رواية جنى فواز الحسن «أنا، هي والأخريات» العالم تصنعه أنساق المرأة المضمرة أيضاً

حجم الخط
1

 

تحيلنا رواية «أنا، هي والاخريات» للروائية جنى فواز الحسن إلى مايشبه كتابة نص الإعتراف بوصفه السيري، أو بوصفه العيادي/ السريري.
هذه السيرة هي مدونة (أنا) الانثى المتخيلة، والمقموعة، والتي تحكي أيضا عن سيرة (هي) و(الاخريات) بوصفهن ذوات مفارقة، أو بوصفهن المكونات السردية للحدث والشخصية والمكان، إذ يمثلنّ (النسق المضمر) الذي تتبأر عنده علاقة هذه المكونات بالصراع الذي يدور داخلها، والصراع الذي تجاهر به أزاء الآخرين، والواقع والمدينة المعنفَة، والتي تطرحها الرواية عبر تقانة الـ»الراوي العليم» الذي يلبس أقنعة الشخصية الرئيسة في الرواية (سحر). هذه الشخصية تتلبّس ألاقنعة النفسية لـ»ألأنا» والتي تمثل المرقاب الواقعي في تفكيرها، وفي علاقتها مع الزوج والأب والأم والصديقة، أو مع التقاليد المكرسة في المكان السردي، والمدينة الواقعية، والـ»هي» التي تمثل خزان الرغبات والغرائز اللا واعية والدوافع المكبوتة كما يقول فرويد، والتي تتمثلها في علاقتها مع العشيق ربيع، ومع سرديات التمرد لصديقتها هالة، فضلا عن مقاربتها لشخصيات (الاخريات) اللائي تطرحهنّ الرواية بوصفهن ضحايا للتاريخ والجنوسة والمكان العنفي، ولمهيمناته عبر ظاهرة التدين المزيف والأوهام اليسارية التي يمثلها الأب بوعيه الإغترابي، ورجل الجامع، فضلا عن شخصية الأم والخالة والعمة سميرة، وشخصية الصديقة هالة التي تفقد زوجها، لكنها تبحث عن إشباعاتها عبر علاقات ملفقة، ورغبات جانحة وساخطة.
تهيمن شخصية (سحر) على فضاءات السرد، وتحقق عبر هذه الهيمنة بعدا سيميائيا للحكايات، إذ تستنطق حمولاتها الواقعية والرمزية، مثلما تكشف عن حياتها المليئة بالنقائض والصراعات والمحكومة بهواجس الرغبة، من خلال سبر أغوار طفولتها ويومياتها العائلية، ورغباتها المرآوية في إستحضار الآخر الذي يشاطرها الحلم والسرير، فهي تعيش هوس الحرية وغيابها في آن معا، وتعيش مجالها السردي من خلال التمويه وإصطناع صراعات مجاورة لإثراء مستويات اللعبة السردية (وُجد ذاك الآخر في نفسي وحسب، بأشكال مختلفة، في سرير نومي الذي اسضفت فيه من أشاء، في بيت الدمى الذي رسمته صورا مركبة في ذهني، وأعدت إبتكاره مرات عدة) ص8.
سيرة البطلة وإعترافها تتحول إلى بؤرة سردية لصورة الانثى المتمردة، ليس لتأنيث الحكاية مقابل ذكورية الافكار المهيمنة، بل لوضع هذه السيرة بتمظهراتها المتعددة والمتباينة أمام صراعات تمسّ وجودها، وتمس كينونتها بكل ماتنطوي عليه من إنكسارات داخلية، ورغبات متأججة لاتملك إزاءها الاّ نسق (الخيانة/ خيانة الجسد العائلي) للتعبير عن رفضها وعن شغف إنوثتها المغيبة والمعطوبة.
في هذه الرواية تتمظهر ثنائيتا الخضوع والرفض بين شخصياتها، إذ تمثل الأم والخالة والاب والزوج صورة لإنموذج الشخصية الخانعة لسلطة العائلة أو المقدس أو الوهم الايديولوجي، مثلما تمثل شخصيات سحر وهالة الأنموذج الممزق بين التضادين، فهي (الأنا) الخانعة والواقعية، وكذلك تمثل الـ»هي» الرافضة والرغبوية، والتي تجد في شفرة الجسد مجالها التعبيري والرمزي للمواجهة، فهي تستسلم للزوج الشهواني دون إرادتها، لكنها تعطي بشغف وإفراط للعشيق (ربيع) حتى يبدو هذا الصراع وكأنه تعبير عن أزمة الشخصية الانثوية التي تعيش محنة إستلابها الوجودي والإنساني.
محنة الشخصية المقموعة هي جزء من محنة الوعي المقموع اولا، وهذا الوعي- كمايقول الظاهراتيون- هو الذي يحدد سمات الوجود، مثلما يحدد فعل الذات في علاقتها بالعالم، وان خراب هذا العالم وعطبه هو خراب الوعي بالأصل وعطبه، مثلما هو خراب المكان الطرابلسي، لذا فإن جوهر ما تمظهر في رواية الحسن هو العطب الوجودي لشخصياتها، وإنكسارها في مواجهة عالم ذكوري تصطنعه المدينة، ومهيمنات شوهاء للوعي والمعيش والسياسة والدين، وإرهصات نُذر شؤم لصعود المد الاُصولي في تلك المدينة..
تحكي الرواية عن شخصيات لجيلين من النساء. الجيل الاول الذي تمثله الأم المهجورة جنسيا، وصورتها المرآوية والإيهامية الباحثة عن اشباعات وجودية، وعن رغبة حميمة في التخلص من تاريخ العطب في جسدها العائلي، الجسد المسكون بجينالوجيا مشوهة (عندما كانت تفتح الباب لاستقبال ابي، كان يمرّ قربها من دون ان يقول شيئا عن تبرجها، كما لو كانت مساحة غير مرئية من الحياة، بالكاد يتوجه اليها بالكلام، وكان يجلس على كرسيه المعهود منتظرا أن تقدّم له وجبة ساخنة مطهوة جيدا وبلا نكهة أو رائحة) ص19.
مثلما تجد الروائية في شخصيتي سحر، وهالة نماذج لشخصيات فاعلة في الحدث الواقعي، فانها تتمثلها أيضا كمرجعيات للبناء الدرامي للمتن الحكائي في الرواية، إذ تخضع هذه الشخصيات لموجهات الراوي العليم/ سحر، ولسينوغرافيا الحيلة السردية في تصميم توالي الأحداث، والتي تتقصى من خلالها أزمة الشخصية عبر مقاربة وعيها المأزوم، وعبر إستكناه مايمكن أن يحمله المكان المأزوم، فهي تقودها للتمرد على ممنوعات الاب وأوهامه، وعلى برودة الأم، وعلى كل العلامات الذكورية في حياتها بدءا من الرجل بمعناه النمطي، السوق الحمام الباب، وإنتهاء بشفرة السرير الزوجي، والتي تهجس بها عبر مواقف ومشاهد وصفية يتـعالق فيها تمرد الشخصية برعب المكان النسقي الحاكم، والمكان الواقعي الذي تشير اليه الكاتبة بالتسمية.
شخصية الأب بقدر هامشيتها، لكنها تمثل أيضا مرجعية إشكالية لتاطير الصراع في البنية السردية، وفي إكمال وحدات مشاهدها، إذ يمثل هذا (الأب) أزمة الشخصية الخارجة عن السياق، والمسكونة بالمزاج الثوري الجيفاوري الصياني لأوهام الثورة المعطوبة، وللافكار التي صارت دوغما عقائدية، وكذلك شخصية الزوج سامي المشوه بنفاقه الديني، وتربيته الاستغلالية، والذي يتلون حسب مهيمنات السائد في المكان/ المدينة والعائلة، ذلك الذي يحوله إلى شخصية إكراهية وعنفية، حادة، ساذجة، ينظر للمرأة/ زوجته بوصفها جسدا لإشباع الغرائز، وينظر للاب بوصفه كافرا، وللشيخ بلال بوصفه مريدا لفتاواه، وحتى شخصية ربيع المشوهة بفقره القديم وبحثه التعويضي لاتعدو أن تكون شخصية ملفقة، وعائمة، ولا يمثل حضوره في المتن الاّ تعبيرا عن إستيهامات الرغبة الصارخة والجنس في عالمه السفلي، وتلبية لغرائز البطلة سحر التي تعيش محنة إغترابها العميق وفشلها الجنسي والعاطفي مع الزوج.
وشخصية هالة المتمردة عبر علاقاتها العابرة بعد وفاة زوجها، تمثل أيضا الوجه الآخر لشخصية سحر، إذ هي ظلها في التعبير عن الخواء وعن أزمة الوعي، وبالتالي أزمة الرغبة في الإشباع والإنتماء، ومواجهة أزمة العالم الذي يحيطها في مدينة مسكونة بالمآذن والمظاهر الدينية الإصولية، لكنها مشوهة في أعماقها عبر ماتعانيه شخصياتها من تشوهات عميقة.
وشخصية عساف – زوج فدوى صديقة عمة سحر- الذي تعتقله المخابرات السورية في منتصف الثمانينيات خلال الوجود السوري في لبنان، يفقد قدرته على مواجهة الحياة بعد خروجه من السجن، وينتحر تعبيرا عن الإحتجاج على الإخصاء السياسي بوصفه إخصاء للوعي، وإخصاء للجسد.
هذا التشوه في ترسيم ملامح الشخصيات، إنعكس عبر هوية المكان الروائي، فبقدر واقعية هذا المكان في المدينة وفي البيت، الاّ انه تحول إلى صورة مفارقة لسردية المكان المعادي، عبر وخزات تطلقها الكاتبة هنا أو هناك في إشارة للجامع والبيت الزوجي ومظاهر الفقر، وعبر حدس مريب بالتحول الغرائبي في المدينة من خلال توظيف تقانة الوصف لتفاصيل هذا المكان ولدلالته الفاجعة، حتى بدت شخصية البطلة/ الزوجة المعنَفة مقابلا رمزيا للمكان المعنَف الذي تمثله مدينة طرابلس التي تعيش ارهاصات تحولها الداخلي المرعب.
هذا التشوه الظاهراتي في وعي الشخصية، وفي وعي المكان يمثل كذلك إدانة للخواء الطبقي والنفسي الذي تعيشه الشخصيات الأخرى في الرواية، ولصورة المثقف المسلكي المسكون بالمتحف الرمزي وبوهم رموزه الثورية، والإنجرار إلى متاهة الإغتراب الداخلي عن الجسد والذات والعائلة والقيم والمجتمع والدين والحب وحتى عن الثورة، وهو ما يقود إلى الاستسلام إلى العزلة، والتعالي والإنهيار الداخلي.
تناقش هذه الرواية موضوعات اشكالية في التدين والشرف والثقافة والحرية والانوثة والحب والعدل والحق والخطيئة والجسد والمجتمع والخيانة، تلك التي تضعنا أمام لعبة سردية ماهرة وجريئة لروائية شابة، تدرك بوعي حاذق عطب ما يحوطها، وماينبغي أن تجترحه من مغامرة للكشف عن محنة الشخصية في المكان، وفي علاقتها مع وجودها المضطرب المسكون بالغياب والخيانة والإغتراب بمعناه الفلسفي ومعناه الإنساني، وأحسب أن النهاية المفتوحة للرواية تحسب لصالح تقانة اللعبة السردية، ورؤيتها في أن تترك الشخصيات امام خياراتها وأقدارها، وكانها تقول لقارئها أن عالم المدينة المرعب بصعود اصولياته وهزائمه، وفقره وخوائه هو المسؤول عن صناعة (الوعي الشقي)، وعن صناعة تلك الشخصيات/ الضحايا المتشظية، والباحثة عن أسئلة الحرية والوجود واللذة.

جنى فواز الحسن: «أنا، هي والأخريات»
الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2013
199 ص.

علي حسن الفواز

اشترك في قائمتنا البريدية