في علم اللّسانيات تُعتبر اللّغة أكبر من الحضارة، فهي الدافع والمحرّك والمسؤول الأول عنها، ولكي تصنع لغة ما حضارة معينة، فإنها تحتاج إلى 850 سنة من الممارسة. وإذا علمنا أن الجيل في علم الاجتماع يمثّل ثلاثة عقود، أي أن حوالي ثلاثين جيلا تنجبه ظهور نساء ورجال أقوياء وأصحّاء، هم الذين سوف يحملون سقف هذا الصرح ذي البناء الفريد والأوحد.
بالإضافة إلى اللغات القديمة، وتلك الضاربة في القدم، بحروفها وأصواتها التي انقرضت منذ مئات الألوف من السنين، أو الملايين، هنالك الأحرف الصائتة الأولى، التي تكوّن اللغة الغُفل من الاسم، وهي لغة جميع البشر، وقد انخرط العلماء منذ زمن طويل في البحث عن تلك اللغة البِدئيّة.
من هيرودوت جاءنا أن الفرعون المصري إبسماتيك حاول اكتشاف هذه اللغة بالتجربة؛ أخذ رضيعين حديثَي الولادة من أُسر عادية وأعطاهما إلى راع ليقوم بتنشئتهما، مع تعليمات صارمة بأن لا ينطق بأيّ كلمة واحدة في حضرة الرضيعين. بعد سنتين من السكوت المطلق، استقبل الرضيعان الراعي ذات مساء بكلمة «بيكوز» وهي تعني خبز باللّغة الفريجية، وهذه لغة سادت في الجزء الغربي من الأناضول في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. خلص الفرعون إلى حقيقة لم يكن يعرفها، وهي أن الفريجيين وليس المصريين هم أول الأقوام التي استوطنت الأرض. لو تخيّلنا أن ملكا فريجيا قام بهذه التجربة، ثم يقوم ملك القوم الناطقين باللغة الجديدة بتجربة مماثلة… بأيّ صورة قال آدم كلمة «حُبّ» و»امرأة» و»فتاة» و»طفل» وهل كانت تُغنّى الأناشيد مع الدبكات مثلما يفعل الآن أهل القرى، بل ماذا كانت تُسمّى واقعة الحرب؟
بعيدا عن الخيال المفرط، توصّل العلماء إلى أن اللغة الأولى كانت إيمائية، تصاحبها أصوات تشبه المناغاة لدى الطفل، وهكذا اشترك التمثيل مع الموسيقى في صياغة تمثيلات لفظية للأشياء والأفعال، التي شكّلت بدورها الأنماط الأولى من صور التواصل بين أسلافنا.
ما هي الصدفة؟
هي اتفاق مجهول العلّة، ويقع في باب الصدفة لقائي الأول مع البحر، وكان ذلك في مدينة باكو، وكان يهدر في البعيد، محمود درويش:
هي جملةٌ إسميةٌ، لا فعْلَ
فيها أو لها: للبحرِ رائحةُ الأسِرّةِ
بعدَ فِعْلِ الحُبّ… عطرٌ مالحٌ أو
حامضٌ.
تجوّلت على طول الشاطئ، ثم زرت قلعة باكو، ودرست كلّ ما مرّ فيها من أحداث، وفي المساء عدتُ إلى الفندق متعبا وملتذّا من هذه الرّؤية الجديدة، ونمتُ بعد أقلّ من دقيقة من رقادي. استيقظت في ساعة من اللّيل وأنا أردّد بصوت مسموع:
«أوولْيَه. أووليه. أووليه…».
لم أسمع بهذه اللفظة من قبل، وبقيتُ صاحيا في تلك الليلة، ولم أكن أشعر بالزمن البطيء أو السريع وأنا أصغي إلى الصّدى الغريب لهذه الكلمة وهو يعبر حاجز النوم ويدخل عالم اليقظة، ويسكنني. ثم عاد الهدوء إلى نفسي، وبدأت أفكّر في الأمر، وأحاول أن أتذكّر ما مرّ بي في الماضي، وأجد أثرا للكلمة في صفحات الكتب، أو الأفلام والأغاني التي أصغيت إليها بلغات أخرى، ولم أنتبه إلاّ والفجر يحتلّ النّافذة في الغرفة، وارتديت ملابسي على عجل ورحتُ أسير إلى ناحية البحر، وكانت أمواجه تردّد معي الكلمة ذاتها.
هل شاهدتُ الكلمة منقوشة في عالم الأطياف؟ لا أدري.
حلّ الصّباح، واتّصلتُ بأهلي في بغداد وفي العمارة أسألهم عن معنى «أوولْيه» وبحثت في القواميس وفي النت وفي كلّ مكان استطاعت يداي التفتيش فيه، وليس ثمة معنى، ولا أثر يدلّ على أيّ تفسير.
كانت المدينة التي ولدت فيها، «العمارة» تضمّ خليطا عجيبا من العرب والفرس والأكراد والصّابئة والأرمن والكلدان واليهود والشّيشان. كانت منبعا إنسانيا متنوّع اللّون والشّكل، ويتكلم أبناؤها بالنتيجة مختلف اللّغات. الحيّ الذي رأت فيه عيناي النور اسمه «التوراة» وبالقرب من بيتنا كانت الصلاة تقام في كنيس يهوديّ جميل البناء. ذلك الطيف الأسطوري الذي بُعِث في أثناء نومي وأنا خارج البلاد ربما كان كلمة يهوديّة الأصل، أو صابئية، أو كردية، كما أن هناك احتمال أن تكون «أووليه» ذات جذر بابلي أو آشوريّ أو أخمينيّ، بويهيّ أو سلجوقيّ… فقد تبخّر اللحم والشحم والجلد من اللهجات القديمة، لكن هيكلها العظميّ باقٍ، وإذا صار هذا رمادا فإنه يظلّ حيّا في الريح، تذروه، ليعود وينبت من الأرض.
لا توجد لغة صافية من المنبع إلى المصبّ، فقد تبلبلت الألسن كلّها بعد سقوط بابل، وعظام لغة هذه البلاد لم تمت، ولا أيّ بلاد. «كلّ لغة هي أوقيانوس فيه ملايين الأسماك» على حدّ تعبير الشّاعر سركون بولص، وكانت الآشورية لغته الأم، تأتيه تعابير وكلمات منها من أيام الطفولة، ولا يستطيع تحويلها إلى شعر باللغة العربية. يقول بولص: «الآشورية لغة جميلة جدا، أبكي أحيانا لأنها تموت، وأراها تحتضر أمامي. إن موت اللغة شيء مذهل. أكبر جنازة في التاريخ هي أن تموت لغة».
لكن اللغة لا تموت، إذا كان من يتكلّمها حيّا، وهي تبقى محفوظة في ذاكرة الأجيال الذين يسكنون الأرض نفسها وفي خيالهم. إنها ماضيهم ومستقبلهم، وحاضرهم الفعلي. وينطبق الأمر على «الأوولية» وقد سقطت من أدراج ذهني العليا إلى أرض حياتي، وهي تحمل حتما معناها، الذي لولاه لما كانت، وما كنتُ، فالكلمات هي التي تخلق الواقع وتمنحه الحياة، وليس العكس. ولتفسير هذا الأمر علينا أن نعود قليلا إلى الوراء…
في كتاب التكوين «سفر يتزيرا» الذي يرجع زمن تأليفه إلى القرن السادس، نقرأ عن يهوه ربّ الجيوش، وربّ إسرائيل، أنه خلق الأكوان من الأعداد الأصلية (من الواحد إلى العشرة) ومن الحروف الألفبائية الاثنين والعشرين: «اثنان وعشرون حرفا أساسيا خطّها الله ونقشها وركّبها ووزنها وبذلها، ثم خلق منها كل شيء كائن وكل شيء سيكون». ثم يكشف لنا الكتاب أي الحروف له السلطان على الهواء، والحرف الذي له السلطان على الماء، والذي له السلطان على النار، والذي له السلطان على الحكمة، والذي له السلطان على النوم، والذي له السلطان على الغضب، وكيف استُعمِل حرف الكاف الذي له سلطان على الحياة في خلق الشمس ويوم الأربعاء في الأسبوع والأذن اليسرى في الجسد. ويذهب المسيحيون إلى أبعد من ذلك؛ فلديهم إيمان جازم بأن الله كتب كتابين، الأول يضم النصوص القدسية، والثاني هو كتاب المخلوقات الذي يكشف قدرته، وهو مفتاح الكتاب الأول. وفي كتاب المسلمين المقدّس، القرآن، نقرأ في سورة الرعد «يمحو الله ما يشاء ويُثبتُ وعنده أمّ الكتاب» وهذا هو الكتاب الأول، وهو محفوظ في السماء، والكتاب الثاني نسير على صفحاته على أديم الأرض.
نفهم من هذا كلّه أن الأديان الثلاثة تتفق مع ما قاله الفرنسي الشهير مالارميه: «العالم موجود ليصوّر في كتاب» ومعنى هذا أن هناك رابطة قوية ومباشرة وقريبة بين كلمة الخالق والشيء المخلوق: «إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون» (سورة ياسين 82) أي أن الكلمة تأتي أولا، ومن ثم يوجد الشيء. فإذا كانت كلمة «أووليه» ملفوظة من قبل الربّ ومحفوظة في كتاب في السماء، فلابدّ أن يكون لها معنى أو نظير بيننا. إنها مخلوق حيّ، والحيّ لا يموت أبدا، مثلما يقول الدين والمنطق والعلم.
ثم جاء لي يوما خاطر أنني لو لم أعثر على معنى لها، أو نظير، فربما كانت هي الجزء المفقود من الأرض، والذي يبلغ حجمه بقدر حجم القمر، ويقع في أعماق أحد المحيطات، وكان من جرّاء اصطدام نيزك بكوكبنا قبل مئات الألوف من السنين. هل كنت مسرفا في خيالي؟ لا أدري..
كاتب عراقي