ثمة فارق تكويني أساسي بين كل من «حزب الله» و«تيار المستقبل» من جهة، وبين حزبيات الطوائف الأخرى من جهة ثانية.
فالحيثية المحلية لحزبيات كحركة أمل، والحزب الجنبلاطي، والقوات، والحالة العونية، متشكلة في الداخل. ارتباطها بالخارج من بعد أن يكون لها رصيد أهليّ وسياسيّ من لحم البلد وشحمه. في حين أن حزب الله والحالة الحريرية تشكّلا في مسار معاكس تماماً.
فعلاقة الحزب بإيران الخمينية وعلاقة رفيق الحريري بالسعودية عضوية تماماً. حزب الله ابن الثورة الإيرانية وولاية الفقيه. الحريرية بنت التجربة الإعمارية المحافظة في السعودية. إيران والسعودية دولتان نفطيتان. الريع النفطي هو العمق التمويلي للظاهرتين، مع الاختلاف بين سجل من العزل والمحاصرة لإيران بعد الثورة، في مقابل تحالف استراتيجي مزمن بين السعودية وأمريكا، وقد ازدادت الحاجة له بعد قيام النظام الثوري الإسلامي على الضفة المقابلة من الخليج، كما في مواجهة السوفيات في أفغانستان، ثم لإخراج صدام حسين من الكويت.
لو لم تنشب الثورة وترتدي لبوساً إسلاموياً ومهدوياً، ولو لم ينبثق عنها هذا النظام، لما كان «حزب الله» لا على الخاطر ولا على البال بالشكل والمضمون الذي نعرفه بهما.
ولا ينفي هذا أن الحزب متشكّل من لبنانيين بشكل بحت. وليست فيه حالة الإيراني مصطفى شمران، الساعد اليمين للسيد موسى الصدر في تشكيل «حركة المحرومين» وتنظيمها العسكري «أمل» والذي تولّى إثر ذلك وزارة الدفاع في حكومة مهدي بازركان في طهران بعد الثورة وأسّس للحرس الثوري الإيراني «باسدران» بأمر من الإمام الخميني. هو القادم أساساً من حركة «نهضت آزادي إيران» التي كان بازركان من أبرز قيادييها. وقد قُتِل شمران في خوزستان / الأهواز في حزيران 1981 إبان الحرب مع العراق، وثمة تشكيك بالرواية الرسمية التي أعطيت لمقتله.
لن تجد في المقابل أي إيرانيّ يقود عسكر «حزب الله» أو أي جهاز من أجهزته، سواء في الثمانينيات من القرن الماضي أو اليوم.
ولو أن انبثاق الحزب عن الجمهورية الإسلامية حصل بالتدخل المباشر، من خلال بعثة الباسدران التي دخلت شرقي لبنان في صيف الإجتياح الإسرائيلي 1982 بنصف اتفاق مع حافظ الأسد.
ومن الذين قدموا للحث على تشكيل الحالة اللبنانية الخمينية التي ستعرف شيئاً بعد شيء باسم «حزب الله» بطل معركة خورمشهر / المحمرة في وجه الجيش العراقي، أحمد متوسليان، الذي سيقع وزملاؤه من الديبلوماسيين الإيرانيين في مصيدة «القوات» على حاجز البربارة في تموز 1982. وتتهم إيران إلى الآن سمير جعجع بوقوفه وراء اختطافهم وتسليمهم إلى إسرائيل، في حين يشير جعجع إلى مسؤولية ايلي حبيقة عن هذا الملف، فيما ينفي الإسرائيليون أنهم تسلموا المخطوفين، ويرجّحون أنه تمّت تصفيتهم على الفور من قبل المسلّحين المسيحيين.
ولد «حزب الله» بنتيجة التأثر بوهج الثورة الإيرانية، وفي لحظة الإجتياح الإسرائيلي ثم تدخل المارينز. تشرّب العقيدة وتلقى التدريب والتمويل والتوجيه العام من إيران، ولا يزال، ولا ينحصر ارتباطه بها بتبنيه نظرية ولاية الفقيه، بل هو جزء متمم للحرس الثوري فيها. وليس هناك في نظام الجمهورية الإسلامية ما يمنع، نظرياً ودستورياً على الأقل، من أن يتبوأ مسلم شيعيّ غير إيراني منصب المرشد قائد الثورة وولي الفقيه، الأمر الذي يجعلها جمهورية إسلامية مزدوجة، «في إيران»، و«خارج إيران».
في حالة الرئيس المغدور رفيق الحريري وذريته وتياره السياسي ليس هناك قتال وعقيدة وتعبئة وتصدير ثورة وجمهورية حائرة بين طابعها القومي وبين طابعها الأممي، ولا انخراط في مشروع خلاصي دنيوي أخرويّ في آن يرتبط بضرب معين من أدلجات التاريخ الديني.
لكن ثمة ارتباط أكثر من ولائي، بل هو عضوي، لا مباينة فيه أو مسافة. ارتباط مالي وتوجيهي وعاطفي بالمملكة العربية السعودية، وتأثر بقيم وأمزجة النخبة الحاكمة فيها، وانتساب تام إلى جنسيتها على مستوى العائلة الحريرية وما يمليه ذلك من موجبات، وإن لم يكن هناك اقتباس عقيدة، أو تصدير شكل تنظيمي محدّد له أصل في السعودية نفسها – كما في حالة تصدير نموذج الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان.
المراكز الخارجية
لم يدخل الحريري الأب، المهاجر إلى المملكة للعمل في منتصف الستينيات – والذي صعد نجمه فيها كمتعهد ومقاول ونال جنسيتها أواخر السبعينيات – الحقل السياسي إلا كمبعوث شخصي للملك فهد، ما بين مؤتمري لوزان 1984 والطائف 1989.
لا وجود للحريرية في لبنان لولا هذا الإعتماد السعودي لشخص الحريري الأب، مثلما لا وجود لحزب الله لولا النموذج الثوري الإسلامي الإيراني والعمل على تصديره.
الظاهرتان تختلفان في كل شيء بعد ذلك، إنما يتماثل تجهيزهما قبل توليدهما في الداخل.
ليس بالمستطاع قول الشيء نفسه بالنسبة إلى الحيثيات السياسية الطائفية الأخرى في لبنان. فهذه يمكن أن تذهب بعيداً في الارتباط بالمراكز الخارجية والتدخلات الأجنبية، والاحتماء أو الاستقواء بها والتقلّب فيما بينها، لكنها تبقى «محلية الصنع» في شكلها الأوّل، يفرزها الواقع المحلي في حركته وفي ركوده. أما الخمينية اللبنانية والسعودة اللبنانية التي هي الحريرية فلهما مقام آخر.
مجهزتان من طهران والرياض. بالعقيدة في الأولى، وبالجنسية المزدوجة للعائلة المتزعمة في الثانية. الأولى تقتبس من إيران السلك الحرسي، والثانية تقتبس من السعودية النموذج البلاطي. فبمعنى ما، «حزب الله» ظاهرة «جمهورية»، والحريرية ظاهرة «ملكية».
تمكنت الظاهرتان في وقت متقارب، في مجرى التسعينيات من القرن الماضي، من الهيمنة كل واحدة ضمن مجال طائفتها. إنما بمنهجين مختلفين. استتباعي للدولة في الحالة الأولى ومصادر لحربها وسلمها. وتغوّلي فيها في حالة الحريرية، في الوقت نفسه الذي تنادي فيه الحريرية بأن لا تقوم هذه الدولة لا على تخطيط ولا على ضمانات اجتماعية.
والخمينية اللبنانية – وان استعاضت عن «الجمهورية الإسلامية في لبنان» بالمقاومة الإسلامية فيه، وابتداء منه «فحسب» – الا أنها مثلت عملية إعادة تديين وإعادة أدلجة لهذا التديين في الاجتماع الشيعي.
أما الحريرية، ورغم همّتها في إعمار المساجد ورعايتها الإفتاء وأحوال رجال الدين، إلا أنها مثّلت في المقلب الآخر عملية «علمنة» للنموذج السعودي المقتبس.
إذ هي تبنت النموذج السعودي من دون الوهابية. كما أرادت أن توحد سياسياً سنّة لبنان وأن تطوّر حالة مختلطة طائفياً، وأن تجمع بين الولاء للسعودية وبين شبكة علاقات دولية لعلّ أبرزها علاقة الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك.
بطبيعة الحال، ليست سهلة أبداً المقارنة. ولا هي متاحة أصلاً من كل الجوانب، بين تجهيز ظاهرة في بلد غير مجاور للبنان وغير عربي، مثل إيران، لتكون ظاهرة قتالية عقائدية في المقام الأول، وبين تجهيز ظاهرة من بلد غير مجاور، لكن عربي مثل السعودية، إنما كظاهرة «بزنسية» في المقام الأول.
هناك تفاوت حاد من هذه الناحية. في الوقت نفسه، لا يلغي هذا التفاوت صلة الرحم، أو الرابطة العضوية، في الحالتين.
