عادت الأحداث في اليمن لتتصدر عناوين الأخبار بعد التسخين الواضح من الأطراف المشاركة في الحرب التي مضى عليها سبعة أعوام. وتزايد التوتر بعد سيطرة قوات مدعومة من السعودية والإمارات، أطلق عليها «ألوية العمالقة» على منطقة شبوة وتخفيف الضغط على مأرب التي عانت خلال العامين الماضيين الأسوأ جراء محاولات المتمردين الحوثيين السيطرة على آخر معقل للحكومة التي تدعمها السعودية في الشمال وإحكام السيطرة على المنطقة الغنية بالنفط وفرض وقائع جديدة على معادلة الحرب لصالح الحوثيين الذين لم يبد أن لديهم ميل للتوصل إلى تسوية، باستثناء التسوية التي فرضوها على الأرض.
فمنذ زحفهم من معقلهم في صعدة عام 2014 ودخولهم العاصمة صنعاء بمساعدة الرئيس السابق علي عبد الله صالح وقواته الذي حاول الثأر من حكومة نائبه السابق عبد ربه منصور هادي، والحوثيون يوسعون مناطقهم في شمال وغرب البلاد. وفي الوقت الذي تم وقف تقدمهم في عدن ومناطق الجنوب إلا أن الإمارات العربية المتحدة الحليف الرئيسي في التحالف الذي قادته السعودية عام 2015 بهدف إعادة الشرعية إلى صنعاء، انشغلت ببرنامجها الخاص في مدن الجنوب وأحكمت مع حلفائها دعاة الانفصال عن الشمال سيطرتها على الموانئ الرئيسية في الجنوب.
دبلوماسية الاقتصاد
ولكن أبو ظبي التي شاهدت ما تعرضت له المنشآت الحيوية في السعودية من هجمات زعم الحوثيون أنهم وراءها، مع أن الإتهام وقع على راعيتهم إيران، قررت سحب قواتها من اليمن في عام 2019. وقالت أبو ظبي إنها تريد التركيز على «الدبلوماسية الاقتصادية» والسعي للحفاظ على النمو والاستقرار. مع أن المحللين ربطوا التحول في الموقف الإماراتي في اليمن بالرد الإيراني على استراتيجية الرئيس السابق دونالد ترامب «أقصى ضغط» الذي حاول جر طهران مرة أخرى لاتفاقية نووية بحسب شروطه، ولكنها ردت على العقوبات التي فرضها عليه، بسلسلة من عمليات التخريب لناقلات النفط في مياه الخليج. وكانت أبو ظبي المبادر الأول من بين دول الخليج في فتح علاقات مع منافستها وشريكتها التجارية إيران. ونظر لمحاولات خفض التوتر من الإمارات والسعودية التي تحملت العبء الأكبر في حرب اليمن كرد على التحول في السياسة الأمريكية من الشرق الأوسط، وتعهد الرئيس جوي بايدن في أول خطاب له يتعلق بالسياسة الخارجية بالعمل على حل أزمة اليمن التي اعتبرتها الأمم المتحدة أسوأ كارثة إنسانية في العالم. ومر عام على وصول بايدن إلى البيت الأبيض وها هي الأمور تسخن من جديد.
من أبو ظبي إلى صعدة
وبدأت الأحداث الأخيرة بعد الهجوم الدقيق والجريء الذي نفذه الحوثيون وأصاب شركة النفط الإماراتية «ادنوك» ومطار أبو ظبي الدولي يوم الإثنين 17 كانون الثاني/يناير حيث قتل الهجوم بالصواريخ والمسيرات أربعة اشخاص. وتعهدت الإمارات بالرد وطالب وزير خارجيتها الشيخ عبد الله بن زايد نظيره الأمريكي أنتوني بلينكن بوضع حركة الحوثيين على قائمة الجماعات الإرهابية، بعدما شطبتها إدارة بايدن في كانون الثاني/يناير 2021. فقد كان قرار تصنيف الحوثيين من التحركات الأخيرة لإدارة ترامب واستجابة للضغوط السعودية وحلفائها في الحرب. لكن الهجوم الأخير كان بمثابة المحفز على الانتقام وشن طيران التحالف الذي تقوده السعودية سلسلة من الغارات كان منها هجوم يوم الثلاثاء على صنعاء قتل فيه 20 شخصا، ولكن الهجوم القاتل كان على سجن في صعدة وأدى لمقتل العشرات وجرح المئات. واستهدف طيران التحالف مركزا للاتصالات في ميناء الحديدة وقتل فيه أطفال كانوا يلعبون قريبا منه وأدى لتعطل الإنترنت في اليمن.
وكان هجوم صعدة يوما دمويا في الحرب المستعرة منذ سبعة أعوام. وقالت صحيفة «الغارديان» (21/1/2022) إن السجن في صعدة استخدم كمركز للعمال المهاجرين الذين يعبرون اليمن. وأضافت إن تعطيل الإنترنت يعلم نقطة متدنية في النزاع الذي ينافس الحرب الأهلية السورية باعتباره الكارثة الإنسانية المدمرة والأعظم في العالم. ونقلت الصحيفة عن ماري إلين ماكونيل، البروفيسورة بمدرسة القانون في جامعة نورت دام بالولايات المتحدة قولها «الأخبار عن غارات الطيران السعودي على السجن- موقع مدني محمي- وتعطيل الإنترنت في اليمن مأساوي ولكنه لا يثير الدهشة». وأضافت «ألمح الرئيس بايدن (في مؤتمره الصحافي يوم 19 كانون الثاني/يناير) بأنه لن يبذل جهودا كبيرة لوقف الحرب الأهلية في اليمن. وكانت الحرب كارثية على المدنيين، وعلى الولايات المتحدة واجب وقف الحرب بناء على مبادئ القانون الدولي. وهذا يعني وقف الدعم للهجمات السعودية». وكانت الحرب كارثية بكل المقاييس على اليمن، فقد أدت لتهجير الملايين وقتل فيها بنهاية عام 2021 277.000 شخص، هذا علاوة على المجاعة وانتشار الأمراض مثل الكوليرا وأخيرا كوفيد- 19. وطالما انتقدت منظمات حقوق الإنسان الدعم الأمريكي والبريطاني للحرب. ورأى أوين جونز في صحيفة «الغارديان» (20/1/2022) أن تواطؤ حكومة بوريس جونسون في الحرب الكارثية باليمن أسوأ من فضائحه التي تلاحقه. وذكر أن التحالف يقوم بدك هذا البلد الفقير بالقنابل، الكثير منها صنع في بريطانيا. وقال إن بريطانيا هي متواطئة في الحرب والجرائم، ويرتكبها طرفا الحرب، وما يهم هنا هو أن «حكومتنا تسلح وبطريقة مباشرة وتدعم طرفا واحدا، وهي مسؤولة بشكل مباشر عن تصرفاته».
جهود بايدن الغامضة
ورغم قرار محكمة بريطانية أدان رخص بيع السلاح للسعودية إلا أن الحكومة عادت واستأنفت الصفقات بعدما توصلت إلى أن هناك «حوادث معزولة» تم فيها خرق القانون الإنساني الدولي. وبنفس المقام أعلنت إدارة بايدن في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 أنها ستبيع صواريخ جو- جو بقيمة 650 مليون دولار إلى السعودية. ولا يعرف إن كانت الأسلحة الأمريكية قد استخدمت في الغارات التي شنها التحالف في الأيام الأخيرة، باعتبار أن السعودية مشتر كبير للسلاح الأمريكي. وأكد وزير الخارجية بلينكن في اتصال مع نظيره السعودي يوم الجمعة على التزام بلاده بدعم شركائها في الخليج كي يكونوا قادرين للدفاع عن أنفسهم. وجاء التحرك الأمريكي وسط مطالب نواب ديمقراطيين الرئيس بايدن توضيح الدعم المقدم للتحالف الذي تقوده السعودية وتجنب اتخاذ خطوات قد تورط واشنطن في الحرب المدمرة. ونقل موقع «ميدل إيست آي» (20/1/2022) عن النائب الديمقراطي رو خانا، الذي يعتبر من نقاد الحرب ودعوته لوقف البيت الأبيض وحالا كل الدعم العسكري للتحالف الذي تقوده السعودية و «التركيز على الدبلوماسية» من أجل وقف النزاع الدموي. وقال خانا معلقا على هجمات الحوثيين ضد السعودية والإمارات والتي قال المتمردون إنها ردا على «تلاعب الإمارات» باليمن «هذا التصعيد الخطير في اليمن يجب أن يتوقف. ولعدة سنوات يقوم التحالف الذي تقوده السعودية بدك مناطق المدنيين والبنى التحتية في اليمن وصعد من الهجمات أخيرا. وشاهدنا بداية الأسبوع الهجوم الحوثي المروع الذي قتل مدنيين في الإمارات». وقال إن التحالف ضرب في الفترة الماضية محطة معالجة مياه بحيث ترك أكثر من 120.000 يمني في صنعاء بدون مياه صحية. ويرى أن الطريق الوحيد لوقف الحرب هو استخدام ورقة الضغط الوحيدة وإنهاء الدعم العسكري للتحالف السعودي. ويظل الدعم الأمريكي للتحالف محل نقاش من النواب وماذا تعني الإدارة بالسلاح الدفاعي. وحاول موقع «فوكس» و«ذي انترسيبت» تحديد ماهية السلاح الدفاعي بدون جدوى.
