ماذا يحدث في جنة كرة القدم المهجورة؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: ما زالت الأقلية المخلصة لكرة القدم الإيطالية، باقية على الولاء والحب القديم لما كان يُعرف في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي دوري «جنة كرة القدم»، قبل أن يجور عليه الزمن، ويصبح سلعة مجانية للمشاهدين في الشرق الأوسط، بعد خروجه من حسابات الناقل العملاق في المنطقة «بي إن سبورتس»، وعزوف باقي المنافسين عنه، في ظل هوس عالم كرة القدم بجنون الدوري الإنكليزي الممتاز وبدرجة أقل الليغا بفضل سمعة ريال مدريد وبرشلونة، وهو ما يفسر أسباب التغطية الخجولة للكالتشيو في الإعلام العربي، وفي نفس الوقت، يجعلنا نسأل ونتساءل كيف وصل الحال بالسيريا آه إلى ما هو عليه الآن، رغم احتدام المنافسة على اللقب وعلى المراكز المؤهلة لدوري أبطال أوروبا الموسم المقبل.

ضريبة المال السهل

واحد من الأسباب التي أدت إلى تفاوت القيمة التسويقية بين الكالتشيو والبريميرليغ، بعد سنوات من المناطحة والمجادلة في نقاشات الدوري الأفضل عالميا، سنجد أنها ضريبة السياسة القديمة، التي وضع الملاك العظماء حجر أساسها، والحديث عن الرئيس التاريخي لميلان سيلفيو بيرلوسكوني ونظيره في الإنتر ماسيمو موراتي، وبالجوار في تورين عائلة آنييلي المالكة للغريم الأزلي يوفنتوس، هؤلاء قالت عنهم مؤسسة «ذا أتليك»، كانوا يتعاملون مع أنديتهم بطريقة الثقة المفرطة في الابنة الصغيرة، لدرجة منحها بطاقة بنكية بعمر 14 عاما، ورغم أن هذه السياسة أعادت صياغة تاريخ عملاقي ميلانو، بحصد العديد من الألقاب المحلية والقارية، خاصة في فترة الهيمنة على نجوم الصفوة في العالم، قبل أن تتبدل أحوال كرة القدم، بدخول قانون اللعب المالي النظيف، وظهور قوة شرائية جديدة بحجم مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان، ما تسبب في تأخر الدوري الإيطالي عن ركب منافسيه، وصلت لحد ترك المركز الثالث لأندية البوندسليغا في تصنيف الخمسة الكبار، تأثرا بالمشاكل الاقتصادية التي تناوبت على الثلاثة الكبار في العشرية الأخيرة، وبسببها ابتعد ميلان عن دوري الأبطال فترة ليست بالقصيرة، وإلى الآن يعاني منها الإنتر، لافتقاره للخبرة الأوروبية، بحكم الابتعاد عن ذات الأذنين في فترة تغير مراكز القوى، بهبوط منحنى أندية عريقة والعكس لأخرى حديثة، أو بالأحرى فترة هيمنة المال على مفاصل لعبة الفقراء، هذا بخلاف أزمة الديون، التي تلاحق الجميع في وطن البيتزا، وكانت واحدة من أسباب هجرة عدد لا بأس به من نجوم الصف الأول، لعل أبرزهم كريستيانو رونالدو وروميلو لوكاكو، ما ضاعف من حجم الخسائر التسويقية، خصوصا المتعلقة بالبث التلفزيوني، لضعف الأسماء والنجوم الرنانة، مقارنة بما هو متاح في بلاد الضباب وباريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ وبدرجة أقل عملاقي الليغا، ومع ذلك، كل ما سبق لا يقلل من مستوى التنافس بين الأندية منذ بداية الموسم وحتى يومنا هذا، الذي سيرسم الكثير من ملامح الصراع على اللقب.

استفاقة السيدة العجوز

رغم أن مدرب يوفنتوس ماكس أليغري، لم يكن محظوظا بما فيه الكفاية في النصف الأول، بسلسلة من العروض والنتائج المحبطة بالنسبة للشريحة العريضة للمشجعين، مثل حصوله على 34 نقطة في نهاية الدور الأول، كأسوأ بداية للبيانكونيري في آخر 10 سنوات، أقل حتى من موسم بيرلو المخيب، الذي جمع 39 نقطة في نفس عدد المباريات، إلا أنه بدأ يرى النور في نهاية النفق المظلم، كما كان يقول أيقونة التعليق المصري الكابتن ميمي الشربيني بمساعدة من «الجنرال حظ» أمام ذئاب روما، في المباراة التي لو أعيدت أكثر من مرة، لن تنتهي أبدا بفوز اليوفي برباعية مقابل ثلاثة على كتيبة البرتغالي جوزيه مورينيو، وحدث ذلك بعد التقاط الأنفاس في بداية الدور الثاني، كمؤشر لريمونتادا جديدة من ميستر أليغري، صاحب التجارب المميزة في التعويض والعودة بقوة في النصف الثاني، كما فعلها عدة مرات مع اليوفي ومن قبله الروزونيري. وبعد خسارة الكأس السوبر أمام الإنتر، حافظ الفريق على نغمة الانتصارات، بتخطي أودينيزي بثنائية اقتصادية، ثم بالأربعة على سامبدوريا في دور الـ16 لكوبا إيطاليا، ليتنافس أصحاب القرار في «يوفنتوس آرينا» الصعداء، بتحسن أوضاع الفريق على المستوى المحلي، باقترابه من دائرة المنافسة على المركز الرابع، على بعد نقطة واحدة ومباراة أكثر من أتالانتا صاحب المركز الرابع، لتبقى زيارة «سان سيرو» المقررة مساء اليوم، مفترق طريق لكلا الفريقين، إما أن يثبت اليوفي جديته في تصحيح مساره، بالتقرب أكثر وأكثر من مكانه المفضل، وإما أن ينجو ستيفانو بيولي ويحافظ على مشروعه مع شياطين ميلانو.

فصول ميلان الباردة

رغم أن الإدارة أنفقت حوالي 75 مليون يورو لتدعيم الفريق في الميركاتو الصيفي الأخير، إلا أن المشجع العادي للنادي لم يشعر باختلاف جذري أو طفرة واضحة في الفريق، أو على الأقل شيء مميز عن وضعه في الموسم الماضي، بالوقوع في نفس الأخطاء التي تسببت في ضياع لقب الكالتشيو الموسم الماضي، أبرزها عجز المدرب على توفير البديل المناسب لأحد عناصره الرئيسية، مثل لياو وثيو هيرنانديز وإسماعيل بن ناصر وفيكايو توموري وزلاتان إبراهيموفيتش والحارس ميك مانيان، وغالبا ما تعاني المنظومة الجماعية في حال غياب واحد من هذه العناصر، وهذه الإشكالية تحتاج تدخل من الإدارة، بتوفير دماء جديدة على نفس مستوى الأساسيين، وواقعيا هذا الأمر يبدو مستبعدا، على الأقل في الميركاتو الشتوي الحالي، استنادا إلى التقارير الإيطالية، التي تؤكد أن الإدارة أبلغت المدرب أن الخزينة لا تتحمل أي إنفاق في النافذة الشتوية، بل الصدمة، أن يستعد لفقدان واحد أو اثنين من الركائز الأساسية، لصعوبة التواصل معهم في مفاوضات تجديد العقود، وفي مقدمتهم كيسي وبن ناصر، كمؤشر إلى احتمال أن يكون القادم أسوأ، وبالتبعية تقديم اللقب على طبق من فضة لغريم المدينة الإنتر للعام الثاني على التوالي، وهذا ما ستحدده نتيجة قمة اليوم ودربي الأسبوع المقبل أمام النيراتزوري، بعد عودة الفريق إلى فصوله الباردة، بالسقوط أمام سبيتزيا في فرصة الضغط على الإنتر بالقبض على الصدارة حتى إشعار آخر.

البطل المنتظر

أثبتت التجارب منذ بداية الموسم وحتى كتابة هذه الكلمات، أن إدارة الإنتر أصابت الهدف، بإسناد المهمة للمدرب سيميوني إنزاغي، ثم بالاستغلال المثالي لبيع روميلو لوكاكو، بتعويضه بالداهية البوسني إيدين دجيكو، الذي يثبت بشكل عملي من مباراة لأخرى، أن الفريق لم يتأثر كثيرا برحيل الدبابة البلجيكية، وبدون مقابل، وهذه حصيلة ما زرعه أنطونيو كونتي في ولايته الاستثنائية، التي وضع خلالها حجر أساس المشروع الذي يُضيف إليه إنزاغي في الوقت الراهن، مع الفارق في بعض الجودة على مستوى الأفراد، خاصة في جبهة أشرف حكيمي، لكن على المستوى الجماعي، فالأمور تسير كما كانت في حقبة كونتي، باستراتيجية يسير بها الفريق، بعد وصوله إلى التوليفة السحرية في أغلب المراكز، بجانب ميزة الغطاء الجيد على مقاعد البدلاء، في ظل التنوع في المواهب، بوجود أسماء بحجم بروزوفيتش وفيدال وهاكان وباريلا، وفي الهجوم نفس الوفرة في وجود كوريا وعودة لاوتارو مارتينيز للتألق، بعد تحرره من عباءة لوكاكو الموسمين الماضيين، ما يعني أن منطقيا وعلى الورق، يبدو الإنتر المرشح الأكثر جاهزية لمواصلة القتال حتى النهاية، إلا إذا لم يتعلم سيموني اينزاغي من أخطائه السابقة، أشهرها موسم 2019-2020 مع ناديه السابق لاتسيو، الذي اقترب فيه من منافسة يوفنتوس على اللقب، ثم تدهورت نتائجه في النصف الثاني. عموما النتائج هي ما ستتكفل بالرد عن شقيق بيبو إينزاغي في المرحلة المقبلة.

السبيشال الأعظم

بعد وصفه بالسبيشالونو «السبيشال الأعظم»، وبدايته المبشرة مع روما، بالتواجد كتفا بكتف مع أصحاب المراكز الأربعة الأولى حتى الجولة الحادية عشرة، عاد جوزيه مورينيو وفريقه روما إلى المربع صفر، إما لسوء النتائج وإما للعروض غير المقنعة، على غرار فضيحة السقوط بالستة في بطولة المؤتمر الأوروبي، ثم بابتعاده عن دائرة المنافسة على المراكز المؤهلة للبطولات الأوروبية الموسم المقبل، باحتلال المركز السابع، على بعد 6 نقاط من يوفنتوس صاحب المركز السادس، ورغم ذلك، ستكون أمامه فرصة نادرة لتقديم مشروعه بالصورة التي رسمها لجماهير الذئاب في بداية الموسم، في حال تمكن من جمع أكبر عدد متاح من النقاط في مبارياته السبع المتوسطة المقبلة أمام إمبولي وجنوى وساسوولو وفيرونا وسبيتزيا وأتالانتا وأودينيزي ثم دربي العاصمة أمام لاتسيو. وفي كل الأحوال، سيبقى موسم مورينيو الأول، بهدف بناء القاعدة العريضة للمشروع المقبل، بعد نجاحه في تنفيذ المخطط الأول، بطرد أكثر من 20 لاعباً في الميركاتو الصيفي الأخير، تمهيدا لتحسين جودة الفريق، مقارنة بالعناصر التي كانت وما زالت متواجدة من حقبة المدرب السابق باولو فونسيكا، فهل سنكون على موعد مع عودة قوية لمورينيو في الأسابيع القادمة أو المرحلة المقبلة عموما؟ أم أنه لن يعود أبدا إلى عصره الذهبي مع تشلسي في الولاية الأولى والإنتر وريال مدريد؟ دعونا ننتظر ما يخبئه القدر للمدرب المثير للجدل وما سيحدث في صراع الإنتر وميلان على لقب الكالتشيو المجهول إعلاميا هذا الموسم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية