أصبح من المعتاد أن تثير أعمال فنية وأدبية كثيراً من الاستياء والاعتراضات، ليس فقط في الفضاء العربي، الذي يقدّم عادة بوصفه محافظاً أو متديناً، بل أيضاً في أكثر المجتمعات الغربية ليبرالية. كثير من المفكرين والمحللين تحدثوا عن «ثقافة الاستياء» أي تصاعد الحساسيات الفردية والهوياتية، سهلة الاستثارة من أي شكل من أشكال التعبير في الحيز العام، والمطالبة دوماً بحمايتها من كل اعتداء على إحساسها الذاتي شديد الهشاشة، مهما كان مُصغّراً أو حتى مجهرياً.
إلا أن هذا التحليل، على أهميته، ربما يهمل شرطاً بنيوياً من شروط الإنتاج الثقافي في زمننا، وهو عدم اكتفائه بذاته، بوصفه منتجاً مكتمل القول والشكل والبنية. يُقدّم لمشاهد أو مستمع أو قارئ، يسعى لتلقيه وتأويله بالاستعداد والانتباه الكافيين. قد يكون المنتج الثقافي في عصرنا، الذي يميل لـ»التفاعلية» ناقصاً بالضرورة، وتشكّل التعليقات، مرات الاستماع والمشاهدة والتحميل؛ «الترند» أي الموجة التي يثيرها على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، جزءاً أساسياً من بنيته.
لم يعد العمل الثقافي إنجازاً يُترك للزمن، كي يعيد البشر دوماً اكتشاف جمالياته ومضامينه، بل طريقة للفت الانتباه، وتحصيل أكبر قدر ممكن من «المرور» traffic في نقطة زمنية معينة. ثم يزول ويترك للنسيان، هو وكل الضجة التي أثارها، ليملأ مكانه «ترند» جديد، يحصّل «مروراً» أكثر.
يمكن للغة العربية أن تعطي مفردة مناسبة جداً لوصف هذا الحال، وهي «اللغط» أي الأصوات المبهمة، غير واضحة المعنى، التي تصدر عن جموع غير متعيّنة: لا تثير الأعمال الثقافية المتنازع عليها حالياً جدلاً في الحيز العام، يقوم على معانٍ وأفكار وتيارات فكرية أو سياسية معيّنة، بل لغطاً، أي سيلاً من الصراخ والشتائم؛ الاستياء؛ التعبير البدائي عن الخوف والتهديد وانعدام الأمان؛ الانفعالات غير المصاغة في تعبيرات واضحة. وهذا يشبه تماماً طريقة التلقي المعاصرة للعمل الثقافي: النقر والتعليق والتحميل والزيارة، وليس «القراءة» بمعناها الأوسع. وبالتالي فإن لكل عمل لغطه، الذي لا فائدة له دونه. تماماً كبرامج «التوك شو» وتلفزيون الواقع، التي سادت مطلع الألفية، والتي كانت مداخلات المشاهدين وتصويتهم جزءاً عضوياً منها.
سبق للناقد الثقافي البريطاني آلان كيربي التنظير لكل هذا تحت عنوان «الحداثة الزائفة» أو «الحداثة الرقمية» إلا أن الموضوع يتعلّق ربما بما هو أكثر من النقد الثقافي الاعتيادي، المنزعج من «التفاهة المطلقة» للمنتجات الثقافية المعاصرة، حسب تعبير كيربي نفسه، لأن «التريندات» الحالية، في كل استيائها وضجيجها وسرعة زوالها، تقول كثيراً أيضاً عن السياسة والاقتصاد والحيز العام في عصرنا. فما أهم دلالاتها في هذه المجالات؟ ولماذا يصبح «اللغط» شرطاً أساسياً للمنتج الثقافي المعاصر؟
العلامات اللافتة للانتباه
يثير حديث كثير من المفكرين والاقتصاديين عن «اقتصاد لفت الانتباه» أفكاراً غير سارة للغاية عما يمكن تسميته «الطبيعة البشرية» فبعد أن كانت الخطابات السياسية والأيديولوجية، بل حتى الدعاية والإعلان للسلع، تتوجه إلى مستوى الوعي واللاوعي لدى البشر، أي الجوانب الأكثر التصاقاً بالذاتية المكتملة، محاولةً تحفيز الأفكار، أو إثارة الخيال، يقوم اقتصاد الانتباه على العلامات غير الدالة أو «اللافتة للانتباه» على مستوى قبل ذاتي. بما يذكّر بتجارب عالم النفس الروسي الشهير إيفان بافلوف مع الكلاب، وتحفيزها بمحفزات مادية/عصبية مباشرة جداً، خالقاً لديها منعكساً شرطياً: يسيل لعاب الكلاب عندما تسمع الجرس، الذي ينبئها بموعد الطعام. على الأعمال الثقافية الناجحة في عصرنا أن تجد «جرسها» الخاص، أي محفّزاً يلفت انتباه المتابعين، ويدفعهم للنقر والزيارة والتحميل، والمحفز الجيد ينتج «ترينداً». ما يعني كثيراً من «الترافيك» وسيلاً من البيانات عن «المستخدمين» يمكن بيعها وتسويقها، وإنتاج إعلانات تحوي بدورها مزيداً من المحفزات، وهكذا تُنتج قيمة، منعكسات البشر الشرطية فيها، وما يلفت انتباههم، هو السلعة.
لا يمكن أن نسمي الفضاء الذي يتم فيه طرح هذه العلامات بـ”الحيز العام” فهو لا يحوي لغات مشتركة أو فاعلين اجتماعيين، أو خطابات موجّهة، ولذلك قد لا يكون أكثر من مجال للتداول، أو حيز لامتيازات خاصة، مملوك لهذه الشركة العملاقة أو تلك، بما يميزها من أساليب لجذب المستخدمين، وتسليع منعكساتهم وهوياتهم غير المستقرة.
لهذا آثار شديدة الأهمية على الذاتية: لم تعد توجد ذوات مستقرة، تعرف موقعها الاجتماعي، نتيجة ارتباطها بخطابات مكتملة عن الفرد والمجموعة والعالم، تقوم على علامات دالة، تتوجه لمستوى الفكر أو الخيال، بل ذوات منتزعة التوطين دوماً من أي سياق، لا يحُفّز فكرها أو خيالها، بل يُلفت انتباهها. عبر إشعار أحمر اللون على موقع فيسبوك أو أنستغرام؛ رمز يثير الكراهية والسخط والخوف، مثل المثلية الجنسية، والعنف و«التنمّر» ضدها؛ «البورن» Porn بكل أشكاله، سواء بورن الجنس أو الطعام، أو القصص المتداولة عن الاغتصاب والتعذيب. بالتأكيد يثير كل هذا خيالات عدة في اللاوعي، لكنه في حالتنا لا يسعى إلى إنشاء تصورات معينة ومتكاملة في المستوى الخيالي للبشر، بقدر ما يريد استيقافهم أثناء «إبحارهم» في الإنترنت، إثارة انتباههم ولو لثانية واحدة، كي يقوموا بـ«النقر». الذوات المبنية على العلامات اللافتة للانتباه هذه لا يمكنها الاستقرار عند أي خطاب عن الذات أو المجموعة أو الكون، بل هي ماكينات لتلقي العلامات وإصدارها.
يبدو الوضع أشد كابوسية لو نظرنا إليه من زاوية سياسية بحتة: كل هؤلاء المستائين، الخائفين، الضحايا، غير قادرين على الاجتماع في إطار سياسي معين، لتقديم مطالب واضحة تتصدى لما يضايقهم، لأنه ليس بإمكانهم أن يتوطّنوا في موقع ما، بل يتنقّلون من علامة غير دالة إلى أخرى، ويظنون هذا فرادة أو خصوصية.
ترند الهوية
بهذا المعنى فإن «سياسات الهوية» في عصرنا تعني، أن الذات لم تعد مالكاً للأغراض والسلع والأدوات والقوى البدنية وحسب، بل باتت هي نفسها ملكية، يمكن بيعها وتسويقها، بناءً على قدرتها على إصدار وتلقي العلامات اللافتة للانتباه. يدرّب ملايين البشر، منذ مراحل تعليمهم الأساسي، على كتابة «السير الذاتية» واستعراض مهاراتهم، ليس فقط في المجالات المباشرة للعمل، بل أيضاً قدرتهم على «المرونة» كفاءتهم في «التفاعل بين الثقافات» تسامحهم وأخلاقياتهم، أي باختصار كامل إمكانياتهم النفسية والعاطفية على التفاعل في عالم يضج بعلامات لافتة للانتباه. بالعودة للإنتاج الثقافي فهذا قد يعني أن ميل كثير من عاملي الثقافة للخوض في قضايا الهوية لا ينبع فقط من تبنيّهم لأيديولوجيا ليبرالية أو مناهضة للتمييز، أو حتى يمينية معادية للهويات الأضعف، بل من ضرورة أن تكون أعمالهم حافلة بما هو مثير للانتباه. انتج فيلماً جنسياً مثلاً وسيضيع وسط آلاف الأفلام المماثلة، التي لم يعد وجودها تحدياً لسلطة أحد. لكن إن جعلت أبطال الفيلم من ثقافة معينة، ويستعرضون رموزاً ما، ويتعرّضون لنوع من «التمييز» فستلفت نظر جمهورك المستهدف، وتركب «الترند».
ليس حيزاً عاماً
ليست المشكلة هنا بلفت الانتباه بحد ذاته، فكل عمل ثقافي سعى دوماً لجذب متلقيه، لكن في طريقة التعاطي مع القضايا المطروحة، التي من المفترض أنها جريئة: في ما مضى كانت مسائل مثل حقوق النساء والمثليين ومكافحة العنصرية، جانباً من «الحقوق المدنية» أي من سرد شامل عن حقوق كونية واجبة التعميم. أما العنف والجنس فربطا بتحليل الدوافع والحيوية الإنسانية، وطرق ضبطها وتأطيرها في الحضارة الحديثة. فيما اعتبرت الألوان الصارخة والأشكال غير المتعينة تمرداً على المفاهيم السائدة للجمال.
كل هذه كانت قضايا مصاغة لطرحها للجدل في الحيز العام. لتغيير وضع سياسي معيّن، أو نشر أيديولوجيا وتفضيلات فكرية وجمالية. وبالتالي مواجهة سلطة ما. وهذا تطلّب بالتأكيد طرحاً شاملاً، يستعمل لغة عامة ومشتركة، يمكن فهم رموزها ودلالاتها من قبل كل الفاعلين الاجتماعيين. اليوم يصعب أن نجد هدفاً للقضايا «الجريئة» أكثر من المحافظة على وضع قائم: عالم يتغذّى على كم هائل من العلامات الخاوية، ويجب أن تبقى الذوات المتصلة به قادرة على أن «تكون نفسها» أي مصدرة ومتلقية لتلك العلامات، دون التعرّض لأي «عدوان».
لا يمكن أن نسمي الفضاء الذي يتم فيه طرح هذه العلامات بـ»الحيز العام» فهو لا يحوي لغات مشتركة أو فاعلين اجتماعيين، أو خطابات موجّهة، ولذلك قد لا يكون أكثر من مجال للتداول، أو حيز لامتيازات خاصة، مملوك لهذه الشركة العملاقة أو تلك، بما يميزها من أساليب لجذب المستخدمين، وتسليع منعكساتهم وهوياتهم غير المستقرة. يبدو الفضاء الافتراضي إذن، رغم كل تطوره، أشبه بالإقطاعيات القروسطية، التي اضمحل فيه الحيز العام أو انعدم، أي مجالاً حيوياً لسادة معينين، تنبع قوتهم من حيازتهم للمجال، وامتياز استثماره، بالأنفس الموجودة عليه، الأمر الذي قد يتيح لنا فهم مدى أزمة إنتاج ثقافي، لم يعد يمكنه الوجود والانتشار دون ذلك العالم الافتراضي، وقد يكون هذا أحد أسباب استنساخ الحبكات والأجواء والشخصيات نفسها في أعمال كثيرة، أو مدها لأجزاء لا تنتهي: ليس المهم أن تبدع جديداً، بل أن تطعّم ما هو معروف ومألوف بمزيد مما يثير اللغط.
كاتب سوري