والمفارقة، ان الظاهرتين ساهمتا في انمحاء ما كان من الجائز الاصطلاح على وصفه قبلهما بالكلّ الإسلامي في تاريخ البلد. فقبل حزب الله والحريرية كنت إذا قلت «المسلمون في لبنان» رافق قولك هذا دلالة جمَعية ما، تزيد أو تنقص، لكنها لا تندثر رغم الاختلافات المذهبية والمناطقية والسياسية بين هؤلاء المسلمين. توارت مع صعود حزب الله والحريرية، هذه الدلالة الجمعية إلى أبعد حد. صارت الدلالات الجمعية حكماً مثلثة في الاجتماع اللبناني، بين المسيحيين من جهة، على ضراوة الانقسامات داخلهم، وبين كل من «الشيعة» و«السنة».
لأجل ذلك أيضاً ما عاد المسيحيون أقلية ديموغرافية كما كانت عليه الحال تقريباً منذ نهاية الخمسينيات. صار البلد مكوناً من ثلاث مجموعات إثنو-دينية أساسية. المسيحيون الذين تمورنوا سياسياً ووجدانياً على مختلف طوائفهم. والمسلمون السنة الذين لم يجتمعوا في قيادة عابرة لمناطقهم الا مع الحريرية المدركة أنها لتحقيق ذلك عليها أن لا تُحصَر في الوقت عينه في الطائفة.
والمسلمون الشيعة، الذين يقلّدون بمعظمهم مرجعيتي فضل الله والسيستاني، وقلة قليلة منهم تقلد المرجعيات العلمائية الإيرانية، في حين أن الحزب المنتمي إلى ولاية الفقيه له الغلبة داخل الطائفة.
الوصاية السورية
لقد صعد كل من «حزب الله» والحريري الأب في مرحلة الوصاية السورية. لأن هذه الوصاية احتاجت أيضاً إلى النفوذ الإيراني والسعودي، بشرط ابقائهما تحت جناحها. الأول لا غنى عنه لتحسين موقع سوريا التفاوضي، رغم أن إيران نفسها ترفض أساس فكرة التسوية الإقليمية مع الدولة الصهيونية. والثاني لا غنى عنه كرئة مالية للبنان، أو للوصي السوري على لبنان، على حد سواء. كل هذا، في ظل تفويض أمريكي معطى لدمشق، وسعي فرنسي لتشذيب هذا التفويض، والحيلولة بينه وبين اضمحلال لبنان ككيان.
ثم انقلبت الآية. بعد رحيل حافظ الأسد، لم تعد وصاية دمشق على النفوذين الإيراني والسعودي في لبنان مؤاتية. كما تراجعت الندية في العلاقة بين سوريا وإيران.
أما الإستيعاب السوري لظاهرة رفيق الحريري في التسعينيات فقد انقلب إلى نقيضه مع بدء الألفية. اذ أخذ بشار الأسد بنظرية تآمر الحريري على الوصاية السورية في لبنان، هذه النظرية التي ظل الحريريون ينفونها عنهم بشتى السبل، إلى يوم مقتل الحريري، ثم أخذوا بعد ذلك يقتبسون منها رواية حول عمل الحريري التراكمي لإخراج سوريا.
توسع النفوذان الإيراني والسعودي في لبنان بعد جلاء الوصاية السورية. ثم ظهر بوضوح أن النفوذ الإيراني وطيد أكثر، فنشأت عن ذلك أزمة تصاعدية في العلاقة بين مندوب النفوذ السعودي في لبنان، سعد الحريري، وبين النفوذ نفسه.
لما كانت الظاهرة الحريرية مرتبطة بشخص مقاول ومتعهد ومستثمر في المقام الأول، قُصَم ظهرها مع اغتيال رفيق الحريري. في الوقت عينه، ولدت لحظة اغتيال الحريري بتفجير ضخم لموكبه، وهذا الحقد الهمجي الذي انصب على البلد ككل يومها، الأسطورة التي كانت تحتاجها هذه الظاهرة الخالية من عقيدة، والتي ستوفّر لها فوق ذلك شرعية توريث لزعامة سنية لم يكن قد مرّ على تتويجها أكثر من عشر سنوات، وبالكاد.
وظهر أن زمن الوصاية كان مؤاتياً للحركة الاقتصادية أكثر منه لبنان بعد الوصاية، الذي شهد اغتيالات 2005 – 2013، وحرب تموز 2006، واقفال وسط البلد بخيم كوادر «حزب الله» وحلفائه 2006 – 2008، ثم عملية الحزب الأمنية للسيطرة على بيروت الغربية في 7 أيار 2008، وقبل ذلك حرب نهر البارد في الشمال، وبعد ذلك الاقتتال المذهبي في طرابلس، ومعركة «حزب الله» مع المحكمة الدولية، والانقسام حول الوضع في سوريا وانخراط الحزب أكثر فأكثر في القتال فيها بالآلاف من شبابه، وتدفق مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى بلد مكتظ ومنهك اقتصادياً ومنقسم طائفياً ومسلوب السيادة كلبنان، وحدوث شغورين رئاسيين، وفترات طويلة من التعطل الحكومي والتمديد البرلماني، وسنوات بعد أطول لم تقرّ فيها موازنات عامة.
مراد الحريرية
كل هذا لم يكن مؤاتياً للظاهرة الحريرية بعد اغتيال رفيق الحريري، رغم أهمية الأسطورة التي تزودت بها الحالة المستظلة بإسمه وتركته والتي استقر الرأي السعودي عام 2005 على تفضيل توليتها لسعد وليس لأخيه الأكبر بهاء.
أوصد المستقبل في وجه «تيار المستقبل»، كلما كانت الحركة الاقتصادية تُقوّض. في الوقت نفسه، مراد الحريرية كان عبثياً: تجنب المواجهة مع النفوذ الإيراني للحفاظ على الأرزاق والأعناق، واستسهال سوء التدبير بكافة أشكاله بحجة أنّه لا يمكن إصلاح شيء في ظل النفوذ الإيراني.
وهكذا تحولت الحريرية مع سعد الحريري إلى أبرز حالة قيادية وشعبية في مقابل غلبة «حزب الله»، إنما إلى حالة لا خبز لها كلما ابتعد البلد عن دائرة السلم الأهلي، ولا خبز للبلد كلما أمسك «حزب الله» بنقاط ضعفها كحالة، حريصة على السلم الأهلي لأجل الأعمال والصفقات، ومساهمة أساسية في إعادة إنتاج هشاشة ورياء هذا السلم الأهلي المتصدّع. فقد أرادت الحريرية سلماً أهلياً من دون سلام اجتماعي، وأراد الحزب سلاماً اجتماعياً فقط في نطاقه.
كلما تصلّبت علاقة إيران مع حزب الله أكثر كانت العلاقة بين السعودية والحريري تتوتر أكثر، دون أن تتحول من علاقة عضوية إلى علاقة بين شيئين مختلفين.
ولم تشعر إيران بأن الهالة الكاريزمية حول السيد حسن نصر الله يمكن أن تنقص من هالاتها هي، ولم تكن هذه هي أبداً الحال بين السعودية وبين الحريري.
فالسعودية دولة ونظام من نوع آخر. إيران جمهورية وإمبراطورية في آن. الولي الفقيه صلة الوصل بين طابعها كجمهورية وبين طابعها كإمبراطورية. كما أنه صلة الوصل بين الشرعية الشعبية المدسترة، وبين شرعية السماء والغيب والإنتظار والظهور والرجعة. أما السعودية فحكم ملكي سلالي. لا يمكن وصفه بأنه ملكي مطلق كون الملكية المطلقة تستلزم حصر التوريث قدر الإمكان، والزامه بقاعدة توريث أوتوماتيكية لا تستلزم مشورة وحل وعقد حولها. أما الحكم السعودي فقائم نظرياً على اثنين: إمارة السيف والشورى. لكنها شورى شبه محصورة بذرية الإمام عبد العزيز، الملك المؤسس للدولة السعودية الثالثة.
من هنا، لم يكن مقدّراً ان تسلك العلاقة العضوية بين الحريرية والمملكة مساراً تناغمياً متواصلا. وفي حين أنه يمكن أن تتعرف إيران في حاضر حزب الله على ما يذكرها بثورتها، لا يسع السعودية النظر إلى الحريرية الا كجزء من الماضي، من مدة الملك فهد. ولأجل هذا تحولت العلاقة العضوية سريعاً بعد مقتل الحريري الأب ورحيل فهد إلى علاقة ملاماتية. يلوم فيه كل طرف الآخر، في سجال أغلبه مكتوم. كتمان جاء «اعتزال» الحريري الإبن ليحافظ عليه لا ليفجره. انما ليس تماماً. لأن الحريري الإبن اذ حدد المشكلة الأولى بالنفوذ الإيراني، فإنه حدد المشكلة الثانية بأنه لا يريد أن يُساق إلى حرب أهلية. طبعاً دون أن يفصح عن هوية من يريد له أن يمضي إلى تلك الحرب، هو الذي لم يعرف له لا في 7 أيار أو سواها أنه لا ماتزيني ولا غاريبالدي. مثلما هو يتهم حلفاءه السابقين في 14 اذار بالايقاع به لدى مرجعيته، ويفيض وربعه في هذا، مع ترك حيثيات واقع الأمر إلى السرّ المكتوم.