العمالقة» التي تأتمر بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» حليف الإمارات، والتي ركن عليه التحالف في تحرير شبوة وكان مرشحاً لأدوار مساندة وداعمة في تحرير محافظات شمالية. وهو استهداف يأتي ليُشكّل خرقاً لـ«قواعد الاشتباك» بعدما نجحت الإمارات في صوغ تفاهمات مع إيران تُحيّد مدنها من الاستهداف الحوثي الذي تركز على المملكة، قد تكون مقدمة لتغيير تلك القواعد أو خطوة على طريق استعادة بعض من التوازن تُمهّد للقبول بالعودة إلى مسار التفاوض السلمي والإعلان عن قبول وقف إطلاق النار.
فالرياض قدَّمت مع تبدّل الرياح الأمريكية، مبادرة جديدة أُضيفت إلى المبادرات السابقة تبدأ بوقف شامل لإطلاق النار تحت رقابة أممية للوصول إلى اتفاق سياسي، لكن الحوثي اعتبر حينها أنها تضع اليمن تحت الوصاية الدولية ولا تتضمّن سحب دول التحالف قواتها من البلاد، فيما كانت إيران تُراهن على تمرير الوقت لكسب مزيد من أوراق القوة لاستخدامها في بازار التفاوض الدولي والإقليمي. هذه المبادرة ما زالت موجودة على الطاولة، لا بل أن ما تشهده الساحة اليمنية من تصعيد يهدف في جانب كبير منه إلى دفع الحوثي للقبول بها من دون مناورة، وهو ما يُنتظر أن يظهره مسار الأسابيع المقبلة!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية