الحكومة الفرنسية ترفع عصا التجريد من الجنسية في وجه «الجهاديين»

حجم الخط
1

باريس – «القدس العربي»: دخلت فرنسا فصلا جديدا في حربها على الجماعات المتطرفة حين تلقت ضوءا أخضر من المجلس الدستوري، أعلى هيئة رقابية في البلاد، على طلبها تجريد «جهادي» فرنسي من أصل مغربي يدعى أحمد السحنوني اليعقوبي وهو مولود في مدينة الدار البيضاء من الجنسية الفرنسية، لإدانته بالسجن في قضايا على علاقة بالإرهاب.
ويقضي السحنوني الذي نال الجنسية الفرنسية عام 2003 عقوبة حبسية إثر إدانته بسبعة أعوام سجنا نافذا وحرمانه من حقوقه المدنية والعائلية بعد إدانته بتهمة «المشاركة في جمعية أشرار على علاقة بتنظيم إرهابي»، على أساس أن يغادر السجن في نهاية 2015.
وكانت الحكومة الفرنسية قد أصدرت مرسوما بحمل توقيع كل من رئيسها مانويل فالس ووزير داخليتها برنار كازناف يقضي بتجريد «الجهادي» الفرنسي المغربي من جنسيته الفرنسية، وهو المرسوم الذي طعن في دستوريته محامي المدان أحمد السحنوني اليعقوبي أمام المجلس الدستوري الفرنسي يحجة أنه يتعارض مع الدستور والقوانين الجارية.
وترافع محامي السحنوني أمام المجلس الفرنسي لساعة كاملة دافعا بعدم دستورية القرار الصادر عن الحكومة الفرنسية بحجة أنه يضرب في الصميم مبدأ المساواة بين فرنسي المولد وآخر مجنس الذي تنبني عليه قيم الجمهورية الفرنسية واصفا الإجراء بـ»الخطير» في تاريخ الدولة الفرنسية على اعتبار أن مثل هذه القرارات غير معممة وتنفذ فقط بشكل استثنائي ما يجعل «دستوريتها غير جدية».
وفي اتصال مع «القدس العربي» قال المحامي نور الدين ميسيسي إن القرار الصادر عن الحكومة الفرنسية القاضي بتجريد موكله أحمد السحنوني اليعقوبي غير دستوري وغير قانوني، معبرا في الوقت ذاته عن أسفه لكون المجلس الدستوري منح القرار تزكيته، معتبرا ذلك بالسابقة في تاريخ فرنسا.
وأضاف «مرسوم الحكومة الفرنسية الذي وافق عليه المجلس الدستوري يخرق مبدأ المساواة بين الفرنسيين المولودين في فرنسا والمتجنسين بالجنسية الفرنسية، وهذا يعني أن المواطنين الفرنسيين أصبحوا نوعين أو درجتين، أن يكون المرء فرنسيا لا يعني أن يكون مصنفا لفئة تختلف عن أخرى أو ينظر إليه من زاوية ديانته المسلم أو حتى الإسلامي يمكن أن يكون فرنسيا أيضا وتطبق عليه الحقوق نفسها وواجبات الفرنسي، وإن كنا سنجرده من جنسيته لإدانته في قضايا إرهاب هناك فرنسيون كثر يجب أن تجردهم الحكومة من جنسيتها النسبة الكبيرة منهم من فرنسيي الأصل و المولد».
وبحسب محامي أحمد السحنوني اليعقوبي فإن قرار تجريد موكله تأثر بالظروف السياسية والأمنية التي عاشتها البلاد على وقع الهجوم الإرهابي على «شارلي إيبدو» مؤكدا أن هدف الحكومة الفرنسية من المرسوم هو تسليم موكله إلى بلاده الأصلية المغربية حيث يواجه حكما مماثلا بالسجن 20 عاما للأسباب نفسها علما أن القانون الفرنسي يمنع تسليم دولة أخرى شخصا قد تكون حياته في خطر فيها وفق تعبيره.
وقال محامي السحنوني «لا ينبغي على الحكومة تعميم هذه النوعية من القرارات و ويجب أن تظل فعلا استثنائية علما أنها غير فعالة لأن المعاقب نال فعلا عقابه عبر العقوبة السجنية التي اقترب من إنهائها، وإذا كنا سنجرد كل مدان من جنسيته الفرنسية ففي هذه الحالة يجب تجريد كل السجناء في فرنسا من جنسيتهم وهو أمر غير ممكن».
وفي حديث لـ»القدس العربي» قال الكاتب الصحافي مصطفى الطوسة المختص في الشؤون القانونية إن «مصادقة المجلس الدستوري الفرنسي على قرار سحب الجنسية الذي كان مانويل فالس إتخده في حق فرنسي من أصل مغربي، احمد سحنوني في شهر ايار/مايو من العام الماضي بتهمة الانخراط في شبكات إرهابية، دوت بقوة في الأوساط السياسية والإعلامية لما تحمله من دلالات تؤشر على ملامح الحقبة المقبلة والوسائل المستخدمة لمحاربة الاٍرهاب. لا علاقة مباشرة لهذا القرار بالاعتداءات الإرهابية التي ضربت باريس عبر مجلة «شارلي ايبدو» والمتجر اليهودي لكن هذه المصادقة تأثرت كثيراً بالأجواء السياسية والأمنية التي تمخضت عن الواقع الفرنسي ما بعد هذه الاعتداءات الإرهابية».
وأضاف معلقا على تداعيات القرار «إشكالية التجريد من الجنسية طرحت بحدة من طرف اليمين الفرنسي بعد ان اكتشفت أجهزة الأمن الفرنسية حجم ظاهرة الجهاديين الفرنسيين من أصل أجنبي الذين يتم استقطابهم من طرف المجموعات الإرهابية وإقناعهم بالانخراط في المسارات الجهادية والعودة إلى بلدانهم الأصلية قصد زرعهم كخلايا نائمة قد تقوم بمخططات إرهابية تخدم أجندات خارجية. وكانت المعارضة لتطبيق عقوبة التجريد من الجنسية تنبثق من قناعة ان هذه الخطوة قد تؤثر سلبا على روح المواثيق التي تضمن المساواة تحت سقف الجمهورية الواحدة والعادلة وان هناك خطرا واضحا من ان يستهدف مكون من مكونات المجتمع الفرنسي تحت ذريعة الحرب ضد الاٍرهاب. يشار إلى ان مبدأ التجريد لا ينطبق إلا على المجنسين وحاملي جنسيات مزدوجة، ولا ينطبق على الفرنسيين الأصليين خوفا من ان يصبح هذا القانون ماكينة إنتاج لظاهرة البدون جنسية والبدون وطن».
وبخصوص الأصوات الفرنسية المعارضة للقرار يقول الكاتب الصحافي مصطفى الطوسة «هذه المعارضة كان لها صدى داخل بعض شرائح المجتمع الفرنسي المتعاطفة مع أقصى اليسار مبرزة اشكالية أن مثل هذا القرار سيضرب في العمق مبدأ المساواة والمواطنة والانتماء إلى بلد واحد. وذهب البعض إلى الاعتبار أن هذا التطور في حد ذاته يعتبر انتصارا للفكر الإرهابي الذي يريد زرع روح الفتنة والتفرقة داخل المجتمع الفرنسي، مما جعل الجميع يترقب تحكيم المجلس الدستوري في القرار الذي اتخذه مانويل فالس في حق الفرنسي من أصل مغربي أحمد السحنوني. وجاءت المصادقة لتدخل فرنسا في حقبة جديدة، تشبه ليس في تفاصيلها لكن وفي العقلية المخيمة على الرأي العام الفرنسي، النقلة النوعية التي عاشتها الولايات المتحدة غداة أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر المأساوية».
وفي رده على سؤال بخصوص دعم المعارضة اليمينية لقرار الحكومة رغم اختلافها معها رأى الطوسة أن «اليمين الفرنسي استغل هذه المصادقة للمطالبة بسن قانون يجعل من هذه الخطوة ممارسة طبيعية تهدف إلى ثني كل المتطوعين عن المشاركة في شبكات إرهابية وتعكس إرادة الحكومة الفرنسية في حرب لا هوادة ضد الاٍرهاب، وبالاضافة إلى مفعولها الردعي يرجى من هذه المصادقة ان تبعث رسالة طمأنة للرأي العام الفرنسي الخائف من انزلاق شريحة من شبابه نحو انحرافات جهادية».
وهذه هي المرة الثانية التي تقرر فيها الحكومة الفرنسية تجريد فرنسي من أصول مهاجرة من جنسيته الفرنسية والأولى على خلفية قضايا إرهابية، حيث كانت حكومة فرانسوا فيون في عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي قد أقدمت على قرار مماثل يقضي بتجريد فرنسي من أصول جزائرية في مدينة نانت هو إلياس حباج من جنسيته الفرنسية، بعد إدانته بتهمة تعدد الزوجات والحصول على مساعدات اجتماعية دون حق والعمل بدون تصريح.
