القاهرة – «القدس العربي»: بعد رحيل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم، كثرت التكهنات حول التطورات المرتقبة للعلاقة بين مصر والسعودية، وسط تساؤلات إنْ كان غياب الثقل الشخصي للملك الراحل سيؤدي إلى تراجع أو تباطؤ الملفات التي كان يتولاها شخصيا، ومنها المصالحات العربية، وخاصة بين مصر وقطر، وتقديم الدعم الاقتصادي لمصر؟ وتحولت تلك التساؤلات إلى مخاوف مع انتشار تحليلات تشير إلى ان الملك سلمان يريد ان يولي اهتماما أكبر للقضايا الداخلية، ما قد يؤثر على بعض الملفات الإقليمية. لكن خبراء سياسيين يقولون إن العلاقات المصرية السعودية لن تتأثر بوفاة العاهل السعودي الملك عبدالله، مشيرين إلى أن هناك محددات تحكم العلاقات بين البلدين، وترسمها تتمثل في أنها أحد الثوابت التاريخية في السياسة الخارجية للبلدين، إلى جانب تقاطع المصالح في بعض الملفات وعلى رأسها مكافحة الإرهاب، وتحقيق أمن الخليج العربي، والعلاقات الاقتصادية.
جيل الأحفاد
وقال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة الدراسات السياسية بمركز دراسات الشرق الأوسط لـ»القدس العربي» «هناك توقع بأن العلاقات ستستمر بصورة جيدة ولكن هناك جملة من الملفات التي ستتم مناقشتها حول دور السعودية في ملف المصالحة من جانب، ودورها في استكمال الدعم المصري السياسي والاقتصادي من جانب آخر في ظل ترتيب الأولويات الداخلية في المملكة. وهناك سيناريوهان للعلاقات، السيناريو المرجح هو استمرار العلاقات كما هو عليه مع تأجيل بعض الامور الخاصة بالمصالحة ودور السعودية في دعم مصر في المرحلة المقبلة، أما الآخر فهو تحول السعودية إلى مرحلة جديدة مع الملك الجديد على اعتبار ان البعض ينظر إلى ان الملك مرحلة انتقالية لتسليم السلطة لجيل الأحفاد وبالتالي سوف يؤثر هذا على السياسة الخارجية السعودية في نطاقها الإقليمي وبالتالي ربما تتخلى السعودية عن الملفات العربية المطروحة مثل الملف السوري فتتركه إلى مصر والملف العراقي تتركه إلى قوى إقليمية بالإضافة إلى مصر، فبالتالي سوف تشهد العلاقات ليس بالضرورة تجميد مسار ولكن حركة محدودة في النطاق العربي». وعن تأثر العلاقات المصرية القطرية بعد وفاة الملك عبد الله، قال الدكتور طارق «اعتقد ان هناك تخوفات من انحسار الدور السعودي ولكن ربما يكون السيسي قد قام بزيارة الإمارات والكويت بهدف توسيع نطاق الضغط والوساطة وبناء على ذلك سوف نرى ما تقدمه قطر لمصر والمعلن حتى اليوم ان قطر ستشارك في المؤتمر الاقتصادي في اذار/مارس وستشارك بالضرورة في القمة العربية في القاهرة، وحين ذلك سوف تتغير قواعد اللعبة مع هذه الدولة، واعتقد لا توجد دولة ستنجح في تخريب العلاقة بين مصر والسعودية وخاصة تركيا وإيران لأن الملك سلمان لديه رؤية جيدة تجاه مصر».
ومن جانبه قال الدكتور سعيد اللاوندي، خبير العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، ان «العلاقات حتى الآن جيدة جدا، والملك سلمان أكد انه لا يوجد تغيير في السياسة الخارجية، ونعتقد انه لن تحدث أي تغييرات خلال العامين المقبلين، ولكن من الممكن ان تحدث تغييرات بعد هذه الفترة، وفي الوقت الحالي السعودية في حاجة إلى مصر والجيش المصري لأن الرئيس السيسي أكد أكثر من مرة عبارة «مسافة السكة» تلك العبارة التي تؤكد انه إذا طلبت منه السعودية شيئا فسوف يكون ملبيا للنداء بصورة سريعة، لاسيما وان هناك مخاوف من جانب السعودية فيما يتعلق باليمن باعتبار ان الحوثيين يسيطرون حاليا على مفاصل الدولة، ناهيك عن وجود أكثر من مليون مصري يعيشون في السعودية ويساهمون كمصريين في التنمية والتقدم الذي تشهده السعودية».
وبالنسبة إلى العلاقات مع قطر قال «مصر لم تقدم شيئا يتعلق بالأضرار بمصالح قطر وتعتبر الشعب القطري جزءا من الأمة العربية، واعتقد ان المهيمن على المصالحة المصرية القطرية كان الملك عبدالله وبغيابه عادت قناة (الجزيرة) تقوم بما كانت تقوم به من قبل، والرئيس السيسي قال ان الكرة الآن في ملعب قطر، واعتقد في القريب العاجل الإعلام المصري سواء كان مقروءا أو مسموعا أو مرئيا لن يصمت عن هذا وسوف تكون هناك مشادات إعلامية بين الدولتين».
العلاقات الاستراتيجية
وقال الدكتور يسري الغرباوي الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، لـ»القدس العربي» «العلاقات بين مصر والسعودية هي علاقات استراتيجية لأن الدولتين في حاجة إلى بعضهما في هذه المرحلة في ظل تغير موازين القوى في المنطقة لغير صالح العرب، بالاضافة إلى طبيعة المرحلة من تفكك وخلافات كثيرة خاصة بخصوص القضايا المتعلقة بالعالم العربي مثل الوضع في سوريا وليبيا وغيرها يؤكد لنا ان المملكة السعودية سوف تستمر على النهج الذي كانت تسير عليه أيام الملك عبدالله».
وأضاف «لا اعتقد ان العلاقة بين مصر وقطر سيحدث فيها تغيير بعد وفاة الملك عبدالله بل ستظل العلاقة بينهما نوعا من المراوحة ما بين الهدنة والهجوم المتبادل، ولكن لن تتم المصالحة النهائية في هذه الفترة، ومن الوارد ان تستغل تركيا وإيران فرصة وفاة الملك عبدالله لتخريب العلاقات المصرية السعودية لأن أي دولة تسعى إلى تحقيق مصلحتها على حساب أخرى وهذا طبيعي في الامور السياسية، والمشكلة الأساسية هي هل ستستطيع مصر امتصاص مثل هذه الضربات أو التغيرات؟».
داعمة للشعب المصري
وقالت سمر المقرن، الكاتبة الصحافية السعودية، خلال مداخلة هاتفية على قناة (الحياة)، «إن العلاقات المصرية السعودية راسخة ولن تتراجع»، مشيرة إلى أنه «لا توجد بيننا وبين رجال الدين المعتدلين أي مشكلة في السعودية ولكن المشكلة مع التيار الديني المُسَيَّس». وتابعت «أن المملكة كانت دائما داعمة للشعب المصري خلال ثورتي 25 كانون الثاني/يناير و30 حزيران/يونيو وستظل داعمة للشعب المصري، وندرك تماما حجم المخاطر التي تهدد المنطقة العربية، وأن إيران لن تهدأ حتى تخترق المنطقة».
التغيرات مطلوبة
بينما توقع الدكتور نبيل فهمي وزير الخارجية الأسبق، أن يحدث تغير في العلاقات المصرية السعودية بعد وفاة خادم الحرمين الشريفين، وقال إن التغيير مطلوب لمواجهة التطرف والارهاب بالمنطقة العربية ولمواجهة التحديات الاقليمية على الحدود مع إيران وغيرها ومن المتوقع أن تستغل تركيا وإيران فرصة تغير الإدارة السعودية لتخريب العلاقات مع مصر.
العلاقة أزلية
أما على الجانب الاقتصادي، فاستبعد اقتصاديون تأثر الدعم السعودي لمصر والعلاقات الاقتصادية المشتركة بين البلدين بوفاة العاهل السعودي الملك عبدالله بشكل كبير. وقال الدكتور صلاح فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الازهر، لـ»القدس العربي» ، «لا تغييرات في دعم السعودية ماديا أو معنويا لمصر وسوف يسير الملك سلمان على التوجه نفسه لأنه ملك حديث ولكنه كان ولي عهد منذ فترة طويلة، وإنْ كان لكل شخص رؤيته وفكره الخاص ولكن المملكة السعودية دولة كبيرة لها سياسة ثابتة في المنطقة وبالتالي فلن يحدث تغير شديد بين ما كان وما سيكون، والملك سلمان سيسير على النهج نفسه مع إضافة بصمته الشخصية، ولن تتأثر الاستثمارات المصرية السعودية لأن الملك سلمان محب للمصريين ويدعمهم بكافة الصور، فالعلاقة بين البلدين أزلية وعلاقة شعوب لا ترتبط كثيرا بالحكام».
الاستثمارات ستزيد
وقال الدكتور ماهر هشام، الخبير الاقتصادي، «لن يحدث أي تغير في الدعم السعودي لمصر كما ان مصر الآن أصبحت مناخا واعدا لأن حجم الاستثمارات السعودية المتوقعة ستصل من نصف إلى مليار وربع تقريبا بعد وفاة الملك عبدالله، لأن مصر تتعامل مع المملكة العربية السعودية حكومة وشعبا وليس حاكما فقط. وكما قال الرئيس السيسي ان أمن مصر مرتبط بأمن الخليج كله، ومن الضروري ان تسير منظومة الحكم في السعودية على النهج نفسه وخاصة بعد اتضاح نوايا وأفعال أمريكا وحلفاء الشر في نهب بترول العراق من خلال تنظيم الدولة وبيعه بسعر قليل مما يوضح ان هناك مخططا لسرقة ثروات الخليج بالكامل وهذه أجندة أمريكية واضحة المعالم. والمستثمرون السعوديون يستثمرون في المشروعات الواعدة وهي مشروعات البنية التحتية وبخاصة ان مصر تغطي فجوة الأمن الغذائي العربي، فالاستثمارات السعودية سوف تزيد بعد وفاة الملك عبدالله والملك سلمان سوف يسير على النهج نفسه».
منار عبد الفتاح