إسطنبول-“القدس العربي”: يزيد الصراع المتصاعد في أوكرانيا والخشية من حصول غزو عسكري روسي من مخاوف أوروبا المتعلقة بتأمين إمدادات احتياجاتها من الغاز الطبيعي وخاصة تلك القادمة من روسيا، الأمر الذي يزيد من حاجة الغرب إلى خط غاز شرق المتوسط المأمول منه أن ينجح في سد جزء مهم من الاحتياجات من خلال إيصال الغاز المكتشف من قبل إسرائيل واليونان وقبرص ومصر من شرق المتوسط إلى أوروبا الأمر الذي يفتح بدوره آفاقاً مهمة أمام تركيا لتأكيد موقعها الاستراتيجي كممر أساسي للطاقة ويعزز من فرصها في صراع شرق المتوسط.
ومن شأن اندلاع صراع واسع وكبير بين روسيا وأوكرانيا أن يهدد إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي الأوكرانية إلى جانب أن دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة،أكدوا أنهم لن يتدخلوا عسكرياً بشكل مباشر لمواجهة غزو روسي محتمل لأوكرانيا،ويخططون لفرض عقوبات اقتصادية “مؤلمة للغاية” على روسيا، وبالتالي سيكون الاستغناء عن الغاز الروسي وحرمان موسكو من عائداته من أبرز الخطط الأمريكية لمعاقبة الرئيس فلاديمير بوتين، وهو ما يفرض على الغرب البحث عن بدائل للغاز الذي يصل عبر الأراضي الأوكرانية أو خط الغاز الروسي الجديد الواصل إلى ألمانيا.
كما أن الأزمة الأوكرانية أظهرت مجدداً مدى حاجة الغرب إلى إيجاد بديل دائم للغاز الروسي الذي يعتبر أداة ابتزاز روسية ضد الاتحاد الأوروبي، وبات يؤثر بشكل مباشر في مواقف دول أوروبية مهمة على رأسها ألمانيا التي ما زالت ترفض مساعدة أوكرانيا عسكرياً وصولاً لمنعها مرور طائرات المساعدات العسكرية البريطانية المتجهة لأوكرانيا المرور من أجوائها للحفاظ على علاقاتها مع روسيا وضمان استمرار وصول إمدادات الغاز إلى أراضيها.
وفي هذا الإطار، كشفت مصادر غربية عن أن الإدارة الأمريكية بحثت مع قطر توفير بديل للغاز الروسي وذلك في إطار خطة طوارئ والاستعداد لإمكانية استخدام بوتين الغاز كورقة ابتزاز بالإضافة إلى إمكانية فرض الإدارة الأمريكية عقوبات اقتصادية ومنع روسيا من التعامل بالدولار وفي نفس الوقت تقليل الأضرار والخسائر الأوروبية المتوقعة في حال وقوع هكذا سيناريوهات.
لكن الحل القطري يأتي كـ”إجراء احترازي” أو “خطة طوارئ”، أما أزمة حاجة أوروبا للغاز فهي بحاجة إلى حل استراتيجي يتعلق بإيجاد بديل دائم، وبالتالي فإن الأنظار تتجه إلى غاز شرق المتوسط الذي يعتبر منذ سنوات أمل أوروبا لحل هذه الأزمة لكن التطورات الأخيرة قد تفرض على الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي القيام بخطوات أسرع وتصور نهائي لآلية نقل غاز شرق المتوسط لأوروبا.
وفي السنوات الأخيرة، اكتشفت الدول المطلة على شرق المتوسط وخاصة إسرائيل واليونان وقبرص وإسرائيل كميات كبيرة من الغاز وتسعى إلى تصديرها إلى أوروبا، إلا أن الخلافات السياسية والعسكرية التي تصاعدت مع تركيا أعاقت التوصل إلى تصور نهائي لمشروع خط الغاز الذي سعت دول “منتدى شرق المتوسط” وخاصة إسرائيل واليونان وقبرص لتهميش تركيا عبر الاتفاق على خط غاز يتجاوز الأراضي التركية ويصل إلى أوروبا بدعم من إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب.
إلا أن الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن والتي تروت في دعم المشروع أعلنت الشهر الجاري أنها أبلغت اليونان وإسرائيل وقبرص أنها سحبت الدعم السياسي والاقتصادي لمشروع “إيست ميد” بسبب التوصل إلى نتيجة بعدم وجود جدوى اقتصادية له، وهو ما شكل ضربة لمساعي تهميش تركيا من المشروع.
هذه الخطوة دفعت أنقرة للتأكيد مجدداً على موقعها الجغرافي الاستراتيجي والمحوري في أي مشروع لنقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا كونها أقصر طريق يمكن من خلاله أن يمر خط الغاز بالإضافة إلى امتلاك تركيا بنية تحتية قوية تمكنها من تأمين إيصال الغاز لأوروبا بأقل تكاليف وأسرع وقت ممكن.
ولانتهاز هذه الفرصة، سرعت تركيا من خطواتها لإعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل التي تعتبر الدولة المحورية الأولى في مشروع تصدير غاز شرق المتوسط لأوروبا، حيث جرت سلسلة اتصالات ولقاءات كان آخرها اتصال هاتفي بين وزيري خارجية البلدين يعتقد أنه يأتي في إطار تحضيرات متقدمة لتنظيم زيارة للرئيس أو رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى تركيا وبحث مشروع نقل الغاز.
وفي هذا الإطار، يعتقد أن أوروبا قد تقلل دعمها السياسي لليونان القائم على تأييدها في مساعي تهميش تركيا وابعادها عن مشروع نقل الغاز لأوروبا الأمر الذي يدفع باتجاه تمكين كافة الأطراف في تجاوز خلافاتها الثنائية والمصالح الضيقة أمام تحقيق الهدف الاستراتيجي المقبل المتمثل في تسريع مشروع إنشاء خط لنقل غاز شرق المتوسط لأوروبا وسحب الغاز كورقة ابتزاز سياسية روسية لأوروبا.