وكانت قضية إلياس حباج قد تحولت إلى تحولت إلى قضية رأي عام حين أوقفت الشرطة زوجته الثانية وألزمتها بدفع غرامة مالية بسبب قيادتها السيارة وهي منقبة، إذ اعتبرت الشرطة أن ملابسها تحد من قدرتها على الرؤية، ما جعل زوجها يندد بالحكم ويعتبره انتهاكا لحقوق الإنسان، وبعد التحقيق تبين للسلطات الفرنسية ان المعني بالأمر متزوج من امرأتين منقبتين ويتلقى مساعدات اجتماعية من الدولة على هذا الأساس.
ويأتي قرار تجريد أحمد السحنوني اليعقوبي من جنسيته الفرنسية بعدما كشفت الحكومة الاشتراكية للرئيس فرانسوا أولاند عن مجموعة من الإجراءات الأمنية الجديدة بعد أسابيع من هجومين في باريس نفذهما «جهاديون» فرنسيون من أصول مهاجرة، مما أدى إلى مقتل 17 شخصاً والمهاجمين الثلاثة.
وكان أحمد السحنوني اليعقوبي المغربي الأصل الذي حصل على الجنسية الفرنسية في 2013 لجأ إلى المحكمة الدستورية لإلغاء قرار تجريده من جنسيته حين أدين في 2013 بتهمة التآمر لارتكاب أعمال إرهابية.
وعلل المجلس الدستوري الأعلى قرار منحه ضوءا أخضر للحكومة بالقول إن «القانون المدني يسمح بتجريد شخص حصل على الجنسية من جواز سفره الفرنسي إذا أدين بتهم إرهاب لكن الإجراء لم يستخدم سوى في ثماني حالات منذ عام 1998»» مؤكدة في الوقت ذاته «أنها أخذت بعين الاعتبار أن من حصلوا على الجنسية الفرنسية، ومن منحت لهم الجنسية الفرنسية عند الميلاد لهم الوضع نفسه، لكن الفرق في المعاملة الذي استحدث لمحاربة الإرهاب لا ينتهك مبدأ المساواة».
وينتظر أن تقدم الحكومة الفرنسية على إصدار مراسيم مماثلة خلال الأيام القليلة المقبلة لتجريد مدانين آخرين في قضايا إرهابية أمام المحاكم الفرنسية أو ممن يقضون عقوبة حبسية على ضوء قضايا مشابهة من جنسيتهم الفرنسية وسط جدل شديد بشأن استثناء «الجهاديين» المولودين فوق التراب الفرنسي واقتصار ذلك على المتجنسين بها فقط.
ولم تقتصر الحرب الفرنسية على «الجهاديين» المتجنسين بل تعدتها إلى اعتقال ومحاكمة كل من يشيد من قريب أو من بعيد بما جرى حتى لو تعلق الأمر بالأطفال. حيث اعتقلت الشرطة الفرنسية طفلا في الثامنة من عمره يدعى أحمد من داخل الفصل في مدرسته بعد أن قدم مدير مدرسته شكوى ضده للشرطة يتهمه فيها بعدم احترام دقيقة صمت كانت المدرسة قد أقامتها ترحما على قتلى «شارلي إيبدو» وكذلك تمجيده الإرهاب حين أخبر الطفل معلمه بأنه «يدعم الإرهابيين لأن الفرنسيين يستحقون القتل» وفق الرواية الرسمية.
واستجوب الطفل الذي نقل على متن سيارة للشرطة وسط حراسة أمنية مشددة إلى مخفر المركز العام لشرطة إقليم «ألب ماريتيم» في مدينة نيس جنوب فرنسا، وخضع لاستجواب من قبل ضباط من فرقة مكافحة الإرهاب على مرحلتين، أولى امتدت لنصف ساعة وأخرى لساعتين كاملتين.
وانتقدت منظمات مدافعة عن حقوق الطفل ما أسمتها «المعالجة الأمنية» للسلطات الفرنسية بما في ذلك مؤسسته التعليمية، مؤكدة أن مدير المؤسسة بلجوئه إلى الشرطة ضد سلوك طفل بهذا العمر يكون قد عبر عن فشله وفشل فريق مؤسسته في القيام بواجبهم كما يفترض ان يكون.
وتحولت القضية إلى مادة أساسية في الإعلام الفرنسي بعدما قال فابيان ليفاندوفسكي، نائب المدير للأمن العام في منطقة ألب ماريتيم (الألب البحرية) أن الصبي أعلن «أنا مع الإرهابيين»، ورفض المشاركة في الوقوف دقيقة صمت حدادا على أرواح الضحايا، بينما وصف محامي الطفل قرار استجواب الطفل في مركز للشرطة بأنه يظهر ما وصفها بهيستيريا جماعية.
واتجهت أصابع الاتهام في الإعلام الفرنسي بشكل مباشر إلى والد الطفل حين قال كلود بارتولون رئيس البرلمان الفرنسي (الجمعية العمومية) في مقابلة مع قناة «بي إف إم» الفرنسية الإخبارية إن سلوك الأب في قفص الاتهام يشي بأن الصبي ما كان ليتلفظ بدعم الإرهاب لو لم يكن سمع ذلك من والده في البيت.
وأضاف بارتولون وهو قيادي أيضا في الحزب الاشتراكي الحاكم «يجب توخي الحذر عندما يميل طفل عمره ثمانية أعوام نحو هذا النوع من التوجهات، وأنه من الضروري ممارسة الصرامة والحزم في التعامل مع الأسرة خاصة الآباء» مطالبا إخضاع الطفل لمواصفات مؤسسات التربية الحكومية على حد قوله.
وسارع قياديون في الحزب اليميني المعارض»الاتحاد من أجل حركة شعبية» إلى تحية ما أسموه رد فعل جهاز الشرطة وقطاع التعليم بالتحقيق مع الصبي واعتقاله واستدعاء والده أيضا من أجل الشيء نفسه.
وقال إيريك سيوتي القيادي في الحزب «التصريحات الصادرة عن الصبي ليست بريئة بل مقصودة ونحن نحيي بشكل خاص هنا ما أقدمت عليه الشرطة ومسؤولو التعليم، لقد قاموا بما كان يجب عليهم القيام به وأنا شخصيا أؤيد ذلك تماما».
وأضاف «بالطبع الصبي قاصر وغير مسؤول عن ما صدر منه لكن علينا أن ننظر في اتجاه بيئته الأسرية التي جعلته يقول ما قال وهذا طبيعي اليوم، الخطر في حده الأقصى وعلينا فهم ما جرى بالتدقيق».
وفي بيان وصلت «القدس العربي» نسخة منه قال تجمع «مناهضة الإسلاموفوبيا» في فرنسا «بعد مرور يوم على الهجوم الدامي على شارلي إيبدو طلب معلم أحمد منه في الفصل أن يجيبه إن كان هو الآخر يعتبر نفسه مع شارلي بالقول -أنا شارلي- في إشارة للتعبير الذي انتشر على نطاق واسع في فرنسا تضامنا مع الصحيفة الساخرة التي تعرضت للهجوم الدامي من قبل الأخوين كواشي، فأجابه الطفل قائلا (لا أنا لست شارلي)».
وبحسب البيان فقد «عمد المعلم إلى إهانة أحمد أمام كل زملائه في الفصل بأن طلب منه ان يقول وبصوت مرتفع «هل هو مع شارلي» لآخر مرة، فعاد الطفل وكرر الجواب نفسه بعفوية وأضاف عليه «أنا أساند الإرهابيين» ما جعل المعلم يسارع إلى استدعاء مدير المدرسة الذي عاد بدوره وطرح السؤال ذاته على الطفل.
وبحسب التجمع فإن الطفل أحمد مصاب بداء السكري وإن مدير المؤسسة التعليمية استغل حاجة الطفل للأنسولين ليضغط عليه أكثر أمام زملائه في الفصل حيث قال له «إما أن تقول أنا شارلي أو نمنع عليك الأنسولين» قبل أن يعمد إلى الاتصال بمركز الشرطة لتقديم شكوى ضده بتهمة تمجيد الإرهاب خاصة وأن الصبي أحمد – وفق مدير المؤسسة- لم يحترم دقيقة الصمت التي أقيمت ترحما على قتلى صحيفة «شارلي إيبدو» الساخرة.
وينتظر أن يصدر المدعي العام لمدينة نيس جنوب فرنسا قرارا بإحالة الطفل على محكمة الجنايات من عدمه، كما ينتظر ان يصدر قرار عقابي أيضا ضد والد الطفل رغم نفي هذا الأخير ان يكون قد لقنه أي كلمة مما جاء في تصريحاته مؤكدا ان ابنه أحمد سمع كلمة الإرهاب من شاشات القنوات التلفزيونية الفرنسية وفق تعبيره.

محمد واموسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية