في السعودية حسمت الخلافة ولم تحسم مشاكل الداخل

حجم الخط
0

أظهرت الطريقة التي أدار فيها الملك الجديد للمملكة العربية السعودية سلمان بن عبدالعزيز دفة الأمور بعد وفاة أخيه غير الشقيق الملك عبدالله يوم 23 كانون الثاني/ يناير، حرصا على عملية نقل للسلطة هادئة بدون مشاكل أو حدوث فراغ فيها. ويعتقد أن وفاة الملك عبدالله كانت سابقة على الإعلان الرسمي لها، حيث ترى تقارير انه توفي يوم الخميس الساعة السادسة مساء وانتظر ولي العهد/الملك خمس ساعات لترتيب البيت الداخلي. وكان أول قراراته إعفاء رئيس الديوان الملكي خالد التويجري وتعيين نجله الشاب محمد بن سلمان في المكان إضافة لتسليمه وزارة الدفاع. ولم يمض أسبوع على وفاة الملك حتى قام بأكبر تعديل وزاري تخلص فيه من مستشار الأمن القومي بندر بن سلطان، الأمير المعروف وسفير المملكة لواشنطن لربع قرن والذي استقال من منصبه كمدير للمخابرات العامة العام الماضي بناء على ضغوط أمريكية بسبب موقفه من إدارة أمريكا للملف السوري. وأعفى الملك الأمير مشعل بن عبدالله أمير مكة من منصبه وشقيقه أمير الرياض تركي بن عبدالله ولكنه أبقى على وزير النفط علي النعيمي ووزراء آخرين مخضرمين بالإضافة لتغييرات أخرى.

بدون رجال الملك

وبهذا يكمل الملك ترتيب البيت بدون رجال الملك السابق ويؤكد هيمنة السديريين من جديد. وربما كان رحيل بندر عن السلطة ثمنا دفعته السعودية لأمريكا التي حضر رئيسها على رأس وفد كبير واستقبل استقبالا لم يحظ به أي حاكم زار المملكة من قبل. فالرئيس أوباما لم يأت للتعزية والتهنئة ولا لبحث ملفات إقليمية بل جاء للتعرف على الملك ورجاله الذين يعرف بعضهم لكنه لا يعرف النجم الصاعد الجديد نجل الملك وهو الأمير محمد والذي كان وراء تغيير خمسة نواب لوزير الدفاع في أثناء تولي والده الوزارة.
وأهم خطوة قام بها الملك هي حسم الخلافة ونقلها من الجيل الذي يمثله الملك الحالي وولي عهده للجيل المقبل، من أبناء الملك عبد العزيز إلى أحفاده. وحسم الأمر بتعيين الأمير محمد بن نايف وزير الداخلية وليا لولي العهد. وبهذه «الرشاقة» غير المعهودة من آل سعود يكون الملك قد حسم أمر الخلافة ووضعها في جيل شاب. فالمتفق عليه أنه لا الملك الحالي ولا ولي عهده الأمير مقرن هما اللذان سيقرران شؤون الخارجية، ولكن الأمير بن نايف الذي يعتبر الأمير المفضل لدى الولايات المتحدة. فمحمد بن نايف تسلم ملف سوريا ومحاربة الإرهاب ووثق التعاون الأمني مع الولايات المتحدة واجتمع الشهر الماضي مع أوباما في البيت الأبيض، ويعتبر رأس الحربة في محاربة تنظيم القاعدة. ويفهم من هذا الكيفية التي حاول الإعلام الأمريكي تقديم الأمير محمد بن نايف والتعريف به كرمز للجيل الجديد المنفتح على الغرب والمتعلم فيه والذي يحرص على علاقات قوية معه. وبهذا يكون الملك قد أنجز «90٪ من عمله» كما علق أحد السعوديين ضاحكا لمجلة «إيكونوميست». وعليه فقد حسمت مسألة الخلافة في جيل الأبناء والأحفاد بدون فوضى أو خلافات وتسلم الملك منصبه.

دولة تناقضات

وجاء نقل السلطة على خلاف التوقعات التي سادت في التحليلات والتكهنات التي كتبها معلقون وخبراء في الشأن السعودي قالوا فيها إن معركة الخلافة ستكون حامية وأن الرياض ستشهد معركة بين الأمراء. ولعل مرد هذه التكهنات نابع من طبيعة النظام السعودي القائم على سلسلة من التناقضات وليس أوضحها شعبية الملك الجديد على التويتر حيث أضاف نصف مليون تابع لحسابه في غضون أسبوع في بلد يقوم بممارسة الرقابة على وسائل التواصل الإجتماعي ويجلد مدونا بسبب إنشائه موقعا «ليبراليا» انتقد فيه المؤسسة الدينية. وفي بلد يعتبر أبناؤه من أكثر مستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي ويرسل عشرات الألوف من أبنائه للدراسة في الخارج فلا يزال يحكم بقوانين محافظة تقيد من حرية المرأة وتمنعها من قيادة السيارات مثلا أو السفر للخارج بدون محرم. ربما ساعد الملك الجديدعلى ترتيب أمور الملك عاملان، الأول هو التحالف القديم الذي يعود لقرون بين آل سعود ومشايخ الدعوة الوهابية، ولا يتوقع من الملك الجديد مواجهة المؤسسة الدينية نظرا لما يعرف عن محافظته. العامل الآخر الذي سمح بالنقل السلس وما يعنيه من استمرار آل سعود في الحكم هو النفط وعائداته فقد سمح المال لحكام السعودية بالأنفاق على المواطنين ومؤسسات الدولة. فالسعوديون يحصلون على قروض إسكان وتعليم وعناية صحية مجانية، وهناك أكثر من 100.000 سعودية وسعودي مبتعثون للدراسة في الخارج، ولدى السعودية احتياط نقدي يقدر بـ 740 مليار دولار وهو كاف للحد من حالات العنف وارضاء المواطنين ومنع رياح التغيير التي اجتاحت العالم العربي عام 2011. فقد خصص الملك عبدالله 137 مليار دولار للإنفاق على مشاريع اسكان ورعاية اجتماعية، فيما استخدمت السعودية المال لدعم ثورة مضادة أطاحت بالإخوان المسلمين في مصر وحكم النهضة في تونس، ودعم الثوار في سوريا الذين يقاتلون للإطاحة بنظام الأسد. ومن هنا نفهم أهمية القرار الجديد الذي أصدره الملك سلمان بصرف راتب شهرين للموظفين والمتقاعدين، مع أنه يأتي هذا في وقت انخفضت فيه أسعار النفط العالمية.

ثمن الإستقرار

تبدو الطريقة التي أدار فيه آل سعود مسألة نقل الخلافة كطريقة «مدراء شركة» فقد أنشأ الملك عبدالله عام 2006 هيئة البيعة التي تضم 35 عضوا من الأمراء البارزين الذين يمثلون كل فروع العائلة الكبيرة والهدف منها هو الإشراف على نقل السلطة. وقيل إن الهيئة قد صوتت على انتخاب الأمير محمد بن نايف كنائب لولي العهد وإن حدث فهو تعبير عن ديمقراطية ولكن في إطار العائلة. وعلى العموم فما يقوي وضع العائلة السعودية هو موقف السعوديين المحافظ خاصة أن الملك عبد العزيز بنى دولة تدعمه أيديولوجية أخذت من التقاليد البدوية الكثير. فعبر الغزوات والزيجات المتكررة والمعاهدات أقام الملك دولته عام 1932 ومنح للكثير من القبائل مساحة للراحة من الحروب والفوضى، وأوقف انتشار الأمراض التي كانت علامة فارقة في الجزيرة العربية ومع تقدم الدولة زاد متوسط العمر عن السابق. ولهذا نفهم مخاوف السعوديين من فوضى الربيع العربي حيث كان سيعرض أمنهم واستقرارهم للخطر. لا يبدو الحديث عن الخلافة الآن مهما وقد استقر الوضع مع أن الكثير من السعوديين بحسب «أيكونوميست» غير راضين عن تعيين نجل الملك، محمد في منصبين مهمين، كرئيس للديوان- أي كاتم أسرار الملك، وكوزير للدفاع. وهناك رضا عن تعيين الأمير محمد بن نايف نائبا لولي العهد. ووجه الرضا نابع من الجهد الذي بذله في مقاومة تنظيم القاعدة التي استهدفت البلاد في عمليات ما بين 2003- 2005 بسلسلة من الهجمات. ونجح الأمير الذي تعرض لمحاولة اغتيال باستخدام اليد الحديدية- الحل الأمني واليد الناعمة – فتح مراكز إعادة تأهيل للجهاديين السابقين ومنح حوافز لعائلات الجهاديين. رغم أنه لم يكن متسامحا مع الأصوات الليبرالية واستطاع تأكيد سلطة وزارة الداخلية من خلال قوانين مكافحة الإرهاب وجرائم الإنترنت. ومع أن الليبراليين لم يهددوا مصير ولا شرعية الدولة، فتاريخ المملكة الحديث يشهد أن التحدي جاء من الأصوات الإسلامية- من جهيمان العتيبي واحتلاله الحرم (1979) ومشائخ الصحوة بعد حرب الخليج عام 1991 وتنظيم القاعدة منذ عام 1996 وحتى الأن.

تهديد الخارج

ولا بد من الإشارة إلى أن التهديدات على الحكم السعودي باتت تأتي من الخارج، من توسع التأثير الإيراني، فوضى اليمن، «خلافة» تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا التي تنهل جزءا من أيديولوجيتها من تعاليم الوهابية. وفي هذا السياق لا يتوقع أن يحدث تغيير على ملف السياسة الخارجية، خاصة أن الملك سلمان كان يقود الملف منذ عجز الملك في الأشهر الاخيرة. ورغم دخول نجم جديد للسياسة وهو نجل الملك الذي قد يزيد دوره مع الوقت، في ظل التقارير التي تتحدث عن مرض الملك الحالي، لكن لن يؤثر هذا بالضرورة على مسار العلاقات السعودية- الأمريكية الذي بات يركز على ملف واحد وهو مكافحة الإرهاب، وسيتولاه الأمير محمد بن نايف الذي يتمتع بعلاقة جيدة مع واشنطن. وعزز منحه ملف سوريا العام الماضي علاقة التعاون المتبادل بين البلدين. ولن يجري تغييرعلى طبيعة العلاقة مع إيران التي تظل في الرؤية السعودية تمثل بطموحاتها النووية وتوسعها في عواصم عربية تهديدا لمصالح الرياض. وستتواصل علاقة العداء كما يقول فردريك وهيري، من مركز كارنيجي في ظل الملك سلمان. وفي السياق نفسه لن يتغير الموقف من نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ومن مصر. وبالنسبة للأخيرة فقد حدت السعودية من الدعم لها وهناك تحركات كما يقول ويهري بالضغط على الرئيس عبد الفتاح السيسي لدعم الإصلاح، ولا يتوقع استمرار السعوديين دعم السيسي وللأبد خاصة في ظل تراجع أسعار النفط، وهناك مؤشرات عن عجز في الميزانية السعودية بنسبة 1٪ للعام الحالي 2015. وستعبر السياسة السعودية عن براغماتية وهو توجه بات واضحا في علاقة السعودية مع العراق وملف اليمن. فهناك اعتراف بتأثير إيران في المنطقة وأنه لا يمكن التخلص منه بسهولة. وعليه فالتغير السياسي في الرياض من عبدالله إلى سلمان مهم ليس من ناحية من يحكم ومن سيخلف الملك الحالي ولكن من سيقوم بضبط وتيرة العلاقات الخارجية للسعودية.

معركة الداخل

بعيدا عن الملف الخارجي تواجه السعودية في ظل حاكمها الجديد تحديات داخلية نابعة من عدد من المشاكل، فالاستقرار الذي حققته الدولة في الماضي لن يظل ضمانة لمستقبل آمن في ظل ما يحيط بالمملكة من اضطرابات. فهناك العديد من المشاكل التي تواجه المملكة وليس أهمها تراجع أسعار النفط، والفوارق في مستويات الدخل العام للفرد والذي لا يتجاوز 26.000 دولار للفرد العادي مقارنة مع 43.000 للفرد العادي في الإمارات. كل هذا يدعو الدولة إلى توسيع الاقتصاد وتنويعه بعيدا عن النفط وخلق فرص عمل جديدة في بلد معظم سكانه من الشباب، وعليه فوجود نسبة من العاطلين الناقمين على الدولة سيكون مدعاة للراديكالية.
ولعل أهم ما يواجه السعودية اليوم هي مسألة الحريات العامة وحقوق الإنسان، ففي ظل استخدام السعوديين وهم الأعلى عربيا لوسائل التواصل فهناك تعطش للتعبير عن الرأي وانتقاد الفساد. ولعل عالم الإنترنت الإفتراضي هو المجال الوحيد المتوفر للسعوديين، ومن هنا فزيادة القيود على مستخدمي الإنترنت وقمع الحريات والمعارضين السلميين قد ينعكس سلبا على الدولة السعودية في ظل سلمان. يضاف إلى هذا أن الدولة التي ترسل مبتعثين للخارج وفتحت جامعة للعلوم والتكنولوجيا مختلطة وتخطط لبناء مدن حديثة تعطي حرية أوسع من تلك المتوفرة في الرياض بحاجة للتفكير في مواجهة العصر المقبل. فالشبان السعوديون الذين درسوا في الخارج سيعودون بأفكار جديدة والفتيات المبتعثات والعائدات برؤى وطموحات عالية لن يقبلن وضعا مقيدا وللأبد. وفي المعنى الأخير فحسم السلطة والخلافة هو بداية رحلة طويلة لتقرير مصير البلاد. وكل هذا مرتبط بالطريقة التي ستتعامل فيها الحكومة مع تحديات المستقبل في الداخل.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية