يحدث أحيانا، أن تعتري الباحث حالة من الانسداد المعرفي، كلما كان بصدد الاقتراب من إغراء بعض الإشكاليات الملتبسة، من قبيل إشكالية «السكن» سواء بمفهومها الشعري أو الفلسفي. وبقدر ما تحضره تلك المتعة الغامرة، الناتجة عن احتفائه بالتصور «الهولدرليني» المتمحور حول تماهي حقيقة الشعر، مع حقيقة «مسكن الكائن» إلا أن هذه المتعة لا تلبث أن تتبدد، حالما يتحول السؤال إلى إشكال فكري ومعرفي، يكون معه الباحث ذاته مدعوا للخوض في مضايقه، وفي منعطفاته.
وهي معضلة يتعذر إنكارها، باعتبار أنها تنبهنا إلى ما يمكنه توصيفه بالمناعة الذاتية، التي تتميز بها بعض القضايا الفكرية، من خلال انغلاقها على دلالتها، كي يظل السؤال مراوحا مكانه، مكتفيا بمتعة تخمين ما هو موجود خلف الباب، بدل التورط في مغامرة فتحه.
وعلى سبيل مناورة ممكنة لتجاوز هذا العائق، سنحاول القبض على مفهوم السكن الشعري، من خلال توسيع دلالته، بوضعه في سياقه الإنساني الشامل، المترع بأحواله الحميمية، المحيلة على أجواء للسكينة المادية والروحية، التي دأب الكائن على تكريس حياته من أجل تحصيلها. ونعني به السياق الذي يجعل من السكن، بيتا آمنا، عشا، ملاذا، وطنا، وكل ما هو مندرج في الفضاءات، التي تغتبط الذات بالوجود في رحابها، سواء كانت ذاتا بصيغة المفرد، أو الجمع. لذلك، سيكون من الطبيعي أن تحتل فكرة تملك السكن ببعديه المادي والرمزي، مركز اهتمامات الكائن ورهاناته. فالتملك هنا، يأخذ شكل المعادل الموضوعي لمجموع القيم المتفرعة، من لائحة المكارم السامية، من قبيل الشرف، والعزة، والأنفة، والغيرة، والإباء، تلك التي تكون الذات دونها عرضة لمكابدة مخاطر النفي، ومآسي الاغتراب. ولربما بسبب ذلك، يحضر وبإلحاح، ذلك الرهاب الباطني واللاواعي، الناتج عن احتمال الارتطام بصخرة الفقد. رهاب، تتلون طبيعته بتلون السياق الذي توجد فيه الذات، خاصة حينما تكون موضوع تهجير وحرمان، سواء من وطنها، من لغتها الأم، أو من قيمها الروحية، وكذا مسرات جناتها الموعودة، بما فيها جنة المعرفة، وكلها أطياف متعددة ومتنوعة لفكرة السكن وجوهره، التي غدت لدى الشعراء الكبار – بقوة الرهاب ذاته – لازمة لأحلامهم وكوابيسهم، ولازمة لواقعهم ومتخيلهم.
ولعل الشاعر من خلال كتابته للنص الشعري، يكون بصدد بناء بيته السري، الذي يحتمي فيه من مكائد العالم. كما يكون البديل الذي يكفيه مآسي التيه في أحراش اليومي ومتاهاته. وليس البيت الشعري في القصيدة العربية القديمة، سوى المعنى الأكثر جمالية، الذي يبشر عابر صحارى القول، بفتنة الوصول إلى فيء الأمان، المشع خلف حجب السديم. فداخل هذا الفيء، سيكون له أن يحل بموائل ومنازل من رحلوا، ليذرف دموع تحنانه ومكابداته، على ما لاح من رسومها. وهو الفيء ذاته الذي سيأخذ لاحقا شكل الحان والخمارة، في سياق تطوير وإبدال القصيدة لمساكنها داخل شعريات القول. وفي اعتقدنا أن انقلابا جذريا، قد يحدث في مقاربتنا للقصيدة العربية القديمة، على ضوء اعتماد رؤية فلسفية وجمالية جديدة ومغايرة، تتعامل مع الرسم/الطلل بوصفه أفقا /سكنا فكريا، تستحضر فيه اللغة الشعرية، تلك القطعان الروحية الهاربة خارج بؤس اليومي وابتذاله، بدل تكرار مقولة «الوقوف على الأطلال» بما يترتب عنها من تبخيس مجاني، لأحد أهم مقومات الفعل الإبداعي على المستوى الكوني قاطبة، وليس فقط على مستوى القصيدة العربية القديمة.
وإذا ما اعتبرنا أن البنيات التعبيرية الصادرة عن الذات، هي التي تدلنا على هوية روحها المستقرة داخل ألفة السكن، فإن تمظهر صورة هذه الروح على شاشة إدراكنا يتم عبر تدفق أنهار الكلام.
وإذا ما اعتبرنا أن البنيات التعبيرية الصادرة عن الذات، هي التي تدلنا على هوية روحها المستقرة داخل ألفة السكن، فإن تمظهر صورة هذه الروح على شاشة إدراكنا يتم عبر تدفق أنهار الكلام. وهي بالمناسبة الصورة التي تستمد منها الذات مركزية الحضور، من خلال استثمارها لمجموع ما يترتب عن مخاضاتها، وتفاعلاتها الحياتية من ردود أفعال فكرية، وشعورية. علما بأن ردود الأفعال هذه، قد تظل غائبة، ما لم يزودنا التدفق الكلامي، بما يكفي من الإشارات الضرورية، التي تقودنا إلى مساكن وملاذات أسرارها. وكما هو معروف، فإن عملية تظهير الاسم للشيء، التي تعني توطينه في «سكن دلالي» ما، والمنجزة من قبل اللغة، تشمل كلا من العوالم الداخلية والخارجية، التي تتفاعل معها الذات، كي تنتزعها من اغترابها، لتصبح تبعا لذلك منتظمة في سياق المألوف، الذي تستأنس به في مواجهتها لصواعق المجهول والغامض، ولكل ما يمت بصلة قريبة أو بعيدة لكوابيس اللامرئي المتربصة بها.
بمعنى أن الكائن – ومن هذا المنظور تحديدا – يتغلب على إحساسه الرهيب والدرامي بغربته في الوجود، من خلال دمج حياته في حياة الأشياء، عبر مراودته لها بتسميتها، حيث الأشياء تنتشي هي أيضا بهذا التبادل اللعبي، لتسعد بامتلاكها لحظوة اسم يخرجها خلسة من برودة المجهول إلى حميمية «السكن» المعلوم.
إن امتلاكها للاسم سيسمح لها بأن تكون موضوع تفاعل. ولربما تصبح في الآن ذاته، موضوع تأمل وتفكير وتأويل، ما سيهيئها للتنازل عن شراسة غموضها وحيادها، إثر اندماجها تلقائيا، بفضل هبات الكلمات في شبكة العلاقات الناظمة للموجودات، بوصفها شبكة «مساكن» و»ملاذات» لغوية بامتياز. وبتعبير مباشر لا يخلو من عمقه المجازي، لقد غدت «الأشياء» مالكة لمسكن تستجير به من مأساوية التيه، الذي يصطفي ويدخر فيه الكائن مقتنياته المادية والرمزية. فالذات من هذا المنطلق، تستشعر القوة الإجرائية التي تمتلكها اللغة، كلما ساعدتها على تعميق وعيها بحقائق الوجود وأوهامه، عبر الأسماء التي تتحلى الأشياء بجمالها.
وضمن هذه القناعة، تحضرنا الكتابة الشعرية التي تستفيد من المقتنيات المعجمية والتركيبية، التي راكمتها اللغة في مسكنها هذا، كي تؤسس بها مسكنا مغايرا، سيحمل اسمها على امتداد الأزمنة، ليكون في نهاية المطاف، المسكن الحقيقي للكائن.
إن الكتابة الشعرية تعيد بذلك تخليق اللغة، مجددة تسمية الأشياء بصيغتها الخاصة، كي تشرع في تلمس طريقها باتجاه ما ينبغي رؤيته وسماعه، من منطلق أن الأسماء التي تعرف بها الأشياء في اللغة العادية والطبيعية، ليست في واقع الأمر سوى حجاب، يخفي جوهرها، باعتبار أن وظيفتها هنا تنحصر في الجانب التعييني والتحديدي، الذي هو مصدر المسلسل للتداولي والتبادلي الذي ينخرط بموجبه الشيء في الحياة العملية والمجتمعية.
بيد أن الهاجس الشعري، يكمن في رفعه لهذا الحجاب، من خلال اقتراح تسميات جديدة /مساكن جديدة للشيء، تحرص على النظر إليه ضمن شبكة علاقاته المختلفة والمغايرة المترامية الأطراف. باعتبار أن الهوية الجديدة التي يمتلكها الشيء، تظهر من خلال شعرية العلاقات المنفتحة، التي يؤسسها مع غيره. بمعنى أن لغة الشعر لا تكتفي فقط بإعادة تسميتها للشيء، بقدر ما تميل إلى إضاءة تلك العلاقة السرية والخفية، التي يقيمها مع أشياء العالم ككل. فالكلمات هي عبارة عن رموز دلالية، فضلا عن كونها جسورا واصلة ورابطة، تسمح بتلاقح وتفاعل دلالات الأشياء في ما بينها، من أجل خلق ذلك العالم المحتمل، الذي كان إلى حين في حكم العدم. وبفضل شعرية تبادل هذا الانفتاح القائم بين الكلمات، يتشكل طيف القول. وبتعبير آخر، يتشكل نسق السكن الذي يأوي من الدلالات ما به تتحقق كينونة الكائن.
شاعر وكاتب من المغرب