بيروت ـ «القدس العربي»: الشكوك كبيرة بأنَّ الانتخابات النيابية المقررة في 15 أيار/مايو المقبل ستحصل في موعدها. كانت هذه الشكوك قبل إعلان زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري تعليقه وتياره العمل السياسي، وزادت بعده، ولا سيما أن هذا «التعليق» بما يعنيه من عزوف عن المشاركة في الاستحقاق الانتخابي ترشحاً وربما اقتراعاً، خلق إرباكاً وخلط الأوراق لدى مختلف القوى السياسية من حلفاء وخصوم.
خروج الحريري من المشهد سيُحدث مزيداً من الاختلال في التوازنات السياسية، خصوصاً أن غالبية استطلاعات الرأي كانت تُعطي تعطيه و«المستقبل» نحو 40 في المئة من الأصوات السُّـنية، وهي نسبة وإنْ تراجعت، لكنها تستمر في المقدمة ومؤثرة ومنتشرة على طول الجغرافيا اللبنانية، ولدى التيار ماكينة انتخابية قادرة على التعامل مع القانون النسبي لجهة ضبط الأصوات وتوزيعها وتجييرها ضمن لوائحه وعلى لوائح حلفائه.
لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الحريري في ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من فبراير/شباط، سيُعلن انكفاءً كلياً لصوت «المستقبليين» يصل إلى المقاطعة أم أنه سيترك الخيار لتقرير لجمهوره المشاركة من عدمها الاستحقاق النيابي اقتراعاً. الانكفاء الشبيه بالمقاطعة سيُصعِّب المشهد الانتخابي كما السياسي، خصوصاً إذا التحق بركب الانسحاب رئيس الحكومة الحالي نجيب ميقاتي ابن مدينة طرابلس، والتي يُشير عارفون قريبون من مجلسه إلى أن فكرة العزوف عن خوض الانتخابات كانت تراوده قبل «زلزال الحريري السياسي» من منطلق أن الواقع بات يتطلب وجوهاً جديدة ودماً جديداً، وهي قناعة الرئيس تمام سلام الذي استبق بساعات موقف الحريري، معلناً عدم خوضه الاستحقاق الانتخابي، فيما ليس واضحاً بعد المنحى النهائي الذي سيسلكه فؤاد السنيورة، والذي سبق في استحقاق 2018 أن عزف عن المشاركة في الحياة الانتخابية من دون الابتعاد عن الهم السياسي والشأن العام، خصوصاً أنه جرى التداول في إمكان إدارته الدفة الانتخابية بعد خروج الحريري، وأن تغريدته التي قال فيها «أخي سعد، معك رغماً عن قرارك، ومعك رغماً عنهم» تعليقاً على الحدث تحتمل أكثر من تفسير.
البعض من رموز التركيبة السياسية الحاكمة الراغب في تأجيل الانتخابات يذهب إلى قراءة غياب تيار «المستقبل» عن الانتخابات معطوفاً على غياب أقطاب نادي رؤساء الحكومات السابقين، والذي أُنشئ ليكون إطاراً سياسياً سنيّاً يتصدى للإشكاليات الوطنية وتلك المتعلقة بموقع رئاسة الحكومة وموقع السُّـنة في المعادلة اللبنانية، بوصفه خللاً ميثاقياً، ما قد يُعطي مبررات وطنية لخطوة التأجيل والتمديد للمجلس النيابي.
ولكن اللعب على وتر «فقدان الميثاقية» لتأجيل الاستحقاق الانتخابي غير قابل على «التسويق» ولاسيما أن المجتمع الدولي لا ينفك يؤكد في كل مناسبة على ضرورة إجرائه في موعده. وكان لافتاً، على رغم العلاقة التي تربط بين الحريري وباريس، مسارعة بيان الخارجية الفرنسية على القول بأن قرار الحريري ترك الحياة السياسة يعود له، وأنه لا يجب أن يؤثر قرار الحريري على تنظيم الانتخابات التشريعية في لبنان بموعدها. بيان هو بمنزلة تحذير من أي محاولة لتطيير الانتخابات.
على كل، بدا أن ترتيب احتواء تداعيات «الزلزال السياسي» في الوسط السُّني، تسير بسرعة. فقد حملت زيارة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان إلى السراي الحكومي، مقر الرئاسة الثالثة، قبيل توجهه إلى صلاة الجمعة، بعد «إثنين التعليق» تجديداً لغطاء المرجعية الدينية لأعلى مرجعية سياسية في الطائفة. مناسبة استغلها ميقاتي ليوجّه، من خلالها، جملة من الرسائل، أهمها أنه لن تكون هناك مقاطعة سنيّة للانتخابات، وأن كل شخص حرّ بالترشح، وكأنه يقول إن ارتدادات خطوة الحريري ستبقى محصورة بالشخص لا بالطائفة.