حركة إرهابية؟
ويجمع الخبراء والمشرعون على أن سياسة بايدن «الغامضة» من اليمن ليست ناجعة بل وعمقت النزاع. وسيتدهور الوضع حال أعادت الإدارة تصنيف الحركة الحوثية كإرهابية، ففي يوم الأربعاء قال بايدن بمؤتمر صحافي في البيت الأبيض إن إدارته تفكر بإعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية دولية. وسيعمل التصنيف على عزل الحركة لكنه قد يزيد من مصاعب مساعدة اليمنيين. ويرى تريتا بارسي من معهد كوينسي إن استجابة بايدن للطلب الإماراتي وتصنيفه الحوثيين كحركة إرهابية هو «تحرك رمزي وعبارة عن تحول 180 درجة والعودة إلى سياسات ترامب». مع ان بايدن اعترف بعد عام من تصريحاته المتفائلة بحل الأزمة وتعيينه مبعوثا خاصا قائلا «سيكون من الصعب جدا» حل النزاع. وتحدث عدد من النواب عن فكرة إعادة تصنيف الحوثيين منهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب غريغوي ميكس والذي قال إنه ينظر «بحذر» للموضوع و«أنا قلق وأشجب بأعلى المستويات الحوثيين واستخدامهم الطائرات المسيرة والغارة على الإمارات، وهو أمر ندرسه».
لماذا الإمارات
وأثارت غارات الحوثيين على الإمارات أسئلة عدة حول التوقيت والدور الإيراني وما يمكن أن تتركه من آثار على التقارب الدبلوماسي بين البلدين. ورأت صحيفة «فايننشال تايمز» (19/1/2022) أن توقيت الهجوم من قبل الجماعة الوكيلة عن إيران يعتبر فحصا للجهود الأخيرة من أبو ظبي لخفض التوتر مع جارتها. وطالما حذر قادة الإمارات من التهديد الذي تمثله الجماعات التي تدعمها إيران ولكنها المرة الأولى التي اعترفوا فيها بأن هجوما على شواطئ المركز التجاري والسياحي الأول في المنطقة والذي يتدفق إليه ملايين العمال الوافدين والسياح للعمل في أبو ظبي والتسوق في دبي، يرتبط بالأمن. ورغم تأكيد الإمارات يوم الإثنين أن الحوثيين ليست لديهم القدرة على تقويض استقرار بلادهم، لكن الجماعة المتمردة أتبعت الهجوم بشريط دعائي حذر فيه زعيمهم عبد المالك الحوثي المستثمرين من أن الإمارات لم تعد «بلدا آمنا». وربط المسؤولون الإماراتيون العلاقة بين الهجوم وزيارة المسؤول البارز في الحركة محمد عبد السلام لطهران وقت الهجوم، وذلك بحسب ما أورده إعلام الحركة. ويرى شخص على معرفة بالموقف الإماراتي أن «الموقف ليس جيدا للإيرانيين، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار الإشارات التي سيرسلونها عبر تصريحاتهم العلنية أو القنوات الدبلوماسية». وأضاف «ليست جيدة لجهود التقارب. وكل الإشارات التي حصل الإماراتيون عنها من الإيرانيين: نريد رؤية مزيد من هذا» التقارب. وطالما نظر للحوثيين أنهم يتخذون قراراتهم بشكل مستقل، لكن ظل إيران سيحوم فوق الهجوم الأخير. وعلق ديفيد غاردنر بنفس الصحيفة (20/1/2022) قائلا إن الغارات الجوية ضد أبو ظبي تهدد بخلط أوراق التقارب الحذر في منطقة الخليج. وقال إن المسيرات تظهر بأن اليمن بات مثل سوريا نزاعا قادرا على نقل الفوضى خارج حدوده. وأضاف أن الهجوم يحمل مخاطر إنهاء أول محاولات جادة لبناء نوع من الثقة بين الملكيات السنية والجمهورية الإسلامية الشيعية. وأدت الهجمات لتوتير الأعصاب وكشفت عن الطريقة التي تحول فيها النزاع اليمني إلى بؤرة تشع الفوضى على جيرانها. وقال إن الهجمات تنافس في جرأتها الهجمات الصاروخية وبالمسيرات على منشآت نفطية لأرامكو في السعودية عام 2019. ويعتقد أن الهجوم الأخير هو طلقة تحذير وتم التصويب على مطار أبو ظبي الدولي وشركة النفط الوطنية أدنوك. وكانت هذه الهجمات دقيقة بدرجة دفعت المحللين داخل وخارج الإمارات للتساؤل عن الجهة الحقيقية التي تقف وراءها وإن كانت إيران وليس الحوثيين. وكان التحذير ليس للإمارات بسبب عودتها إلى اليمن، بل وللعالم، وجوهر الرسالة هو أنه مهما حدث في المفاوضات النووية بين إيران والدول الموقعة على اتفاقية 2015 بهدف إحيائها من جديد، فطهران لن تتنازل عن مناطق السيطرة الإستراتيجية التي بنتها خلال العقدين الماضيين في كل من العراق وسوريا ولبنان. والجماعة حول المرشد الأعلى للجمهورية آية الله علي خامنئي والحرس الثوري ليس لديها أية نية بالتنازل عن المحور العربي الشيعي الذي تم توثيقه باستخدام الميليشيات العربية الشيعية وباستخدام المسيرات والصواريخ في منطقة المشرق العربي. ويمثل اليمن بالنسبة لإيران مهمازا مفيدا. وماذا عن جهود خفض التوتر والتواصل الدبلوماسي الذي جرى في بعض الأحيان على مستويات عليا بين الإمارات والسعودية وإيران؟ قد يستمر ولكن إيران حاولت أن ترسل عبر حلفائها رسالة لتذكير الإمارات بمكامن ضعفها. ومع تطور قدرات الحوثيين في استخدام المسيرات تثار أسئلة حول قدرة هذه المركبات بدون طيارعلى حسم النزاعات، كما في ليبيا وأذربيجان. ورأت صحيفة «التايمز» (19/1/2021) أن استخدام الحوثيين لها أثبت قدرتها على ترك تأثير استراتيجي وتكتيكي، ومع تطور هذا النوع من السلاح فستلعب المسيرات دورا مهما في حروب المستقبل. ويثير استهداف الحوثيين الإمارات أسئلة على السياسة التي ستنتهجها في اليمن، فهي وإن سحبت قواتها من هناك إلا أنها أبقت على فرقة صغيرة لمكافحة الإرهاب، ودعمها لألوية العمالقة كان إشارة لعودة اليمن إلى الخلاف الداخلي، على الأقل من جانب الحوثيبين. فهؤلاء سيحاولون ضرب العمق الإماراتي لتشويه صورة البلد على أنه ساحة استقرار كما تقول إيلينا ديلوجر في مقال بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى (18/1/2022). ويتطلب الحادث الأخير دراسة انعكاساته القصيرة وبعيدة المدى. وسيترك أيضا آثاره على سياسة الولايات المتحدة ودعوات لحماية حلفائها ومصالحها، وهو ما حدث بعد هجمات 2019 فقاعدة الظفرة لا تبعد سوى أميال عن مرمى الصواريخ الحوثية الأخيرة. وطالما تعاملت مع السعودية وحربها في اليمن بحذر وقد تضطر لعمل نفس الشيء مع الإمارات. والمفارقة أن المهاجرين يدفعون ثمن الحروب في المنطقة سواء في صعدة أو أبو ظبي.