لندن ـ «القدس العربي»: تفاقمت أزمة الصحافة في السودان مع التضييقات التي تمارسها السلطة العسكرية الحاكمة، وهو ما دفع إحدى الصحف إلى إعلان التوقف نهائياً عن الصدور احتجاجاً على الممارسات التي تتعرض لها.
وأعلنت صحيفة «الحداثة» الأسبوع الماضي توقفها نهائياً عن الصدور احتجاجاً على ممارسات «السلطة الانقلابية» ضد الصحافيين والمتظاهرين السلميين في آن واحد.
وذكرت إدارة الصحيفة في بيان أنها توصلت إلى أن «أجواء القمع والاستبداد ومصادرة الحقوق والحريات، والتي تزداد وتيرتها يوماً بعد يوم وتنذر بتحول البلاد لمحرقة كبيرة، لا تسمح للصحيفة بالوفاء بواجباتها المهنية ومسؤوليتها تجاه ثورة ديسمبر».
وأوضحت إدارة صحيفة «الحداثة» في بيانها أنها ظلت تتابع بقلق بالغ التردي اليومي لأوضاع الحريات الصحافية والإعلامية في ظل الانقلاب، ورصدت التهجم بالتشكيلات العسكرية المدججة بالأسلحة على دور الصحف والمؤسسات الإعلامية، والاعتداء المتواصل وتسبيب الأذى الجسيم للصحافيين ومراسلي القنوات الإعلامية ونهب ممتلكاتهم واعتقالهم وترويعهم، وصولاً إلى سحب التراخيص والإيقاف.
وأشارت إلى أن «الانقلاب العسكري وضع نهاية لمناخات الحريات الصحافية والإعلامية التي جاءت بها ثورة ديسمبر، وفتح الباب لدورة جديدة من تقليص مساحات العمل العام».
وتابعت أن مناخ التضييق لن يسمح لها بمتابعة سياساتها التحريرية القائمة على معالجة القضايا الانتقالية، ولن تكون ممكنةً ملاحقة قضايا الفساد، ولا خدمة القراء بمادة صحافية حرة، لذا قرّرت معالجة أوضاع الصحافيين والعاملين بالصحيفة والتوقف النهائي عن الصدور.
وكانت صحيفة «الحداثة» صدرت لأول مرة في الأول من كانون أول/ ديسمبر 2019 أي بعد سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير، واختارت لنفسها شعار «من أجل صحافة سياسية في مقام الثورة السودانية».
وتوقفت الصحيفة مؤقتاً عن الصدور بعد يوم واحد من انقلاب قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، انتظاراً لما ستؤول إليه الأوضاع السياسية في البلاد، حتى قررت اليوم الأحد التوقف النهائي.
كما توقفت بعد الانقلاب مباشرة صحيفة «الديمقراطي» وسبقتها قبل الانقلاب صحيفة «المواكب» وكلها صدرت بعد الثورة.
ويأتي توقف صحيفة «الحداثة» عن الصدور بالتزامن مع قرار السلطات السودانية سحب ترخيص مكتب قناة «الجزيرة مباشر» وهو ما أشعل أيضاً موجة من الانتقادات للمضايقات التي تتعرض لها وسائل الاعلام وعمليات استهداف الصحافيين في السودان.
وأعربت بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان عن أسفها إزاء القرار الصادر عن وكيل وزارة الإعلام السودانية المكلف نصر الدين أحمد بإغلاق مكاتب «الجزيرة مباشر».
وصرحت على تويتر: «يأسف الاتحاد الأوروبي لسحب سلطات الدولة السودانية رخصة قناة الجزيرة مباشر». وأضاف الاتحاد الأوروبي: «إن حرية التعبير والإعلام من الحقوق الأساسية التي يجب ضمانها. لا يمكن للديمقراطية أن توجد بدون حرية الصحافة».
كما اعتبرت السفارة الأمريكية في الخرطوم أن إلغاء ترخيص قناة «الجزيرة» مباشر «خطوة إلى الوراء بالنسبة لحرية الصحافة التي هي حجر الزاوية في التحول الديمقراطي».
وقال مؤسس شبكة الصحافة الأخلاقية والأمين العام السابق للاتحاد الدولي للصحافيين أيدن وايت إن هناك نضالاً من أجل تحقيق الديمقراطية في السودان، وإن أي زخم سياسي يحاول أن يخلقه المجتمع الدولي سيعتمد على ظروف ملائمة في البلاد.
وأضاف: «إن الرقابة على الإعلام وسحب تراخيص مكتب الجزيرة مباشر مؤشر سيء على أن هناك طريقاً طويلاً قبل الوصول إلى عملية ديمقراطية حقيقية في السودان» بحسب وصفه.
وتابع وايت: «أعتقد أن المجتمع الدولي ومجموعات حرية الصحافة تريد تحقيق ذلك، تريد استعادة كاملة لحرية الصحافة ولكل الصحفيين ولكل الشبكات الإعلامية، ومن ضمنها الجزيرة بالتأكيد».
ودانت شبكة الصحافيين السودانيين قرار حظر عمل قناة «الجزيرة» مباشر، واعتبرته منافيا للمواثيق الدولية لحرية التعبير والصحافة.
وقالت شبكة الصحافيين السودانيين إن القرار جزء من عمليات ممنهجة ومدبرة لخنق الحقيقة وإخماد حرية الصحافة والإعلام، وفق تعبيرها.
وسبق أن أوقف مدير مكتب قناة «الجزيرة» في الخرطوم السوداني المسلمي الكباشي ثلاثة أيام منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الماضي من دون الإعلان عن سبب توقيفه.
وهاجمت قوات الأمن السودانية في كانون الأول/ديسمبر مكتب قناة «العربية» السعودية في الخرطوم وتعرّضت بالضرب لصحافيين وصادرت تجهيزات.
وقبل الانقلاب العسكري كان السودان يحتل المرتبة 159 بين 180 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تعدّه منظمة «مراسلون بلا حدود» فيما تعتبر الأمم المتحدة أن السودان بيئة «معادية بشكل متزايد للصحافيين».