لم يكن ينتهي النهار حتى أطلَّ على المشهد السياسي بهاء الحريري، الشقيق الأكبر لسعد الذي كان يُنتظر أن تنتقل إليه عباءة والده كونه الأبن البكر، قبل أن يرسو القرار السعودي الذي غُـلِّـف بقرار العائلة على سعد، ما أدى إلى خروج كليّ لبهاء من الصورة. جاءت أول إشارة له بالرغبة في لعب دور سياسي حين ساءت علاقة سعد مع الرياض عقب «الاستقالة الجبرية» في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 والتي عكست غضب المملكة من الحريري الابن نتيجة التسوية السياسية التي كرَّست الاختلال في التوازن السياسي وانحراف لبنان وهيمنة «حزب الله» على قرار الدولة. حينها آثر سعد الحريري ألا يلتقط الرسالة، فعاد إلى لبنان وعاد عن استقالته، وطويت محاولة بهاء الذي لم يكن شارع رفيق الحريري متحمساً له ولا حلفاء سعد ولا حتى خصومه.
في اليوم الخامس على تعليق شقيقه المشاركة في الحياة السياسية، خرج بهاء الحريري في بيان متلفز ليُعلن أنه سيستكمل مسيرة والده الشهيد، ولن يتخلى عن المسؤولية، وأن «عائلة الشهيد رفيق الحريري الصغيرة كما عائلته الكبيرة لم ولا ولن تتفكك، بالشراكة والتضامن سوف نخوض معركة استرداد الوطن واسترداد سيادة الوطن من محتليه». بدت الصورة وكأن قراراً ما قد صدر في مكان ما لخروج سعد ودخول بهاء.
قد يكون من المُبكر حسم أن محاولة ملء الفراغ ستكون سلسة وسهلة، ولكن من الممكن الجزم بأن واقعة «زلزال الحريري» لن تُطيِّر الانتخابات. سيكون لازماً البحث عن مسوغات أخرى، رغم أن مراقبين كثراً يعتبرون أن هناك عوائق إدارية ولوجستية ومالية وأمنية تحول دون إمكان إتمام الاستحقاق، وهي تدخل في إطار توفير الأمن الانتخابي ونزاهة العملية، الأمر الذي لا يرتبط فقط باليوم الانتخابي الكبير، بل بما يسبقه وما يليه، وسط تنامي عجز الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الإدارية والعسكرية والأمنية.
ثمة قوّتان على طرفي نقيض تتحضران لخوض الانتخابات بشكل جدّي كأنها واقعة حكماً، هما «حزب الله» و«القوات اللبنانية». «حزب الله» يُريد تأكيد قوته الانتخابية ضمن الطائفة المحسومة عملياً لمصلحة تحالفه مع شريكه في «الثنائي الشيعي» نبيه بري، ويريد السعي إلى حصد «محوره» الغالبية البرلمانية. سيُسهّل عليه خروج الحريري من المشهد الانتخابي عملية التمدّد والتسلّل إلى المناطق السنيّة لإيصال مرشحين من «سنّة 8 آذار» أو «سنّة المحور»، خصوصاً إذا لم تنجح «بدائل الحريري» في إثبات مكانتها قبل الانتخابات، وخوضها إياها بعيداً عن حال التضعضع التي تُصيب الطائفة السُّـنية، فيما «القوات اللبنانية» تتوق، أولاً، إلى تأكيد أرجحية زعامتها عند المسيحيين بعدما تقاسمت في انتخابات 2018 تلك الزعامة مع «التيار الوطني الحر» الذي يتزعمه صهر رئيس الجمهورية ووريثه السياسي جبران باسيل بفارق بسيط لمصلحة «التيار»، والذي تراجعت اليوم شعبيته بشكل كبير. وتتوق، ثانياً، إلى الاستحواذ على موقع متقدّم في المعادلة الوطنية؛ وهذا أمر قابل للتحقّق، على الرغم من بعض الارتدادات عليها في بعض المناطق بفعل خروج الحريري وما يشوب من عطب العلاقة بين «القوات» و«المستقبل».
على أن الأزمات في المشهد العام تتسارع مع اشتداد الخناق المالي والاقتصادي على اللبنانيين، وعجز السلطة الرسمية عن ملاقاة شروط صندوق النقد الدولي والدول المانحة لولوج مسار إنقاذي، وضيق هوامش المناورة لديها في إثبات رغبتها وقدرتها على استعادة دورها بعدما أذابت الحدود بينها وبين «حزب الله»، الذي يُجسّد مشكلة داخلية وإقليمية ودولية ما عاد ممكناً التغاضي عنها من دون معالجات جذرية وناجعة، وهو الأمر الذي يفيضُ سوداوية وقلقاً من «المجهول الآتي» الذي تتعدّى مفاعيله الإطاحة بالاستحقاق الانتخابي إلى اهتزاز كل ركائز الكيان من جديد!