في 24 كانون الثاني/يناير ألقى رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري كلمة عاطفية أعلن فيها عن نهاية مسيرته السياسية، على الأقل في الوقت الحالي، وحث تيار المستقبل الذي قاده على مدى عقدين بألا يشارك في الانتخابات البرلمانية المقررة في أيار/مايو المقبل. وبرر الحريري الذي تولى رئاسة الوزراء لثلاث مرات ودفع إلى السياسة بعد اغتيال والده رفيق الحريري عام 2005 خروجه من المشهد السياسي بأنه لم يعد يرى أي فرصة إيجابية لدى لبنان في ظل التأثير الإيراني والغموض الدولي والإنقسام الداخلي والطائفية المتفاقمة وتلاشي الدولة. وربما علم رحيل الحريري نهاية الحقبة التي قادتها عائلته للبنان في مرحلة ما بعد نهاية الحرب الأهلية وعملية إعادة إعمار البلد، وأن هذه الترتيبات تفككت أمام زيادة النفوذ الإيراني وتصاعد قوة وكيلها حزب الله في السياسة الداخلية وتوقف الدعم الخليجي ممثلا بالسعودية.
أزمة حياة ونخبة
ويعاني لبنان في السنوات الأخيرة من كارثة صنعتها النخبة الحاكمة والتي كان الحريري جزءا منها، فقدت فيها العملة اللبنانية نسبة 90 في المئة من قيمتها وأدت لفقر معظم اللبنانيين الذين لم يعودوا قادرين على توفير المواد الأساسية. ووصف البنك الدولي الوضع في لبنان بأنه من أكثر الأزمات المالية التي لم يشهد العالم مثلها منذ منتصف القرن التاسع عشر.
وفي تقريره عن لبنان «الإنكار العظيم» اتهم فيه العائلات الطائفية وأمراء الحرب الذين أصبحوا ساسة بأنهم تسببوا «بكساد عظيم» لإخراج أنفسهم من الديون وإغراق ثلثي السكان بالفقر وإجبارهم على الهجرة. وقتل انفجار ضخم في مرفأ بيروت آب/أغسطس 2020 أكثر من 200 شخص وترك أحياء في العاصمة في حالة من الدمار. وفي الوقت نفسه حاولت النخب السياسية الحاكمة منع التحقيق في التفجير لحماية أفرادها ومصالحهم. وزاد حزب الله من ترسانته العسكرية ضد إسرائيل وأرسل مقاتليه للمشاركة في حروب المنطقة. كل هذا في وقت فشل فيه الحزب والنخبة اللبنانية التي كان الحريري جزءا منها بتخفيف المصاعب الاقتصادية على السكان أن العثور على حلول للأزمة التي تمر بالبلد الذي يعيش فيه 5.2 مليون نسمة.
يأس
ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» (24/1/2022) عن مصطفى علوش نائب رئيس حزب المستقبل قوله «قرر سعد الخروج بعد اكتشافه ألا أمل للبلد» و«أنا قلق من المستقبل المجهول، وأرى لبنان اليوم يسير نحو النهاية». وترى الصحيفة أن خروج الحريري ترك فراغا في الوضع السياسي الراهن لا يعرف أحد نتائجه، إن كان تغييرا أم ركودا. ويعني قرار الحريري أن السنة في لبنان وهم من طوائف لبنان الكبرى أصبحوا بلا تمثيل، ذلك أن الحريري ظل السياسي الأبرز الذي مثلهم بعد مقتل والده. وكما ترى مها يحيى، مدير مركز كارنيغي الشرق الأوسط في بيروت «تراجعت شعبيته ولكنه لا يزال حتى الآن الزعيم الذي لا ينافس لدى قطاع كبير من السنة» و «الآن وقد خرج فقد خلف وراءه فراغا كبيرا». وفي غياب مشاركة كتلة المستقبل التي تحتل 13 مقعدا من 128 مقعدا في البرلمان اللبناني، فهناك أسئلة حول عقد الانتخابات المقبلة. وكما تقول يحيى «لا يمكن أن يكون لديك مجتمع بكامله لا يشارك بالانتخابات على هذا النحو». على العموم هناك من يقول ما الداعي لتصريح الحريري وتعليقه العمل السياسي، وهو يعيش في منفاه بأبو ظبي مرتاحا وبعيدا عن معاناة الناس اليومية، من الفقر ونقص الدواء والوقود وتغول النخبة السياسية وتهديد سلاح حزب الله وأتباعه؟
السنة عماد لبنان
وكما يقول يقول ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» (27/1/2022) فانسحاب الحريري من الحياة السياسية يترك فراغا، ليس لأنه كان سياسيا من العيار الثقيل، فهو شخصية جذابة ومرحة وعادة ما أشار إلى نفسه بضمير الغائب، لكنه ظل سياسيا غير فعال. وأهمية تصريحاته نابعة من أهمية الطائفة السنية للحياة السياسية اللبنانية، فلبنان منذ استقلاله عام 1943 كان بحاجة لعماد سني يبقيه واقفا. ولم يكن هذا مهما مثل اليوم، حيث انقسم المسيحيون بين السنة والشيعة وبات لبنان مستعبدا لحزب الله، الذي تدعمه إيران ويتصرف وكأنه دولة داخل دولة. ويعتقد غاردنر أن غياب سعد الحريري يعلم مسألة حاضرة اليوم في الشرق الأوسط، وهو غياب القادة العرب السنة الذين يمثلون التيار الرئيس. وفي وقت تستخدم فيه إيران الميليشيات والصواريخ لدعم الشيعة العرب بمنطقة المشرق والخليج. وكان رفيق الحريري، والد سعد واحدا من القادة الذين شكلوا عقبة أمام خطط إيران وسوريا في لبنان- وهو السبب الذي قاد لتصفيته في يوم عيد الحب عام 2005. وحظي الحريري بدعم السعودية وفرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا واستمر مال الإعمار بالتدفق، لكن الحريري لم يكن قادرا على تشكيل المعمار السياسي للبنان فيما بعد الحرب. وفي الوقت الذي توسطت السعودية في اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية وجعل الحريري رئيس وزراء تنفيذي إلا أنه اكتشفت وبشكل مأساوي ما يحدث عندما حاول استخدام هذه القوة وبدعم دولي. مع أنه وجد أن من السهل عليه العمل من خلال الرعاية الطائفية التي اضطر كل من جاءوا بعده وبمن فيهم ابنه سعد المضي بها في وقت تحول فيه لبنان إلى أرض يباب.
نجاح وفشل
ويحسب لسعد الحريري، السياسي الذي دفع للواجهة توجيهه دفة «ثورة الأرز» التي أنهت الوجود السوري في لبنان وقاد تيار المستقبل في انتصارات عدة من 2005 إلى 2009 قبل أن يعتزل خارج لبنان بعد انهيار حكومته في عام 2011 ليعود إلى الحكومة في 2016 ويتولى منصب رئيس الوزراء في حكومة ائتلاف أخرى مع «حزب الله» تحققت من خلال إبرام اتفاق ينص على دعم انتخاب خصمه السياسي – حليف الحزب الموالي لسوريا ميشال عون – رئيساَ للجمهورية. وفي ذلك العام، دفعت التحديات المالية المتزايدة بالحريري إلى الموافقة على أو القبول بسلسلة جديدة من الإجراءات المالية المثيرة للجدل بإشراف المصرف المركزي. وفي غضون ذلك، وقبل عودته إلى منصبه بقليل أجبرت الرياض شركة البناء العملاقة التي يملكها الحريري «سعودي أوجيه» على إشهار الإفلاس. ويرى ديفيد شينكر في موقع «معهد واشنطن» (25/1/2022) أن الحريري لم يكن قادرا على ترجمة انتصاراته الانتخابية الأولى على الأرض. وساهم بوصول منافسيه إلى السلطة ورغم كونه السياسي السني الأبرز إلا أنه لم يعمل على حماية مصالح السنة، حتى عندما كان المال السعودي يتدفق عليه. ولم يسهم، كما يرى شينكر بالترويج لرؤية سياسية موالية للغرب. ولم يكن بمنأى عن مزاعم الفساد وورد اسمه في قضايا تتعلق بصفقات مشبوهة وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على مقرب منه. وكشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن منحه عارضة أزياء جنوب أفريقية 16 مليون دولار. ويقول الحريري إنه خسر الكثير من الثروة التي تركها والده في مسيرته السياسية، وكانت ثروته تقدر حسب مجلة «فوربس» بـ 1.3 مليار لكن المجلة لن تذكره ضمن قائمة المليارديرات القادمة. ومن هنا كان إرث الحريري متباينا من حيث النجاح والفشل ولعب اللعبة السياسية التي تفرضها المحاصصة، حيث هادن عندما وجد المهادنة ضرورية وواجه عندما كان يعرف أنه لا يستطيع مقاومتها، ورفع خيار المقاومة وتصالح مع أعدائه ومنافسيه. في وقت بدأت القوى التي تدعمه تتخلى عنه، حيث بدا هذا واضحا في مسعاه الأخير لتشكيل الحكومة إلا أن داعمي منافسيه لم يتخلوا عنهم وواصلوا عملية التمكين لهم. ويعتقد غاردنر في «فايننشال تايمز» أن الإنصاف للحريري يدعونا للقول إنه واجه خيارات صعبة، فتحت ضغط من السعوديين ذهب إلى دمشق وتصالح مع بشار الأسد المتهم نظامه بأنه واحد من مهندسي جريمة قتل والده وقضى ليلة فيها. كما وجدت حركة المستقبل التي يقودها وحلفاؤها الدروز نفسها في معركة ضد حزب الله في بيروت الغربية، أيار/مايو 2008. وأدت تنازلاته لحزب الله ومساعدة عون الجنرال عون وحزبه المسيحي المتحالف مع الحزب إلى الرئاسة في عام 2016 وهو المرشح لها منذ عام 2007 إلى غضب حلفائه السعوديين، خاصة أنها قادت إلى حصول الحزب وحلفائه على الغالبية في 2018. ورأت الرياض أنها باتت تسهم بتقوية التأثير الإيراني على لبنان الذي تضيفه لقائمة الدول الواقعة تحت سيطرة الجمهورية الإسلامية في المنطقة. ولهذا ألغت رزمة مساعدات للجيش اللبناني بـ 4 مليارات دولار. وأتبع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والحاكم الفعلي بدعوته الحريري إلى الرياض ووضعه كرهينة مجبرا إياه على الاستقالة. وعندما عاد تراجع عن استقالته بدعم من أعدائه مما حوله لرئيس وزراء بدون قوة. وحاول الحريري عقد محادثات في تشرين الأول/أكتوبر 2019 مع أبو ظبي لكي تدير المطار وميناء بيروت، لكن المحادثات لم تفض إلى نتيجة وأجبر الحريري على الاستقالة بعد ذلك بأسابيع في التظاهرات التي خرجت احتجاجا على الأزمة المالية والاقتصادية والدين العام. وعاد الحريري إلى أبو ظبي ولن يشارك في الانتخابات التي قد لا تحدث ولكنها تظل انشغالا للنخبة السياسية في لبنان بدلا من مواجهة أزمات لبنان المتعاقبة وإنقاذه من الوقوع في الهاوية. ويعتقد غاردنر أن على حزب الله تجنب الشعور بالرضا عن النفس، فحليفيه الرئيسيين عون ونبيه بري، رئيس البرلمان في الثمانينيات من العمر وتقترب حياتهما السياسية من النهاية، ولا يمكن للبنان أن يحكم بدون مشاركة السنة، لكن لعبة الإنكار التي أشار إليها البنك الدولي مستمرة.
من يخلفه
دافع الحريري عن سجله في الحكم وقال إنه منع وقوع الحرب الأهلية في البلاد، لكنه فشل في تحسين حياة الملايين من اللبنانيين، مما أدى لتدمير لبنان بطرق أخرى. وهو إن تحدث عن خسارته الثروة التي ورثها عن والده لكنه اعترف أنه أصبح واحدا من النخبة السياسية الفاسدة التي نهبت ودمرت البلد. وعلق شينكر أن الحريري رغم كونه حسن النية أكثر من معظم زملائه من النخب السياسية في بيروت، إلا أنه أصبح في النهاية جزءا من الزمرة التي دفعت لبنان نحو مشارف الدولة الفاشلة. وقال إن غيابه الذي يتردد منذ تموز/يوليو سيؤدي إلى بلبلة بالغرب بسبب غياب السنة. والسؤال عن الشخصية السنية القادمة. وهناك من يرى في تنحي الحريري فرصة لظهور قيادات سنية جديدة، لكنها قد تجد نفسها فريسة للرهانات التي فرضت على الحريري الوالد والإبن في ظل استمرار إملاءات حزب الله وإيران وغياب الدعم العربي للطائفة السنية. ورغم ترحيب بهاء شقيق الحريري الأكبر بانسحاب سعد من الحياة السياسية، لكنه ليس مستعدا على ما يبدو لترك مقر إقامته في باريس وارتداء عباءة الزعامة رغم تعبيره استعداده لدعم بعض المرشحين المعارضين لحزب الله ودعاة الإصلاح. وربما فازت عمته المقيمة بصيدا، بهية الحريري بمقعد في البرلمان، لكنها لن تشارك وأي من عائلة الحريري بالحكومة المقبلة. وفي النهاية فمن المشكوك فيه أن تغير الانتخابات، هذا إن عقدت الوضع الحالي للبنان، ففي ظل تغول حزب الله وخطاب حلفائه المحارب فلا مجال للتركيز على القضايا الملحة ومعالجة الأزمة الاقتصادية.
وقد يستريح لبنان من عائلة الحريري ولو لفترة، فالحريري الأب بنى لبنان بعد الحرب، وربما تذكر اللبنانيون ابنه بأنه كان واحدا ممن ساهموا في دماره، لأنه لم يكن قادرا على التخلص من تهديدات الداخل وتنمر الخارج عليه، والأهم من ذلك أنه لم يتقن لعبة «حماية» الطائفة كما فعل أنداده ومنافسوه.