عمان- «القدس العربي»: يمكن القول وببساطة شديدة ومن رصد الانطباعات الأولية لنخبة عمان السياسية إن مغادرة العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز قد لا تكون خبرا سارا بالنسبة للأردنيين الذين يراهنون دوما على علاقات تحالفية وعميقة وإستراتيجية مع العائلة السعودية المالكة.
ثمة قراءات وانطباعات أولية تفيد بأن خسارة الأردن في كل المساحات كبيرة جدا بعد التغيير العاصف الأخير الذي حصل في مربع القرار السعودي ليس لأن الرياض في ظل الملك سلمان بن عبد العزيز يمكن أن تغير أولوياتها تجاه الأردنيين، ولكن لأن خطوط التواصل أصلا بين عمان وولي العهد السعودي الأسبق تميزت دوما بغياب الحميمية وبعدم وجود حماس شمولي لإطلاق علاقات في أبعاد عميقة جدا.
التعليقات الرسمية التي صدرت عن العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ورئيس الوزراء الدكتور عبدالله النسور اجتهدت لكي تظــهر أن العلاقات الثنائية مؤسسية وقائمة على المصالح خصوصا وان السعودية كانت وما زالت من الخطوط الحمر بالنسبة للأردنيين.
وهي بكل الأحوال تعليقات إيجابية تعكس المزاج والجو العام لكنها لا تحفر في أعماق المشهد وفقا للتقديرات حتى داخل نخب المؤسسة الأردنية، حيث يعتقد وعلى نطاق واسع بأن إستراتيجية الأردن في مرحلة ما بعد الربيع العربي لا تتفق مع الهوى السياسي للملك سلمان في السعودية.
المسألة الأخيرة قد تكون سياسيا أكثر ما يقلق المؤسسة الأردنية خصوصا إذا ما برزت تقلبات محتملة في الجانب السياسي لموقف واتجاهات مؤسسة القرار السعودي في المساحات المتعلقة بالملف المصري أو ملف الإخوان المسلمين أو حتى بقية الملفات الإقليمية. عمان بهذا المعنى تتهامس حول بوصلة محتملة متغيرة للسعودية في المرحلة اللاحقة وتأثيرات ذلك على المنطقة المستقرة في وجدان الأردنيين عن السعودية الحليف الأقوى والأهم في المنطقة وسط تبادل للمعلومات عن تقديرات توحي بأن السعودية بصورة عامة قد لا تغير موقفها السياسي المباشر، لكن في الكثير من التفاصيل يمكن أن تبرز مستجدات لا تعتاد عليها العواصم العربية التي تدور في العادة في الفلك السعودي.
على سبيل المثال تحدثت مراجع أردنية خبيرة لـ «القدس العربي» عن موقف «أقل حماسا» من موقف الملك الراحل عن الملك الحالي سلمان بن عبد العزيز في تأييد الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي وعن رؤية متباينة أيضا عندما يتعلق الأمر بمكافحة «الإرهاب» وتفاصيل تختلف في المسألة العراقية دون تغييرات جذرية في المسألة السورية خلافا لرؤية قد تتقاطع مع المألوف السعودي منذ ثلاث سنوات عندما يتعلق الأمر بملف الإخوان المسلمين.
هذه التفصيلات أساسية عند مؤسسة القرار الأردنية عندما يتعلق الأمر بأي محاولة لفهم بوصلة الخريطة السعودية اعتبارا من العام المقبل خصوصا وان الملك الجديد أظهر جدية وصرامة في توجيه العديد من الرسائل المغرقة في أهميتها إقليميا ودوليا وداخليا خلال مراسم تشييع أخيه الراحل وعلى هامش القرارات الأولى التي وضعها حيز التنفيذ وأبعدت مجموعة كبيرة من رموز العهد السابق.
الأردن وفقا لمصادر مطلعة جدا سيفتقد للتواصل الكيميائي مع عدد كبير من أركان الحكم السعودي الجديد بعدما افتقد أصدقاء قدامى يعرفهم جيدا من بينهم الأمير عبد العزيز بن عبدالله والأمير متعب بن عبدالله وكذلك خالد التويجري الرئيس الأسبق للديوان الملكي.
عمان أيضا أقامت شبكة تواصل في السنوات الأربع الماضية مع أبناء بن سلطان وخصوصا الأمير الشاب محمد بن سلطان المسؤول الأمني واللوجستي للملف السوري الذي أقام كل عملياته إنطلاقا من عمان وكذلك بندر بن عبد العزيز وبهذا المعنى يغيب خط متعب- بندر عن مربع التواصل والتناغم الأردني.
المربع البديل لا يعرف عنه الأردنيون الكثير من عمليات التواصل، فالنجم الجديد في الديوان الملكي ووزارة الدفاع الأمير محمد بن سلمان يتميز حسب شخصية أردنية تعرفه جيدا بالجدية والصرامة و«قلة المجاملات» والأمير مقرن بن عبد العزيز ولي العهد بعيد نسبيا عن سخونة الاتصالات مع الأردن وولي ولي العهد وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف يهتم بعمان ويتعامل معها بـ«القطعة» على أساس تبادل المصالح في مجال مكافحة الإرهاب.
معنى التحليل الأخير سياسيا أن أي انتعاش أو تطور في مسيرة العلاقات الأردنية- السعودية بعد رحيل الملك عبدالله ستعتمد على ارث وتراث الماضي فقط وبدون أصدقاء حميميين كما كان يحصل في الماضي.
ومن المرجح وهو الأمر الذي يقلق سياسيين محليين في عمان أن المساعدات السعودية للأردن ستخضع مستقبلا لأقصى درجات «التسييس» ولن تكون متاحة إلا على قواعد «تبادل المنافع والمصالح» وهو عمليا الشعار الذي كان يتبناه الملك سلمان قبل مبايعته مؤخرا خصوصا عندما يتعلق الأمر بدول الجوار مثل الأردن ومصر.
الانطباعات المنقولة عن الملك سلمان أنه لا يفضل دفع المال للدول المجاورة على أساس التعاون والمساعدة بل على أساس الشراكة والاستثمار وضمن أسس لتبادل المصالح والمنافع ووفقا لخريطة المصالح والأدوار وليس بناء على عواطف قومية أو غير قومية.
مثل هذه الاعتبارات تقلق الأردنيين وتثير مخاوفهم وتوقعاتهم الأولية مبنية على توقع انخفاض في عدة العلاقات الإستراتيجية مع العهد السعودي الجديد أو العمل وفقا لقواعد لم تختبر في الماضي، الأمر الذي يثير بعض المخاوف والهواجس وإن كانت المرونة متاحة في الذهنية الأردنية التي تجتهد لإظهار أقصى طاقات الاحترام للمصالح والاعتبارات السعودية.
بسام البدارين