الأزمة السّورية.. وتفعيل توازن الرّعب

حجم الخط
0

ليس من باب الغرام أن تستميت روسيا في الدفاع عن النظام السّوري، وبالتأكيد لا يمكن أن يكون السعي إلى إسقاطه حرصا أمريكيا على مصلحة الشعب السوري، فالمسألة تبدو أعمق من ذلك بكثير إذ أنها تذكّر بمصطلحات ومفاهيم ظهرت مع الحرب الباردة أيام تسابق الدول إلى التسلح، فهل ستكون الأزمة السورية شرارة تفعيل ما عٌرِف بتوازن الرعب، وبالتالي انتهاء سيطرة القطب الواحد على القوة العسكرية؟

رغم الإتفاقيات العديدة والمفاوضات التي جرت وستجري بين القوى العظمى في العالم ولا سيما روسيا والولايات المتحدة الامريكية حول الحدّ من التّسلح أو ما يعرف بالدرع الصاروخية، فإنّ النّوايا تبدو مختلفة والتّخوف كبير فالولايات المتحدة الأمريكية إنطلاقا من حرصها على مصلحة اسرائيل ليست مطمئنة إطلاقا إلى التجربة النّووية الإيرانية التي تشهد تقدّما ملحوظا قد يخرج أهدافها من إطار الأغراض السلمية وهو أمر يجعل أمريكا غير قادرة على الحسم في موضوع الحدّ من التسلح وبالتالي نشر الصواريخ الباليستية الضّامنة لحمايتها وحماية إسرائيل وبعض الدول الخليجية من أي مجازفة غير متوقعة، سواء من طرف إيران أو أي طرف آخر يناصبها العداء، وكذلك فإنّ روسيا ليست متفائلة بدورها من مؤشرات تثبت رغبة أمريكية في بسط نفوذها على منطقة الشّرق الأوسط والخليج العربي أولا لتفادي تداعيات الأزمة الإقتصادية وثانيا للتحكم في الموارد الحيوية للطاقة، وثالثا لأغراض جيوساسية إستراتيجية، أغراض يبدو أنها تقصي روسيا وبدرجة أقل الصّين من المعادلات السياسية والإقتصادية القائمة في المنطقة.

ومن هذا المنطلق يمكن أن نستشفّ أنّ روسيا حسمت أمرها بإيجاد موطئ قدم في الشرق الأوسط يضمن لها نفوذا سياسيا وتحكّما ولو جزئيا في دواليب الإقتصاد العالمي وخاصة صادرات الطاقة والسلاح أمر قد يثبته سعيها لإنشاء قاعدة عسكرية في طرطوس السّورية، هذا بالإضافة إلى إعلان قائد قوات الدفاع الجوّي والفضائي الرّوسي ‘أوليغ أوستابينكو’ يوم 11 فيبرواري عن بدء المناوبة للرادار الحديث التابع لمنظومة الإنذار المبكر عن الهجوم الصاروخي ‘طراز فورنيج’ ، كذلك فإن وزارة الدفاع الرّوسية أقرّت بنشر منظومة الدفاع الجوي ‘إس-400 تريومف ‘ في المناطق الحدودية الروسية.

كل هذه المعلومات تجعلنا نتساءل: – لماذا تسعى روسيا إلى السباق المحموم للتسلح؟ وماهي مخاوفها؟- ما هي العلاقة الممكنة بين نية إسرائيل توجيه ضربة للمنشآت النّووية الإيرانية وعودة توازن الرعب؟- كيف يمكن أن تكون الأزمة السورية شرارة العودة إلى ثنائية القطب العسكري؟

روسيا تعرف جيدا أن سقوط النّظام السّوري قد يقضي على طموحاتها الإقتصادية والجيوسياسية علاوة على إمكانية تأثير ذلك على صادراتها من الغاز إلى أوروبا التي يقدّر خبراء مساهمتها في ميزانية روسيا بما يناهز 40 ‘ وبالتالي فإنّ مخاوفها تجعلها تتمسك بعلاقة استراتيجية عميقة مع النّظام السّوري.

إنّ نيّة إسرائيل المعلنة في توجيه ضربة للمنشآت النّووية الإيرانية سيجعل ردّة فعل محتملة تكون سببا في توسيع دائرة الصراع وبالتالي إقحام عدّة أطراف ولو غير راغبة في ولوجها، فالولايات المتحدة الأمريكية ستكون مجبرة على الدفاع عن إسرائيل وأيضا شركائها الآخرين مهما كانت التكلفة.

النّظام السوري الذي توعّد بزلزال سيهز المنطقة في صورة حدوث إعتداء عسكري قد لا يكون مجانبا للصّواب خاصة بعد إعلان إيران تأييده المطلق وكذلك روسيا والصين تأييده بشروط من خلال الفيتو حفاظا على عدم ظهورهما في صورة المتهم بتأييد الإستبداد وذلك رغم كل الإغراءات التي لم ترقى إلى مستوى المقايضة المرغوبة من هذه الدول.

كل هذه النّقاط بالإضافة إلى حسابات بعض دول مجلس التعاون الخليجي ومخاوفها من مطامح ايرانية لإنشاء قوة نووية تهدد المنطقة تجعل الأزمة السّورية التي تباينت حولها الآراء والأغراض قد تكون نقطة إنطلاق لتفعيل توازن الرعب الذي يقسم العالم إلى قطبين في مجال القوة العسكرية أوله القطب التقليدي الذي يضم أمريكا وحلفائها إضافة إلى حلف الناتو وثانيها روسيا وإيران والصين وربما كوريا الشمالية. فرحات الطويل – تطاوين تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية